الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحسين إلى العقبة قد شعر بقرب زوال الملك الهاشمي عنه فكتب إلى أخيه علي يطلب إليه أن يتنازل له عن العقبة ومعان لما في ذلك من عدة فوائد أهمها أن يكون في مأمن من زحف ابن سعود إليها خوفًا من الإنكليز يحكم المعاهدة التي تربطها وأنه في حالة ما إذا تم النصر للحكومة الحجازية فقد تعهد بإعادتهما إلى الحكومة الحجازية فقنع علي، ووافق على ضم معان والعقبة إلى شرق الأردن على شروط منها أن لا يتم تسليمها ما دام الحسين باقيًا في العقبة حرصًا على عدم إغضابه وتعهد أيضًا الأمير عبد الله في إحدى مذكراته إلى جلالة أخيه ما معناه سلموا بضم العقبة ومعان وأنا أضمن لكم من الإنكليز ثلاثمائة ألف ليرة يعقد حالًا ثم إبعاد ابن سعود عن الحجاز حتى تربة والخرمة وجعل الخط الحجازي رهن إشارتكم في كل وقت، وغير ذلك من الأرقام ولكنها في كتاب الأحلام، وما كاد الحسين يلقي عصا تسياره في قبرص حتى كتب الملك علي إلى أخيه عبد الله يستنجزه الوعود التي منها تدخل الإنكليز في حل الخلاف وإنهاء الحرب بعد إقصاء الحسين عن تلك المنطقة نهائيًا ولا يخشى من عودته إلى الحكم ثانيًا، فطلب الأمير عبد الله من أولياء أمره مساعدة أخيه والتوسط في أمر الصلح فقبلت بريطانيا وكتبت إلى ابن سعود غير أنها لم تحظ منه بالقبول وأجاب بأن الأمر عائد إلى العالم الإِسلامي فهو صاحب الحق في أمر تقرير الحجاز فلم ترى بريطانيا مصادمة العالم الإِسلامي لرضاء عاملها بشرق الأردن، وختمت هذه السنة بطلائع النصر لابن سعود.
وفيها وفاة الأمير أحمد بن ثنيان رحمه الله وعفا عنه، وكان أحد رجال ابن سعود المقدميين العصريين ورسوله إلى جمال باشا التركي ومندوبه إلى لندن في صحبة الأمير فيصل بن عبد العزيز، وكان ماهرًا مسددًا ووفاته في الرياض.
ثم دخلت سنة 1344 ه
ـ
استهلت هذه السنة والحرب قد شمّرت عن ساق بين صاحب الجلالة والعظمة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل وبين الملك علي بن الحسين الشريف وقد عاد
الجيش السعودي النجدي بعد الحج إلى الرغامة وشدد الوطأة على العدو وضغطه ضغطًا شديدًا بالحصار، وفيها فتح ابن سعود أبوابه للوفود، وأول من استأذنه لزيارة الحرم والحج والعمرة هم القناصل الذين يدعون الإِسلام في جدة، عبد الكريم حكمين معتمد حكومة السوفيتي، ورادين برا ويرى نائب قنصل هولندا وأحمد أفندي لأرى وكيل قنصل إيران، فأذن لهم السلطان وبعد الأذن والزيارة للحرم دعاهم لزيارته في مقره بالوزيرية.
وبينما كانوا هناك يتكالمون بالصلح لعل الأمور ترتقي والحال تستقيم إذا بالإخوان قد هجموا في الليل على جناح خط الدفاع الأيسر من البحر إلى الكندرة هجمة هو جاء قبيحة وجعلت بنادقهم ورشاشاتهم تدوي دويًا منقطعًا كل الليل حتى الفجر، وجعلت الجبال لها عواء عظيم تجيب الصدا، وهذه كعادة الأخوان إذا صالوا فإنهم لا يهابون عددًا ولا عدة، "خيال التوحيد أخو من أطاع الله" فما كان لزيارة القناصل فائدة والحرب يعجز عن كشفها الجن والإنس، فتكلم القناصل مع السلطان قائلين إننا نتكلم مع عظمتكم في هذه المسألة بصفتنا الشخصية لا بلسان حكوماتنا لأننا شرقيون يهمنا الإصلاح والاتفاق بين الشرقيين، فأجاب السلطان قائلًا: كأن القوم لم يدركوا حتى اليوم غايتنا ومرامنا، فما زال الشريف علي في جدة، فلا سبيل إلى الصلح، أما إذا أخلاها وترك المسألة للعالم الإِسلامي، فنحن نقبل بما يقرره بشأن الحجاز، ثم سأل السلطان قناصل الدول المذكورين هل يأذن بقدوم وزير الخارجية فؤاد الخطيب، وطلبوا أن يسمح له بالمثول بين يديه في البحث في المسألة لعله يصل إلى حل يرضي الجميع، فأجاب أنه يرحب بمن أراد القدوم عليه سواء كان فؤادًا أو غيره، فرجع القناصل إلى جدة يحملون الأذن بزيارة الخطيب، فكتب فؤاد إلى عظمته يذكر أن بعض الأصحاب أنبأه بما حقق الأمل المعقود، ويطلب منه تعيين يوم للمقابلة، فأجابه السلطان بالإيجاب على شرط أن يكون الوزير مفوضًا ليوافق علي ما يملي عليه من الشروط ثقلت وطأتها أم خفت فرد الوزير فؤاد يقول أن المأمول من قدومه أولًا شرف التعرف إلى شخصكم الجليل العظيم، ثانيًا: التمهيد لإيجاد صلح تسود فيه
الطمأنينة المنشودة ليكون صور الأعمال فيما يحسن التفاهم عليه، فقال عظمة السلطان في كتابه الأخير أكون مسرورًا بمواجهتكم، فسر فؤاد بمثل هذا السرور لكنه خشي أن لا يقوم بكل الأعمال.
