المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في ذكر بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم - إمتاع الأسماع - جـ ٧

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد السابع]

- ‌[تتمة فصل في ذكر لباس رسول اللَّه]

- ‌وأما الخرقة التي كان يتنشف بها

- ‌وأما الحبرة

- ‌وأما المرط

- ‌وأما المصبوغ بالزعفران

- ‌وأما الإزار والكساء

- ‌وأما السّراويل

- ‌وأما لبس الصوف ونحوه

- ‌وأما وقت لبسه صلى الله عليه وسلم وما يقوله عند اللّبس

- ‌وأمّا الخفّ

- ‌وأمّا النّعل

- ‌فصل في خاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [ (1) ]

- ‌وأما فصّ خاتمه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما سبب اتخاذ الخاتم

- ‌وأما إصبع الخاتم التي يتختم فيها

- ‌فضل ذكر جلسة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واحتبائه

- ‌فصل في ذكر خضاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في شعره

- ‌فصل في ذكر مرآة النبي صلى الله عليه وسلم ومكحلته

- ‌فصل في محبة النبي صلى الله عليه وسلم للطّيب وتطيّبه

- ‌ذكر اطّلاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالنورة إن صح

- ‌فصل في ذكر سرير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر القدح الّذي كان يوضع تحت السرير ليبول فيه

- ‌فصل في ذكر آلات بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌[فأما الحصير] [ (1) ]

- ‌[وأما الفرش]

- ‌[وأما اللحاف]

- ‌[وأما الوسادة]

- ‌[وأما القطيفة]

- ‌[وأما القبة]

- ‌[وأما الكرسي]

- ‌[وأما ما كان يصلى عليه]

- ‌فصل في ذكر سلاح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌[فأمّا سيوفه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[وأما دروعه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[وأما قسيّه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[وأما المغفر]

- ‌[وأما الرماح]

- ‌[وأما الترس]

- ‌[وأما العنزة]

- ‌[وأما المنطقة]

- ‌[وأما اللواءات والرايات]

- ‌[وأما القضيب والعصا]

- ‌فصل في ذكر من كان على سلاح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر من كان يقوم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسلاح ومن حمل حربته وصقل سيفه

- ‌فصل في ذكر خيل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌[فصل في تضمير خيل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والسبق بينها]

- ‌فصل في ذكر الخيل التي قادها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في أسفاره

- ‌فصل في ذكر من استعمله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الخيل

- ‌فصل في ذكر سرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن كان يسرج له فرسه

- ‌فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول إذا ركب

- ‌فصل في ذكر بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر حمار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌[فصل في ذكر من كان يأخذ بزمام راحلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم]

- ‌فصل في ذكر إبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر البدن التي ساقها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام

- ‌فصل في ذكر صاحب بدن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر غنم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر حمى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر ديك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصل في ذكر طعام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌[فأما المائدة]

- ‌[وأما القصعة والجفنة]

- ‌[وأما أنه صلى الله عليه وسلم لم يشبع من طعام]

