الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضل ذكر جلسة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واحتبائه
[الاحتباء: أن يقعد على أليته وينصب ساقيه، ويحتوي عليهما بثوب أو نحوه، ويقال لهذا الفعل: الحبو، بضم الحاء وكسرها، والاحتباء عادة للعرب في مجالسهم] .
اعلم أنّ جلوس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الجامع إما كان مربعا، أو محتبيا- وهو كان أكثر جلوسه- أو القرفصاء وشبهها من [جلسات] الوقار والتواضع.
وقد خرّج أبو داود من حديث يونس بن عبيد، عن عبيدة أبى خداش، عن أبى تميمة الهجيمي، عن جابر بن سليم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه [ (1) ] .
وخرجه النّسائى من حديث قرّة بن خالد، عن قرّة بن موسى الهجيمي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محتب ببردة، وإن هدبها لعلى قدميه قلت: يا رسول اللَّه! أوصني، قال: عليك باتقاء اللَّه، ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنّها هي المخيلة وإن اللَّه لا يحبها. وذكر له [طرقا] ، وقد تقدم من رواية الإمام أحمد [ (2) ] .
[ (1) ](سنن أبى داود) : 4/ 339، كتاب اللباس، باب (23) في الهدب، حديث رقم (4075) . قوله:
«محتب» أراد أنه كان جالسا على هيئة الاحتباء، والشملة بالفتح، ما يشتمل به من الأكسية، أي يلتحف به.
[ (2) ]
قال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبى، حدثنا عثمان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس، حدثنا عبيدة الهجيمي، عن أبى تميمة الهجيمي، قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة له، وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد أو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول اللَّه، إني من أهل البادية، وفىّ جفاؤهم فأوصنى، فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى
وللترمذي من حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد، عن أبيه عن جده أبى سعيد الخدريّ [رضى اللَّه عنه] قال:[كان] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد [ (1) ] احتبى بيديه [ (2) ] .
ومن حديث قيلة بنت مخرمة [ (3) ] ، أنها رأت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد،
[ () ] أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى، وإن أمرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليك وزره، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، إن اللَّه عز وجل لا يحب المخيلة، ولا تسبّنّ أحدا، فما سببت بعد أحدا، ولا شاة، ولا بعيرا.
(مسند أحمد) : 6/ 56، حديث رقم (20112) .
[ (1) ] في (خ)، (ج) :«في المجلس» ، وما أثبتناه من (الشمائل) .
[ (2) ](الشمائل المحمدية) : 116، حديث رقم (130)، و (أخلاق النبي) : 247، (الكامل لابن عدي) : 3/ 174، من حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدريّ، رقم (32/ 682)، وقال فيه:«إذا جلس في مجلس» ، (سنن أبى داود) : 5/ 175، كتاب الأدب، باب (25) في جلوس الرجل، حديث رقم (4846) ، ونسبه للمنذرى، قال أبو داود: عبد اللَّه بن إبراهيم شيخ منكر الحديث، (سنن البيهقي) : 3/ 236، وقال: تفرد به عبد اللَّه بن إبراهيم الغفاريّ هذا، وهو شيخ منكر الحديث، قاله أبو داود السجستاني وغيره، (سلسلة الأحاديث الصحيحة) : 2/ 497- 499، حديث رقم (827)، وقد ساق الألباني لهذا الحديث كثيرا من الشواهد ثم قال: وبالجملة فالحديث صحيح، ولا يضر أن راويه متّهم، فقد يصدق الكذوب. وأي دليل على صدقه هنا أكبر من هذه الشواهد، وقد أخرجه الإمام أحمد في (المسند) : 5/ 18، حديث رجل من بنى سليط رضى اللَّه عنه رقم (16208)، قال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبى، حدثنا أبو عامر قال: حدثنا عباد- يعنى ابن راشد- عن الحسن من بنى سليط: أنه مرّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد على باب مسجده محتب، وعليه ثوب له قطر ليس عليه ثوب غيره، وهو يقول: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ثم أشار بيده إلى صدره يقول: التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، (فتح الباري) : 11/ 76- 77، كتاب الاستئذان، باب (34) الاحتباء باليد وهو القرفصاء، حديث رقم (6272) ، من حديث محمد بن فليح- عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبيا بيده هكذا....
[ (3) ] هي قيلة بنت مخرمة التميمية، هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع حريث بن حسان، وقيل: الحارث بن حسان، وكان وافد بكر بن وائل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (تهذيب التهذيب) : 12/ 474، ترجمة رقم (2875) .
وهو قاعد القرفصاء [ (1) ]، قال: فلما رأيت المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق [ (2) ] .
[ (1) ] القرفصاء: جلسة المحتبي، وليس هو الّذي يحتبي بثوبه، ولكن الّذي يحتبي بيديه.
[ (2) ] قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد)، فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه: كان يجلس على الأرض، وعلى الحصير، والبساط، وقالت قيلة بنت مخرمة: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كالمتخشع في الجلسة، أرعدت من الفرق، ولما قدم عليه عدي بن حاتم، دعاه إلى منزله، فألقيت إليه الجارية وسادة يجلس عليها، فجعلها بينه وبين عدي، وجلس على الأرض، قال عدىّ: فعرفت أنه ليس بملك. وكان يستلقي أحيانا وربما وضع إحدى رجليه على الأخرى، وكان يتكىء على الوسادة، وربما اتكأ على يساره، وربما اتكأ على يمينه، وكان إذا احتاج في خروجه، توكأ على بعض أصحابه من الضعف (زاد المعاد) : 1/ 170.
