الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على المطالعة لنفسه حتى برع في الكتاب والسنة والأصليين والمذهب ومعرفة الخلاف وسائر العلوم العقلية والأدبية والرياضية، وكانت وفاته في ربيع الثاني من هذه السنة، وكان رحمه الله شيخًا جليلًا متقفيًا لطريقة السلف الصالح مدافعًا عنها، صابرًا على أذى الأعداء فيها تاركًا للتعصب، مع الدين والتقوى والعفة والصلاح زاهدًا في حطام الدنيا متقللًا منها متقشفًا في ملبسه ومسكنه ومعيشته كثير التنقل بين قرى غوطة الشام لتبليغ العلم للعامة وتعليمه للطلبة الذين لا يستطيعون الرحلة، لأن أكثر أهل هذه القرى حنابلة المذهب وارتحل إليه آخرون من الفازان وغيرهما فكانوا يسألونه عن المشكلات فيحلها لهم بأجوبة مفصلة، كان فيما مضى يدرس تحت قبة النسر في الجامع الأموي التفسير، والحديث، والفقه، ثم انتقل أخيرًا إلى مدرسة عبد الله باشا العظم المشرفة على القلعة الفرنساوية، وكان شافعيًا ثم تحنبل، وسبب ذلك كما قال بعض الخواص كنت في أول عمري ملازمًا لمذهب الإمام الشافعي رحمه الله سالكًا فيه سبيل التقليد ثم من الله علي فحبب إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام وتلميذه الحافظ بن القيم وعلى كتب الحنابلة فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب فرأيت أن مذهب الحنابلة أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهرة ومفهومهما فكنت حنبليًا من ذلك الوقت، وكان المترجم رحمه الله يلوح على كلامه علم الإخلاص ونور اليقين فكان قد وضعه بوضع المتقدمين.
ذكر مؤلفاته
ألف المؤلفات التي تشهد له بالفضل وسعة الاطلاع غير أن بعضها لم يكمل، ووجهه فيما يظهر ما أصيب به من داء الفالج في آخر عمره حتى خدرت يمناه عن
الكتابة واستعان عليها باليسرى، فمنها كتاب جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير لم يكمل، وكتاب شرح سنن النسائي لم يكمل، وشرح العمدة سماه مورد الأفهام من سلسبيل عمدة الأحكام جزءان، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وشرح الأربعين حديثًا المنذرية في جزء، وشرح الشهاب القضاعي في الحديث في جزء، وشرح النونية لابن القيم في التوحيد، وشرح روضة الأصول للموفق بن قدامة في مجلدين، كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو كتاب عظيم النفع جليل القدر، وحاشية على شرح المنتهى جزءان بلغ فيها إلى باب السلم، وحاشية على شرح الزاد، وحاشية على أخصر المختصرات، وتعليق على مختصر الإفادات، وكلا الكتابين للشيخ بدر الدين البلباني ودرة الغواص في حكم الزكاة بالرصاص، وحاشية على رسالة الشيخ الموفق في ذم الموسوسين، وشرحان على منظومتي الفرائض، وله كتاب طبقات الحنابلة لم يكمل وكتاب سبيل الرشاد إلى حقيقة الوعظ والإرشاد، جزءان وتهذيب تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر في ثلاثة عشر مجلدأ اعتنى فيه بتخريج أحاديثه، وكتاب الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية في جزء، وإيضاح المعالم من شرح الألفية لابن الناظم جزءان، ولخص الفرائد السنية في الفوائد النحوية للشيخ أحمد المنيني الدمشقي في رسالة سماها آداب المطالعة.
وله شرح الكافي في العروض والقوافي في جزء لطيف، والعقود الدرية في الفتاوى الكونية في مجلد، والعقود المرجانية في جيد الأسئلة القازانية كبرى وصغرى في مجلد وتلخيص كتاب الدارس في المدارس للنعيمي، ورسالتان في أعمال الربعين المجيب والمقنطر، وديوان خطب منبرية، وديوان شعر اسمه تسلية الكئيب عن ذكرى الحبيب.
