الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سفر الحسين إلى العقبة
لما كان في ليلة 16 ربيع الأول، نزل هو وحرمه وعبيده إلى البحر بذهبه وأمواله، ولم يجد من يمنعه أو يطالب بحقوق الأمة المسكينة التي أثقل كاهلها بالضرائب، ويجمع باسمها يرافقه للوداع أحمد السقاف رئيس ديوانه السابق وناظر الجمار كمحمد الطويل، فامتطى الباخرة التي تدعى بعدئذ "الرقمتين"، فقال معجبا به سنسافر فيه يوما من الأيام سفرة بعيدة نعم إنه سافر سفرة بعيدة إلى العقبة، وكان الذي زين له السفر قبل ذلك ابنه علي، وأنهم لا يقصدون من سفره إلا حل الموضوع إذا بارح البلاد، وأنهم اختاروا له السفر إلى العقبة لاعتبارها إحدى البلاد التابعة له، ليستطيع تزويدهم من هناك بآرائه ويمدهم بمساعداته حتى ينالوا النصر النهائي، فيرجع إذ ذاك إلى مكة مكرما معززا، وقد سعى رشدي باشا لدى الملك فؤاد ولدى رئيس الوزارة المصرية سعد باشا بأن يسمحا لعاهل الحجاز السابق أن يسكن مصر فأبيا خشية من حدوث ما لا تحمد عقباه.
ولما استقر بالعقبة جعل يرسل الإمداد والذخيرة والمال إلى ابنه علي، ولقد قام الحسين بتجنيد بعض العربان من شرقي الأردن وإرسالهم إلى جدة كما أرسل طبيبه الخاص الدكتور "ثابت نعمان" لإبتياع بعض المهمات للحكومة من مصرفا كلها عليه وظل في مصر، واشترى بواسطة معتمده بمصر عبد الملك الخطيب بعض السلاح، ولكنه حجز في جمرك السويس، كما عهدت الحكومة إلى السيد عبد الملك الخطيب بمصر في مقاولة بعض الشركات لإحضار كمية من السلاح لها من الخارج وأبرقت إلى كل من الملك فيصل في العراق والأمير عبد الله بشرق الأردن بطلب المساعدة بالمال والرجال والعتاد، وباتوا ينتظرون النتائج.
ولما انقطع كل أمل للحكومة الحجازية في التفاهم مع ابن سعود ولم تجد التوسلات شيئًا، وجاءت إلى جدة بعض النجدات للملك علي رأي أن يظهر لخصمه الجلد والثبات، ويلوح له بما لديه من قوات فربما كان في ذلك ما يحمله
على تعديل خطته، فكتب هذه المرة خطابا لابن سعود فيه التهديد والوعيد، من علي بن الحسين إلى صاحب العظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود. أما بعد:
فإني على يقين من أن التسافك في الجزيرة يقطع الأرحام، وذهب بالأحلام، ويغري عدو العرب على الإستفادة من الخصام، وأنت تعلم أنه عدو شديد عنيد لا يستنيم إلى رعاية العهود ولا يطمئن إلى السكينة، فماذا أنت فاعل وقد بسطت لك الحالة كما هي من غير تشويه في حقيقتها أو لبس في مظاهرها وأن أقصى رغبتي هي أن يسود السلام في الجزيرة، وأن تعود السكينة ما بين نجد والحجاز، وإني لباسط لك رأيي في السلم، ومقترح عليك عقد مؤتمر لإزالة بواعث الخلاف وينبغي أن تعلم عظمتك أن تدخل الأجانب بين الأمم المسلمة ضار بنا وبمصلحة بلادنا وهذا التدخل لا يبعد أن يجر إلى تشاحن عظيم، وهذا أمر لا أرغب فيه ولا أوافقك عليه، وما شأن الأعاجم (1) في بلادنا، وأنت تعلم أن لهم من مشاغلهم في بلادهم ما يضطرهم إلى التنحي عن الإهتمام بمصير الحجاز، فإذا هم جدوا في استقلال بلادهم كان ذلك أحرى لهم من كل أمر لذلك، فإني أقترح عليك عقد مؤتمر يحضره مندوبوا الطرفين للصلح، والرجوع إلى إتمام المفاوضات التي دارت في مؤتمر الكويت من قبل، وأرغب إليك جلاء النجديين من الأراضي الحجازية المحتلة، وإلا فسنردها بالسيف، فإذا لم يبلغك صوتي ويصلك نذيري فإني مضطر إلى الإطلاء بنار الحرب بلا شفقة ولا رحمة، وللتاريخ بعد ذلك حكمه الذي لا يرد في الباغي منا، وإذا كنت باغيا فلا يذكرني التاريخ بخير، وإن كنت أنت الباغي حقت عليك كلمة الله "وما الله بغافل عما يعمل الظالمون"، فتلقى ابن سعود هذا الخطاب يتبسم وعرف أن القلق قد أزعجه وفر من قلبه الثبات، وما وسعه إلا أن يرد عليه ردا قاسيا على علي بن الشريف حسين.
(1) يقصد بالأعاجم علماء الهند الذين فوض ابن سعود الأمر إلى حكمهم عند عقد المؤتمر الإسلامي، والمذكورون هم الذين طلبت وساطتهم في صلح الحكومة الحجازية من الأساس.