الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر هزيمة آل عائض
لما ركبوا مطيعة العصيان وخرجوا لقتال ابن مساعد تصادموا في مكان يدعى حجلة بين العاصمة خميس مشيط، فكانت الواقعة شديدة جدًا فجعل الله عز وجل الهزيمة على أهل عسير، ثم دخل جيش بن مساعد أبها وواصل سيره غربًا جنوب، فاستولى على السراة وغيرها من النواحي التي تتصل بحدود الإدريسي، وكان الإدريسي مواليًا لابن سعود فأسر بعض آل عائض الفارين ورجع حسن وابن عمه محمد إلى ابن مساعد مستأمنين مستسلمين، فأمنهما وأرسلهما إلى الرياض فلبثا شهرًا بضيافة السلطان عبد العزيز واتفقا وإياه على أن يكونا معه كما كان أجدادهما مع أجداده، فقال لهما عبد العزيز: ما تخلينا أبدًا عنكم يا أهل عائض، وعندما سأل الترك الشريف عبد الله بن عون أن يهاجمكم وينكل بكم أرسل الشريف يستنجد عمي الإمام عبد الله فأجابه قائلًا: ابن عائض رجل منا فكيف نساعدك عليه، ثم عرض السلطان إمارة عسير على حسن بالشروط التي تقيد بها أجداده فرفضها قائلًا: قد عادينا الناس ونخشى إذا أمرتنا أن يقوموا علينا ولكنا نكون معاونين لمن تؤمرون أيدكم الله ولا تقصروا عنا من جهة الدنيا، فلم يقصر ابن سعود وقد أعطاهما خمسة وستين ألف ريال وخصهما وأهلهما بالمشاهرات المالية ثم عاد الأميران إلى بلادهما راضيين مغبوطين، فأقام محمد في أبها عند حاكمها وكانت سيرته حسنة، أما حسن فاستأذن بأن يسافر إلى حرملة بلدته ليجيء بعائلته إلى العاصمة فأذن له بذلك ولكنه عندما وصلها تمنع فيها وشرع يدس الدسائس على ابن مسعود، ثم مشى بعد فتنة آثارها بقوة من قومه على أبها فحاصر الأمير فيها عشرة أيام واضطره إلى التسليم فسلم فأسر في خميس مشيط.
فلما أن عصى حسن وضرب بعهوده مع ابن سعود عرض الحائط واستولى على أبها وأسر أميرها قام الشريف حسين بن علي يمد حبائله في عسير وأرسل إلى قبائل شهران وغيرها يستحثها للانضمام إلى حسن بن عائض ويستنهضها ويمدها
بالذخائر والأموال فتفاقم الأمر وأعلن حسن العصيان واشتد الخطر على الحكومة السعودية فاستمرت هذه الحال قريبًا من شهرين، وكان ابن سعود مشغولًا بفتح حائل وبعد سقوط حائل ببضعة أشهر أعني في هذه السنة جهز السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن ابنه فيصل بحملة على عسير مؤلفة من ستة آلاف مقاتل من جنود نجد من الإخوان وأربعة آلاف من عرب قحطان وزهران انضموا اليهم عندما دخلوا تلك الجبال فزحف الأمير فيصل في شوال من هذه السنة بعشرة آلاف مقاتل يؤم عسير، فلما أن وصل بيشة كان بنو شهر زاحفين إليها يريدون مهاجمتها فأمر فيصل بابتداء القتال فهجمت عليهم كتيبة من الجيش فقتلت مائتين منهم وشتت الباقون وكان محمد بن عائض مرابطًا بجيشه في خميس مشيط، فلما علم بدنو فيصل تقهقر إلى حجلة فتقفته سرية من الفرسان فتراجع وجنوده إلى أبها بدون قتال.
وقد سأل بعض الجلساء الأمير فيصل هل كان في أبها عندما دخلتموها أحد من المقاومة، فقال: ما وجدنا فيها غير الكلاب والحريم، فر آل عائض وقومهم وفر معهم هاربًا من استطاع الفرار؛ فأرسل الأمير فيصل يؤمن الناس بشرط أن يسلموا شوكة الحرب، فسلم فريق من الذين كانوا ثائرين وظل فريق مع الأمير حسن الذي لجأ إلى بلدته حرملة وتحصن فيها، وحرملة هذه هي في معقل من الجبال يستحيل ارتقؤها إلا من منافذ معلومة لا يعرفها غير أهلها، وكان آل عائض في محاربتهم يلجئون إليها لأنها حصنهم المنيع.
أما الأمير محمد فقد هرب إلى القنفذة ومنها إلى الحجاز ليستنجد بالشريف حسينًا فأنجده بحملة صغيرة يقودها الشريف عبد الله بن حمزة الفعر ومعها مائتان من الجنود النظامية وبعض المدافع والرشاشات بقيادة الملازم حمدي بك.
ولما أن بلغ الأمير فيصل ما آل إليه أمر آل عائض حسن ومحمد أرسل على حسن في معقله بحرملة سرايا من الجيش يتلو بعضها بعضًا وبعد تذليل العقبات ومعركة دامت ست ساعات استمر الإخوان في التصعيد حتى وصلوا حرملة فلم يجدوا حسنًا فيها، فهدموا قصورها وحصونها وعادوا إلى أبها، وأرسل أيضًا الأمير
فيصل قوة من الجيش إلى تهامة لمحاربة القادمين من الحجاز، ولكن تهامة شديدة الحر على الإخوان ولم يطيقوا حمايتها فلم يمنعوا فيها بل عادوا منهزمين، هزمتهم الحمى إلى الجبال فتقفى جيش الحجاز أثرهم.