هذا سوى ما كان من الفتاوى والرسائل في أصناف العلوم مما لو جمع لبلغ مجلدات وبالجملة فقد كان غرة عصره ونادرة دهره فرحمه الله رحمة واسعة وقد رثاه بعض معاصريه بأبيات وهي قوله:
نار الجوى قد سرت في الجسم بالسقم
…
فالدمع ما بين مسجون ومنسجم
عم الأسى وعلا السيل الربى وربا
…
وكدت لولا الحيا أصبو من الألم
أيحسب الغمران العمر لا نحس
…
به فيا قرب هذا الوهم للوهم
يا عين جودي دمًا سحا على أدم
…
واستنزلي عبرًا أدهى من الديم
لام العذول بإلحاح فقلت له
…
إليك عني فلو أصبت لم تلم
إني كفاني من أمر دهمت به
…
فالحزن مني ودائي غير منجسم
بالله دعني أنوح هائمًا وأقل
…
وألهف نفسي لفقد البدر في الظلم
بحر العلوم بحور العلم تغبطه
…
وابن الكريم فقل ما شئت من كرم
لاح اسمه قمرًا في اللحد منخسفًا
…
حسا ومعنى فحال القلب في ضرم
هو الذي تشرق الدنيا بطلعته
…
لا شمسها وأبو إسحاق ذو الشيم
سقى ضريح حماه صوب مغفرة
…
من الإله مزيل الكرب والنقم
يا نفس لا تجزعي مما دهى فلكم
…
لله من فرج يشفيك من ألم
فاستسلمي ودعي الأقدار جارية
…
فأنت صائرة لا شك في العدم
وأنهي صلاة بتسليم يقارنها
…
على شفيع الورى في مجمع الأمم
ومنهم العارف الماهر المجد في طلب العلم ذا المعرفة بأصول الدين العالم علي بن محمد الوقيصي كان رحمه الله ومن خيرة تلامذة الشيخ عمر بن محمد ابن سليم وله شهرة ومنزلة عالية وعليه آثار السكينة ونور العلم وبهاء الطاعة وكان في صفته ربعة من الرجال ناتئ الجبهة نحيف الجسم يحب أهل الدين ويميل إليهم وله معاملة في البيع والشراء لتأمين معيشته.
وقد توفى في هذا المجال حبران عالمان زاهدان هما عبد الله بن صالح الجوعي ذو العلوم الدينية والفتوحات الربانية وكان حافظًا للقرآن حسن القراءة عفيفًا تقيًا متواضعًا يحب الخمول ويؤثر التقشف ويعامل الله بالطاعة ويقرب المتقين وينتمي إليهم ويحبهم ويظهر عداوة من حاد الله ورسوله.
والحبر الثاني الزاهد العفيف الناسك "عثمان بن عبد الله بن محمد بن دخيل"
والده قاضي المذنب وكان المترجم سمحًا لين العريكة عاقلًا وديعًا وكلاهما من خيرة تلامذة الشيخ عمر بن سليم رحمة الله عليهما وقد توفاهما الله تعالى في سن الشباب وفي حال طلب العلم وعلى أحسن حالة تسر المحب الوفاة عليها وقد أصيب الدين وأهله بوفاتهم فإنا لله وإنا إليه راجعون ولي من أبيات في رثائهم:
لهم في فنون العلم باع طويلة
…
بهمة منهوم لنيل الفضائل
وتغدوا إلى نحو العلا همم لهم
…
تسرح أفكارًا وتأتي بالمسائل
إذا قيل من للمشكلات يحلها
…
ويكشف خاف بالبحوث الجزائل
ويحمي حما التوحيد من كل غادر
…
جهول خبيث من عتاة الأراذل
بنحو وقرآن وفقه وحجة
…
يقررها الوحيان طبق المشاكل
تجدهم بما حازوا يفوقون قرنهم
…
بعزم وإقدام صفات الأماثل
وإن أشكلت يومًا غموض بحوثها
…
وضل بها النحرير سبل الأفاضل
ودام على إشكاله كل غامض
…
وأعيا فخباها كبير المحافل
فيكشف كل قناع عويصها
…
ويجلو محياها سريعًا بعاجل
وتلك لعمري للخصال حميدة
…
تقربها عين اللبيب وكامل
حياة بلا علم حياة ذميمة
…
كحال ذوي الجهل أهيل التغافل
إذا قيل قال الله قال رسوله
…
تجدهم صدودًا عاقهم كل شاغل
فسحقًا لمن قد فاته رقي رتبة
…
لها شمخت أعلام أهل الفضائل
إن الحكومة السعودية قد مكن الله لها في الأرض وأصبحت في نعمة وعز وكرامة غير أنها أصيبت بهذه المحنة وهي ثورة الإخوان وما يترتب من صنيعهم لأنهم قد أخافوا الشعب وأحدثوا هذه المشاغبة وأصبح صاحب العظمة حائرًا في معالجتهم ومعاملتهم وأشد شيء إنما هو شماتة الأعداء بهذا الانشقاق وما أحسن ما قيل:
تجاف عن العتبى فما الذنب واحد
…
وهب لصروف الدهر ما أنت واجد
إذا خانك الأدنى الذي أنت خله
…
فوا عجبًا إن سالمتك الأباعد
وإذا كان عبد العزيز يريد أن يسير بالمملكة إلى الأمام بتعمير المساجد وطبع الكتب وبعث بعثات من الشبان النجديين والحجازين إلى أوربا ومصر لتلقى العلوم والصناعات وأسس دار الكسوة للكعبة المعظمة وغير ذلك فما يصنع بهذه الأحجار التي وقفت في الطريق وحيرت الألباب.