ولما قدم على ابن سعود وحصل الاتفاق رأى المندوب شخصًا خطيرًا لا يقعقع له بالشنان، وكان قدومه قبل دخول السنة بثلاثة أشهر فجرى بينهما من الكلام ما ملخصه، قدمت إليكم يا سيدي للتعرف بكم ولإصلاح ذات البين.
فأجابه السلطان: أما تعرفك بشخصي فإن أحب كل عربي مخلص لدينه ووطنه، وأما إصلاح ذات البين فإني أحب ذلك ولكن أين الطريق الذي يوصلنا إليه، إننا لم نجدها لفقدان الأمان في العاجل والآجل، ومن تكون صداقتنا معه بعد الإصلاح فذكر الخطيب، بينكم وبين علي؟ أجابه ابن سعود: أليس علي ولدًا للحسين وأخًا لعبد الله وفيصل؟ فتكلم الخطيب مجيبًا: نعم إنه ولد الرجل وأخو الرجلين ولكنه غيرهم، وإن له لنية طيبة، أجابه ابن سعود: ولم أقل في الرجل شيئًا وأبرأ إلى الله من أن أتكلم فيه بما لا أعلمه، ولكن يكفي فيه أنه ولد الرجل وأخو الرجلين، ولست آمنًا منه كما أنه ليس هناك من يضمن لي بعض ما أشترط، فتكلم الخطيب: الضامن هو أنت لأنك أنت الغالب والعادة أن الغالب هو الضامن، أجابه ابن سعود: لا أعلم ضامنًا له سلطة يكفل ما أطلب وأثق به، فالدول كلها على الحياد ولا نقبل تدخلها في الأماكن المقدسة وأمر العالم الإِسلامي كما ترى، فأجاب الخطيب: إن ضمنت فأنت خير ضامن ونحن تحت سيطرتك، وإن ابتغيت ضامنًا غير ذلك فنحن نفكر فيه، أجابه ابن سعود: إني أقول لك بصراحة أن المسلمين من قومنا اجتمعوا وتفكروا في أمر دينهم ودنياهم فلم يجدوا للصلح مع الحسين وأولاده ما يرضيهم، فأرجوك تركه ونسيانه فإن كان أمر غير ذلك فأنا مستعد، فتكلم الخطيب مجيبًا ما هو ذلك الأمر، أجاب السلطان: إذا كان علي يريد شيئًا من أمور الدنيا فأنا أتعهد له به في العاجل أو الآجل، ولكنني أريد أن أسألك سؤالًا عن الأمر الذي دعاك إلى رجوعك إلى جدة بعد ذهابك منها؟ وما الذي دعا
بعض السوريين والفلسطينيين إلى أن يأتوا إلى جدة لقتالنا، أقتالهم لنا قتال ديني أو حمية وطنية أم الحسين وأولاده قاموا بأمر منتظم يرون أننا أتينا لتخريبه؟ فتكلم الخطيب مجيبًا بقوله: لا أعلم شيئًا من ذلك إلا أنهم يدعون أن الحجاز مستقل ويرجون له دوام ذلك الاستقلال.