أما قيادة الجيش الحجازي فغير متفق عليها بين حمدي بك، والشريف عبد الله بن حمزة، فقال أحدهما في خطه والآخر في أخرى، فمشي الشريف عبد الله بالجيش في الطريق التي حذره منها حمدي بك فكان صيدًا للإخوان حيث لم يشعر إلا وهو في الشبكة بينهم فأحاطوا به ومن معه وكادوا يفنون جيشه بالرصاص والسيف، وفي آخر نفس نجا القائدان بقسم من رجالهما يسير من بقية النظام وبقية البدو ففروا ولاذوا ببارق فتعقبهم الإخوان ففروا منها منحدرين إلى تهامة متقهقرين إلى القنفذة.
وفيها في جمادى الثانية نقل يوسف بك السعدون بفرقة الهجانة إلى أبي الغار على مسيرة يوم من سوق الشيوخ غربي سكة الحديد بين البصرة والناصرية، فزاره المتصرف هناك وأمر العربان بان لا يؤدوا الزكاة إلى ابن سعود، وذلك له سبب وهو أنه لما فر بعض أهل الجبل أوان حصارها إلى العراق دخلوا هناك في العشائر المعادية لعشائر نجد واشتركوا في الإغارات التي تكررت، خصوصًا من عربان المنتفق والظفير فإنهم جعلوا يسطون على عشائر نجد وكان صويط على عداء قديم هو وابن سعدون وكلاهما عدوان لابن سعود.
ومن سوء التدبير أن عيّن ملك العراق فيصل بن الحسين يوسف بك السعدون قائد الفرقة الهجانة على الحدود وبينه وبين ابن صويط عداوة قديمة فأهاج ذلك خاطر شيخ الظفير حمود بن صويط ورحل إلى الرياض فكتب المندوب السامي السربرسي كوكس إلى ابن سعود يسأله أن لا يستقبله لأن حكومة العراق غير راضية عنه فلأجل أن ابن سعود لم يكن راضيًا على الحكومة العراقية لتعيين يوسف قائدًا لهذه الهجانة وسوء قيادته التي ليست على ظاهرها رحب الملك ابن سعود بشيخ الظفير بن صويط عند ما جاءه مستغفرًا وأعطاه الأمان على شرط أن ترد عربانه كل ما نهبت من أهل نجد وأن لا يشمل العفو غيرهم من المذنبين ثم
أجزل له العطاء وأرسل معه أحد رجاله وهو عبد الرحمن بن معمر للتأمين ولجمع الزكاة من أهل الظفير المسلمين فلما فعل ما فعل يوسف بك علم السلطان عبد العزيز بأفعاله وأمر فيصل الدويش أمير الأرطاوية أن يمشي إلى الحفر ويعسكر هناك للدفاع عن عشائر نجد.
أما ابن صويط فقام ينفذ في عربانه أوامر ابن سعود فعصاه رجال من المقدمين فيهم اسمه أبو ذراع وخرج إلى آل طوالة من شمر العصاة وشرع يشن الغارات وإياهم على عشائر نجد، فلما علم فيصل الدويش بذلك وهو على الحفر شد على ابن طوالة وأبي ذراع، وكان الخبيث يوسف بك السعدون قد زحف بهجانته على ابن صويط ومن معه من رجال ابن سعود فنزل ليلة ذاك النهار في مكان قريب من مناخ أبي ذراع وابن طوالة، فهجم الدويش على هذين الزعيمين ورجالها فغلبها وغنم أموالهما فبادرت هجانة يوسف إلى الدفاع عن المغلوبين فما كان إلا قليل حتى صاروا مثلهم فضربهم الدويش دفاعًا فانقلب ذلك الدفاع هجومًا لأن الإخوان المنتصرين ظلوا ماشين إلى أبي الغار فدخلوها ونهبوها ثم اتبعوا أثر جيش ابن سعدون فأدركوه في شقرة التي تبعد عشرين ميلًا من أبي الغار إلى الجنوب فضربوه ضربة ذهبت بأكثر أولئك الهجانة وشتت الباقين.
ثم خيم الإخوان في تلك الناحية بضعة أيام فضجت كربلاء والنجف بل ضج العراق بأجمعه ففعلت الحكومة البريطانية بالدويش وجنوده فعلها الأول المتقدم في الصبيحية حيث أرسلت عليهم الطائرات القاذفة المدمرة.
وترجع هذه المغامرات وخوض معامع هذه الحروب إلى شجاعة صاحب الجلالة وعظم حظه.
وكذلك أيضًا تعرف بها جراءة الدويش وتقدمه وما كتب له من النصر والظفر بكونه يغير بالجنود الحنيفية ويضرب بها المخالفين وذلك في حين سيره بأمر جلالة الملك ابن سعود وسيأتي له بقية ذكر في هذا التاريخ إن شاء الله تعالى.
ولما رعدت الطائرات المدمرة عليه وعلى جنوده توالت رسائل الأسف بين