ولما أن رأى ابن سعود حروجة الموقف اضطر إلى امتشاق الحسام ضرورة وفي شهر شعبان قدم وافدًا على صاحب الجلالة الملك المعظم يريد أن ينشد بين يديه هذه القصيدة الأستاذ الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين بمناسبة الجمعية العمومية في الرياض:
أجل إنه ربع الحبيب فسلم
…
وقف نتبين ضاعنا من مخيم
معاهد حل الحسن فيها نطاقه
…
وقرة عين الناعم المتنعم
عهدت بها بيضا أوانس كالدمى
…
غرائر ملهى للمحب المتيم
عوابث بالألباب من غير ريبة
…
نوافر بالأبدان عن كل مأتم
وقفنا جنوحًا بالربوع فواجم
…
وأخر قد أدمى الأصابع بالفم
فقلت لصحبي رفعوا العيس والطموا
…
بأخفافها ظهر الصعيد المركم
نجائب لولا أن عرفنا فحولها
…
لقلنا لهيق خاضب الساق أصلم
طوينا بها حزن الفلا وسهوله
…
وقد خضبته من ظلاف ومنسم
إذا ما أدرنا كأس ذكرك بيننا
…
يكدن يطرن بين نسر ومرزم
يردن المكان الخصب والملك الذي
…
إليه بنوا الآمال بالقصد ترتمي
أمام بني الدنيا الذي شهدت له
…
على رغمها أملاكها بالتقدم
هو الملك الحامي حمى الدين بالتقى
…
وسمر العوالي ركبت كل لهذم
له هزة في الجود تفني عفاته
…
وأخرى بها حتف الكمي المعلم
له سلف يعلو المنابر ذكرهم
…
وينحط عنه قدر كل معظم
هم أوضحوا للناس نهج نبيهم
…
بمحكم آيات وشفرة مخدم
ليوث إذا لاقوا بدور إذا انتدوا
…
غيوث إذا أعطوا جبال لمحتم
وإن وعدوا أوفوا وإن قدروا عفوا
…
وإن حكموهم أقسطوا في المحكم
يصونون بالأموال أعراض مجدهم
…
إذا ظن بالأحوال كل مذمم
وهم يرخصون الروح في حومة الوغى
…
إذا كع عنها كل ليث غشمشم
أولئك أوتاد البلاد ونورها
…
صنائعهم فيها مواقع أنجم
مضوا وهم للناس في الدين قادة
…
مفاتيح للخيرات في كل موسم
فلما غشانا بعدهم ليل فتنة
…
به عم نهب المال والسفك للدم
أغاث إله العالمين عباده
…
بمن شاد ركن الدين بعد التثلم
إمام الهدى عبد العزيز بن فيصل
…
سمام العدى بحر الندى والتكرم
همام أفادته القنا وسيوفه
…
وهماته أن يمتطي كل معظم
هو القائد الجود العناجيج شزبا
…
وكل فتى يحمي الحقيقة ضيغم
جحافل يغشى الطير في الجو نقعها
…
ويزعجن وحش الأرض من كل مجثم
فأمنها بالله من أرض جلق
…
إلى عدن مستسلمًا كل مجرم
فلا متهم يخشى ظلامة منجد
…
ولا منجد يخشى ظلامة منهم
فما أعظم النعمى علينا بملكه
…
ولكن بعض الناس عن رشده عمى
لك الفضل لو ترغم أنوف معاشر
…
سروا في دجا من حالك مظلم
يعيبون بالشيء الذي يأخذونه
…
فوا عجبًا من ظالم متظلم
تنزهت عن فعل الملوك الذين هم
…
دعوا أمراء المؤمنين بمحكم
فلا شاربًا خمرًا ولا سامعًا غنى
…
إذا نقرت أوتاره للترنم