وجرت بينهما مكالمات حتى قال له ابن سعود: هل أطلعتم أو أطلع أحد على المعاهدة التي بين الحسين والحكومة الإنكليزية، فأجابه الخطيب وهو وزير الخارجية بقوله: لا، فرد عليه ابن سعود: ألم تكن وزيرًا للخارجية؟ وهل يخفى عليك شيء من ذلك؟ ومن الذي يجيبنا بعدك عن هذا؟ فأجاب الخطيب: إنني وزير خاجية للإمضاء لا للفعل، وهناك ونتف ابن سعود ليستمع لما يمليه الخطيب ويعجب، واستمر الخطيب يروي لابن سعود وظيفته التي يقوم بها قائلًا: وأغلب الأخبار لم أطلع عليها إلا بالسماع من الناس، ولقد أقمت سنوات في المدة الأخيرة أشتغل بالأدب وهذه وظيفتي، تكلم ابن سعود يقول: نعم لدي شاهد على ما تقول فلقد وجدنا في أوراق الديوان الهاشمي كتابًا من بعض القناصل للحسين يقول له فيه: وصلنا كتابكم باسم وزارة الخارجية فمضي باسم فؤاد الخطيب، ولكن الإمضاء ليس إمضاء الشيخ فؤاد المعروف، فما حقيقة الأمر؟ أجاب الخطيب يقول: نعم لقد وقع مثل هذا، فقال ابن سعود: فإذا كانت الحجج والدولة المنظمة هذه شؤونها فلا شك أن هذا يدل على أن الأمور كلها قائمة على الباطل والتمويه، فكيف يا شيخ فؤاد تؤيد مثل هذه الحكومة، ولما احتج الخطيب أنه لم يأت للحكومة البائدة وإنما يتحدث من جهة الشريف علي، أجابه ابن سعود بقوله: من جهة علي فقد أجبتك عنه كما يكفي عن الإعادة.
ثم إنه عاد من الوزيرية راكبًا بغلته حاملًا مظلته قد امتلأ من عظمة ابن سعود وسمو خلقه وصلابة رأيه، فقامت القناصل والحكومة والجنود في جدة يتسائلون ماذا عسى أن يكون تحت تلك المظلة من الآمال؟ فناولهم الخيبة التي رجع بها وكاشف بعض من وجد من رجال الحزب الوطني في جده بأنه لا سبيل إلى بقاء
الحكومة الحجازية إلا إذا أمكن التخلص من الملك علي وقطع صلتها بالأشراف نهائيًا، فنصحوا له بأن لا يتكلم بهذا حتى لا يظن أن ابن سعود قد استماله إليه ويظن به أنه يسعى لقلب نظام الحكم.
ولما سافر القناصل المسلمون للعمرة كما قدمنا قلق زملائهم المسيحيون، فأرسل الوكيل الإنكليزي كاتبه الهندي الذي يدين بالإِسلام "منشي المعروف إحسان الله" إلى مكة لأشغال تختص بالحجاج الهنود، فأقام هناك أسبوعًا، وعرج في رجوعه على المقر العالي بالوزيرية، فنزل ضيفًا على السلطان، وكانت المكالمة سرية حاصلها أن الحكومة البريطانية نقلت الحسين من العقبة فلا حاجة إلى أن يرسل ابن سعود حملة لاحتلالها إذ الهدف هو إبعاد الحسين.
وفي هذه السنة قدم ثلاثة وفود من المسلمين، ووفد من المسيحيين، ووفد الإمام ويحيى، ووفد الملك فؤاد الأول صاحب مصر، ووفد إيران، فأما وفد مصر فكان مؤلفًا من الشيخ محمَّد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا في مصر، ومحمد بك عبد الوهاب طلعت سكرتير الملك الخاص، وله غرض غير ما يظهر فإن الخلافة كانت تثقل يومئذٍ بال الملك فؤاد وقلبه فأحب أن يستطلع في أمرها رأي ابن سعود، أما وفد إيران فكان مؤلفًا من سفير مصر وقنصل سوريا العام ولا غرض له سوى البحث في مسائل الطائف والمدينة، وبعد أن زار الوفد مكة وتكلم مع السلطان فيما انتدب له عاد السفير إلى مصر وسافر القنصل "حبيب الله خان" عين الملك إلى المدينة ليتم مهمته.
أما إمام صنعاء يحيى حميد الدين المتوكل على الله فقد بعث برقيتين بواسطة قنصل إيطاليا بجدة، إحداهما للسلطان عبد العزيز والأخرى لعلي يطلب منهما إيقاف القتال واحترام الأراضي المقدسة، وأن يكون واسطة وحكمًا، وكان بعثهما في 3/ 4 منها، فأجاب علي وأبى السلطان وكان جوابه: إننا دعونا المسلمين لمؤتمر للبحث في أمر الحجاز، فنرجوا حضور مندوبكم معهم، وكان الموجب لقدوم هذه الوفود إشاعات بشعة تشاع عن ابن سعود، فلثقة العالم الإِسلامي به وبشاعة تلك