والحديث أخرجه الترمذي في (الشمائل المحمدية) : 155، باب (21) ما جاء في جلسة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حديث رقم (128)، قوله:«القرفصاء» : هي جلسة ولها هيئتان:
إحداهما: الاحتباء، وهي أن يجلس على مقعدته ناصبا رجليه، ويضم فخذيه إلى بطنه، ولكن يحتبي بيديه، أي يجعلهما حول ساقيه، قابضهما ببعضهما.
والأخرى: أن يجلس على رجليه، ويجمع ركبتيه، ويضم بطنه إلى فخذيه واضعا يديه تحت إبطيه، وهذه الأخيرة هي المقصودة هنا، لما فيها من هيئة الخشوع والسكون والخضوع.
قوله: «المتخشع» : التخشع المبالغة في الخشوع.
قوله: «أرعدت من الفرق» : أرعدت أي أصبت. يرعدة وهي الاضطراب، والفرق: هو الخوف والفزع مما علاها من المهابة (المرجع السابق) .
وللحديث شاهد عند أبى الشيخ في (أخلاق النبي) : 247، من طريق عبد اللَّه بن منيب عن أبيه عن جده عن أبى أمامة الحارثي قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس القرفصاء. وفي سنده ضعف. عبد اللَّه بن منيب هو ابن عبد اللَّه بن أبى أمامة بن ثعلبة الحارثي وهو صدوق، وأبوه مقبول عند المتابعة، وجده صدوق، وفي إسناده الفروى إسحاق بن محمد، وهو صدوق، لكن كف بصره فساء حفظه. وجملة القول: أن الحديث حسن، واللَّه تعالى أعلم (المرجع السابق) .
وأخرجه الترمذي أيضا في (السنن) : 5/ 111، كتاب الأدب، باب (50) ما جاء في الثوب الأصفر، حديث رقم (2814)، وقال أبو عيسى: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد اللَّه بن حسان، وأخرجه أبو داود في (السنن) 5/ 176، كتاب الأدب، باب (25) في جلوس الرجل، حديث رقم (4847) وقد تقدم طرف من هذا الحديث في كتاب الخراج من (سنن الترمذي) ، وهو حديث طويل، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) : 3/ 235، باب الاحتباء المباح في غير وقت الصلاة.
ومن حديث سفيان عن الزهري، عن عبادة بن تميم، عن عمه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى [ (1) ] .
[ (1) ](الشمائل المحمدية) : 116، حديث رقم (129)، (سنن الترمذي) : 5/ 88، كتاب الأدب، باب (19) ، ما جاء في وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا، حديث رقم (765)، (فتح الباري) : 1/ 740- 741، كتاب الصلاة، باب (85) الاستلقاء في المسجد ومد الرجل، حديث رقم (475) ، وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال كان عمر وعثمان يفعلان ذلك، (فتح الباري) : 10/ 488، 489، كتاب اللباس، باب (103) ، الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، حديث رقم (5969)، (فتح الباري) : 11/ 95، كتاب الاستئذان، باب (44) الاستلقاء، حديث رقم (6287) .
«الاستلقاء» هو الاضطجاع على القفا، سواء كان معه نوم أم لا، وقد تقدمت هذه الترجمة وحديثها في آخر كتاب اللباس، قبيل كتاب الأدب، وتقدم بيان الحكم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة، وذكرت هناك قول من زعم أن النهى عن ذلك منسوخ، وأن الجمع أولى، وأن محل النهى حيث تبدو العورة، والجواز حيث لا تبدو، وهو جواب الخطابي ومن تبعه، ونقلت قول من ضعّف الحديث الوارد في ذلك، وزعم أنه لم يخرج في الصحيح.
وأوردت عليه بأنه غفل عما في كتاب اللباس من الصحيح، والمراد بذلك صحيح مسلم، وسبق القلم هناك فكتبت صحيح البخاري، وقد أصلحته في أصلى، ولحديث عبد اللَّه بن زيد في الباب شاهد من حديث أبى هريرة، صححه ابن حبان (المرجع السابق) .
(مسلم بشرح النووي) : 14/ 323، كتاب اللباس والزينة، باب (22) في إباحة الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، حديث رقم (2100) - قال الإمام النووي: قال العلماء:
أحاديث النهى عن الاستلقاء رافعا إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به ولا كراهة فيه على هذه الصفة.
وفي هذا الحديث جواز الاتكاء في المسجد والاستلقاء فيه. قال القاضي: لعله صلى الله عليه وسلم فعل هذا لضرورة أو حاجة من تعب، أو طلب راحة أو نحو ذلك.
قال: وإلا فقد علم أن جلوسه صلى الله عليه وسلم في المجامع على خلاف هذا، بل كان يجلس مرتبعا، أو محتبيا، وهو كان أكثر جلوسه، أو القرفصاء، أو مقعيا، وشبهها من جلسات الوقار، والتواضع.
قلت: ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأن النهى الّذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به من ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها، واللَّه تعالى أعلم (مسلم بشرح النووي) : 14/ 322- 323.