ولا قول مأمون نحلت ولا الذي
…
أتى بعده في عصره المتقدم
وكلهم يدعى خليفة وقته
…
وطاعته فرضٌ على كل مسلم
ولكن نصرت الحق جهدك واعتلت
…
بك السنة الغراء في كل معلم
فأصبحت الدنيا وريفًا ظلالها
…
عروسًا تباهي كل بكرٍ وأيم
وألفت شمل المسلمين وقد غدوا
…
أيادي سبا ما بين فذٍ وتوأم
عفوت عن الجاني وأرضيت محسنا
…
وعدت بإفضالٍ على كل معدم
فلو أنهم أعطوا المنى في حياتهم
…
وقوك الردى منهم بكل مطهم
فلولاك لم تحل الحياة ولم يكن
…
إليهم لذيذًا كل شربٍ مطعم
بنيت بيوت المجد بالبيض والقنا
…
وسدت بني الدنيا بفضل التكرم
وما الجود إلا صورةً أنت روحها
…
ولولاك أضحى كالرميم المرمم
وطاب لأهل المكتين مقامهم
…
وقبلك كانوا بين ذلٍ ومغرم
يسومونهم أعرابهم وولاتهم
…
من الخسف سوم المستهان المهضم
فأضحوا وهم عن ذا وذاك بنجوةٍ
…
محلهم في أمنه مثل محرم
فسمعًا بني الإسلام سمعًا فما لكم
…
رشادٌ سوى في طاعة المتيم
أديموا عباد الله تحديق ناظرٍ
…
بعيني فؤادٍ لا بعين التوهم
إلى أن قال:
ففي رأيه إصلاح ما قد جهلتم
…
وفي سيفه سمٌّ يداف بعلقم
أليس الذي قد قعقع البيض بالقنا
…
وخضبها من كل هامٍ ولهذم
وأنعل جرد الخيل هام عداته
…
كان حواميها خضبن بعندم
دعوا الليث لا تستغضبوه فربما
…
يهيج بدهيًا تقصم الظهر صيلم
فما هو إلا ما علمتم وما جرى
…
بأسماعكم لا بالحديث المرجم
وقائع لا ما كان بالشعب ندها
…
ولا يوم ذي قار ولا يوم ملهم
يحدث عنها شاهدٌ ومبلغٌ
…
وينقلها مستأخر عن مقدم
لها أخواتٌ عنده أن تصعرت
…
خدود بتسويل الغرور المرجم
جوادٌ بما يحوي بخيلٍ بعرضه
…
وإن ضرسته الحرب لم يتألم
أخوها وما أوفت على العشر سنه
…
يحش لظاها بالوشيج المقوم
إليك إمام المسلمين زفتتها
…
لها بك فخرٌ بين عربٍ وأعجم
وقال شاعر نجد محمد بن عثيمين قبل هذه قصيدة عظيمة منوها بمناقب صاحب الجلالة ومذكرًا للدويش وقومه بسطواته، وإنه ينبغي أن يتراجعوا عن غيهم وبغيهم لئلا يكونوا عبرة لغيرهم، ويشرح صفات عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل:
فقل للذي قد غره منه حلمه
…
متى كافأ الذئب الهزبر ينازله
ألم تر أن البحر يسلك ساكنًا
…
وإن حركته الريح جاشت زلازله
فلا تخرجوه عن سجية حلمه
…
فتكثر في الساعي بذاك ثواكله
ولا تستطيبوا مركب البغي إنه
…
إذا ما امتطاه المرء فالله خاذله
ضمنت لباغي فضله أن يناله
…
ومن يطلب اللأوا تئيم حلائله
وما نال هذا الملك حتى تقصدت
…
صدور عواليه وفلت مفاصله (1)
وأنعل أيدي الجرد هام عداته
…
وزلزلت الأرض البعيد قنابله
وما زاده تيه الخلافة قسوةً
…
نعم زاد عفوًا حين زاد تطاوله
من القوم بسامين والوقت أكدر
…
من النفع وهابين والجدب شامله
علينا لك الرحمن أوجب طاعةً
…
بنصٍّ وبرهانٍ تلوح دلائله
فقال أطيعوا الله ثم رسوله
…
وذا الأمر يدريه الذي هو عاقله
وقال رسول الله سمعًا وطاعةً
…
لذي أمركم لو شط في الحكم عامله
ومن مات ما في عنقه لك بيعةً
…
فميتة أهل الجهل يرويه ناقله
فيا معشر القراء دعوة صارخٍ
…
بكم إن يكن فيكم حليمٌ نسائله
أما أخذ الميثاق ربي عليكم
…
بإرشادنا للأمر كيف نعامله
فقوموا بأعباء الأمانة إنما
…
بأعناقكم طوقٌ يعانيه حامله
وقولوا لقومٍ ليس فيهم رويةً
…
ولا نظر فيما يحاذر آجله
إذا عقد الصلح الإمام لكافرٍ
…
يرى أنه لا يستطيع يطاوله
وفيه لدنيانا صلاح وديننا
…
ودفع أذى عنا تخاف غوائله
فذا جائزٌ في الشرع من غير شبهةٍ
…
فياليت شعري هل يفند فاعله
إليكم بني الإسلام شرقًا ومغربًا
…
نصيحةً من تهدي إليكم رسائله
(1) يقول ما نال هذا الملك بالهوينا أو إعطاء أحد هذا الملك ما ناله حتى تكسرت رماحه وتثلمت سيوفه وجعل هام أعدائه نعالًا لخيله، فاحذروا أن تكونوا من جملة تلك النعال.
هلموا إلى داعي الهدى وتعاونوا
…
على البر والتقوى فأنتم أماثله
وقوموا فرادى ثم مثنى وفكروا
…
تروا أن نصحي لا اغتشاش بداخله
بأن إمام المسلمين ابن فيصل
…
هو القائم الهادي بما هو فاصله
فقد كان في نجد قبيل ظهوره
…
من الهرج ما يبكي العيون تفاصله
تهاوش هذا الناس في كل بلدةٍ
…
ومن يتعد السور فالذئب أكله
فما بين مسلوب وما بين سالب
…
وآخر مقتول وهذاك قاتله
فأبد لكم ربي من الفقر دولةً
…
وبالذل عزا؟ خصمًا يناضله
بيمنٍ إمام أنتم في ظلاله
…
يدافع عنكم رأيه وذوابله
به الله أعطانا حياةً جديدةٍ
…
رفهنا بها من ضنك بؤس نطاوله
لا بد ونحن في ذكر الأمن الذي أشار إليه الشاعر وأنه نعمة من الله جل ثنائه يشكر عليه الذي كان سببًا في وجوده، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من أصبح منكم آمنًا في وطنه معافًا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" وبذلك نشكر الله تعالى ونسأله المزيد من فضله، ولا يعرف قدر الأمن إلا من أرهقته المخاوف، وأنه يجب على أمة الإسلام أن يتساعدوا ويتعاضدوا ويتكاتفوا لنشر هذه النعمة وتوطيدها قال الله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، ولما جاء إليه النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه يشكون إليه ما يلاقونه من أذى قريش في أول الإسلام فقال:"والله ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه" فقال بعض الصحابة في نفسه عجبًا لذلك فأين دعار طيء الذين أخافوا السبل.
ولقد جرى في أيام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود من الأمن إن كانت مزاود الدراهم يجعلها المسافرون أطنابًا لخيامهم بالليل، وإن رجالًا من سراق الأعراب وجدوا عنزًا ضالة في نفود السر في نجد وهم جياع، قد مر عليهم يومان
أو ثلاثة طاوين من الجوع فجعلوا يتراجعون كل واحد يلح على الثاني أن ينزل من بعيره فيذبحها ليأكلوها فلم يستطيعوا ذلك خوفًا من سطوة الوالي، ولما ألحوا على أحدهم قال دعوها فإن عبد العزيز بن محمد يرعاها وتركوها وهم في أشد الحاجة إليها، وقال تعالى ممتنًا على عباده بالأمن:{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26]، ثم قال شاعرنا محذرًا عاقبة البغي ومنوها بمآثر صاحب الجلالة الملك عبد العزيز:
فيوماك يوم بالمواهب ماطر
…
ويوم به الأسياف يرعفن بالدما
فكم ناكث أهوى لسيفك ساجدا
…
ولم يك ذا ظهر ولا متيما
وإن أمير المؤمنين لكافل
…
لباغي الهدى التعليم حتى يفهما
ومن لا يرد إلا الشقاق فإنه
…
كفيل له أن يجعل السوط مخدما
فلا يغترر قوم رفعت جدودهم
…
وأوليتهم من سيب جدواك أنعمًا
فكم شرق بعد الزلال وغصة
…
تذيق العدى من جرعة الموت علقما
ومن ثاور الأسد الضواري جعلنه
…
لأشبالها تحت الأظافر مطعما
ومن سل سيف البغي أصبح حتفه
…
بشفرة ما قد سل أو سهم مارما
وكم قادح نارًا فكان وقودها
…
إذا حسه منها شواظ تندما
وفيها صدرت أوامر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بإجراء عمارة عموم المسجد الحرام داخلًا وخارجًا على حسابه الخاص وعهد بتلك العمارة إلى حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي الذي قد عمل عدة سنين في عمارة عين زبيدة وظهر من أحسن أعماله ما دفع جلالة الملك إلى أن يعهد إليه بعمارة المسجد الحرام فقام عبد الله الدهلوي بتحضير اللوازم واستعان ببعض رجال العمل من هيئة عين زبيدة وابتدأ العمل في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة فرمم عموم فرش أروقة المسجد الحرام من جهاته الأربع مع زيادتي دار الندوة وباب إبراهيم وعموم المماشي والفرش الحجري الذي عليه المقامات الأربعة حول مدار المطاف وعموم
بلاط الأبواب وجدار المسجد الحرام داخلًا وخارجًا والدرج المصعدة لأبواب المسجد الحرام ونظف القبب باطنًا وظاهرًا وأصلح كل خراب وقع في أبواب المسجد الحرام الخشبية وطلى بأنواع الأصبغة عموم عقود وجدران وأعمدة المسجد الحرام العلوية كل لون بحسب لونه الأصلي داخلًا وخارجًا ما يناسب ألوان الحجر الشمسي، من أسود، وأصفر برتقالي، وأحمر عنابي، ورمادي وكذلك مسح عموم الاسطوانات بالرخام وأزيل عنها ما كان متراكمًا عليها من الغبار حتى عادت إلى لونها الأصلي البراق حيث أنه قد مضى عليها منذ عمارة السلطان عبد الحميد المتقدمة إلى هذه السنة قدرًا من اثنين وثلاثين سنة، وأصلحت مظلة مقام الحنفي وغير بعض أخشابها وكسي سقفها بالمعدن الأبيض، وأصلحت مظلة مقام إبراهيم الخليل عليه السلام وكسيت أيضًا بالمعدن الأبيض ثم طليت باللون الأخضر، وأصلحت مظلة قبة زمزم إصلاحًا جيدًا وكسيت بالمعدن الأبيض وطليت بالدهان الأخضر حسب المقامات الأخرى، وطليت الأساطين النحاس المحاطة بمدار المطاف التي تعلق فيها مصابيح الكهرباء بلون أخضر وطليت رءوسها بلون ذهبي وأصلح شاذروان الكعبة المعظمة فجبس بعض أحجاره بالجبس وملئ الفراغ الذي بين الأحجار وأحكم إحكامًا جيدًا، وفرش حصاوي المسجد الحرام بالحصبة بعد أن أزال ما فيه من الأتربة المتراكمة ثم بعد الفراغ من عموم ما تقدم رخم عموم جدار المسجد الحرام داخلًا وخارجًا السفلي منه الذي كان عادة يرخم بالرخام الأبيض الناصع، وكذلك رخم منتصف الأعمدة الثخينة المبنية بالحجر الصوان الأسفل منها، وعموم أبواب المسجد، ودار الندوة، وفسحة باب إبراهيم وبطون القبب والطواجن وأضاف إلى الرخام زهرة النيل الزرقاء لزيادته رونقًا وجمالًا واستمر العمل في ذلك إلى أن دخلت السنة التي بعدها.
وختمت هذه السنة بخبط ورهب للمسلمين، لما جرى من أولئك البغاة المفسدين حتى أن أهالي المقاطعات حجوا تحت قيادة إمارات وأعلام خشية من قطعهم السبل.