- ‌وأما ائتدامه صلى الله عليه وسلم بالخلّ

- ‌وأما أكله القثّاء

- ‌وأما أكله الدّبّاء

- ‌وأما الضّبّ

- ‌وأما أكله الحيس

- ‌وأما أكله الثّفل

- ‌وأما أكله اللحم

- ‌وأما أكله القلقاس

- ‌وأما أكله القديد

- ‌وأمّا أكله المنّ

- ‌وأما أكله الجبنة

- ‌وأما أكله الشواء

- ‌وأما أكله الدّجاج

- ‌وأما أكله لحم الحبارى

- ‌وأما أكله الخبيص

- ‌وأما أكله الهريس

- ‌وأما أكله الزنجبيل

- ‌وأما تقزّزه أكل الضبّ وغيره

- ‌وأما اجتنابه ما تؤذى رائحته

- ‌وأما أكله الجمّار

- ‌وأما حبّه الحلواء والعسل

- ‌وأما أكله التمر

- ‌وأمّا أكله العنب

- ‌وأمّا أكله الرّطب والبطيخ

- ‌وأمّا أكله الزّيت

- ‌وأمّا أكله السمك

- ‌وأمّا أكله البيض

- ‌فصل في هدى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الأكل

- ‌وأمّا قبوله الهدية وامتناعه من أكل الصدقة

- ‌وأمّا ما يقوله عند الباكورة

- ‌وأمّا أكله بثلاث أصابع ولعقها

- ‌وأمّا أكله مما يليه

- ‌وأمّا أنه لا يأكل متكئا

- ‌وأمّا أنه لم يذم طعاما

- ‌وأمّا التسمية إذا أكل وحمد اللَّه بعد فراغه من الأكل

- ‌وأمّا ما يقوله إذا أكل عند أحد

- ‌وأمّا أكله باليمين

- ‌وأمّا أنه كان لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها

- ‌فصل في ذكر شرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومشروباته

- ‌وأما طلب الماء العذب

- ‌وأمّا [الآبار] التي كان يستعذب له منها الماء

- ‌وأمّا تبريد الماء

- ‌وأمّا قدحه الّذي يشرب فيه

- ‌وأمّا شربه اللبن

- ‌وأمّا شربه النبيذ

- ‌وأمّا أنه لا يتنفس في الإناء

- ‌وأمّا إيثاره من على يمينه

- ‌وأما شربه آخر أصحابه

- ‌وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائما وقاعدا

- ‌فصل في طب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌أما طبّه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما حمية المريض

- ‌إطعام المريض ما يشتهيه

- ‌العين حق ودواء المصاب

- ‌التّداوى بالعجوة

- ‌التداوي بالعسل

الفصل: ‌فصل في ذكر بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم

‌فصل في ذكر بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

خرّج البخاري من حديث أبى إسحاق، عن عمرو بن الحارث [ختن] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخى جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند موته درهما، ولا دينارا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة. ذكره في الوصية [ (1) ]، وفي كتاب المغازي [ (2) ] ولفظه: إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل.

وخرّجه النسائي بنحوه [ (3) ] ، وخرّج مسلم [ (4) ] ..........

[ (1) ](فتح الباري) : 5/ 448، كتاب الوصايا، باب (1) الوصايا،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وصية الرجل مكتوبة عنده» ،

وقال اللَّه عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 180- 182] ، حديث رقم (2739) .

[ (2) ](فتح الباري) : 8/ 187- 188، كتاب المغازي، باب (84) مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، حديث رقم (4461) .

[ (3) ](سنن النسائي) : 6/ 539- 540) ، كتاب الإحباس [مصدر أحسبه، يقال: حبسه أو أحبسه، أي وقفه] ، باب (1) بدون ترجمة، حديث رقم (3596)، وفيه:«إلا بغلته الشهباء» ، وحديث رقم (3597) ، وحديث رقم (3598)، وفيه:«إلا بغلته الشهباء» .

[ (4) ](مسلم بشرح النووي) : 12/ 355- 359، كتاب الجهاد والسير، باب (28) في غزوة حنين، حديث رقم (1775)، حنين: واد بين مكة والطائف وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، وهو مصروف كما جاء به القرآن الكريم: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة: 25] .

قوله: «ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء» ، قال العلماء: ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس، هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضا يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدا، وإلا فقد كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس معروفة، ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته صلى الله عليه وسلم تقدّمه يركض بغلته إلى جمع المشركين وقد فرّ الناس عنه.

ص: 216

والنّسائى [ (1) ] من حديث أويس عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس ابن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم نفارقه، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على بلغة له بضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يركض ببغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا أمدّ بلجام بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث ولفظهما فيه متقارب. وذكر مسلم في بعض طرقه فقال: فيه فروة بن نعامة الجذامي [ (2) ] .

وللبخاريّ [ (3) ] ................

[ (1) ] أخرجه النسائي في (الكبرى) .

[ (2) ](مسلم بشرح النووي) : 12/ 359، كتاب الجهاد والسير، باب (28) في غزوة حنين، حديث رقم (77) : وحدثناه إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، جميعا عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: فروة بن نعامة الجذامي، وقال:

انهزموا ورب الكعبة، وزاد في الحديث: حتى هزمهم اللَّه تعالى: قال: وكأنى انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته.

قوله صلى الله عليه وسلم: «هذا حين حمى الوطيس»

هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة. قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرّها حرّه.

وقد قال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه. وقال الأصمعي: هي حجارة مدوّرة إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأ عليها، فيقال: الآن حمى الوطيس.

وقيل: هو الضرب في الحرب، وقيل: هو الحرب الّذي يطيس الناس أي يدقهم. قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه، الّذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

[ (3) ](فتح الباري) : 8/ 34، كتاب المغازي، باب (55) قول اللَّه تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 25- 27] ، حديث

ص: 217

ومسلم [ (1) ] من حديث أبى إسحاق عن البراء، فذكر حديث حنين وفيه:

[ () ] رقم (4317) ، 6/ 130- 131، كتاب الجهاد والسير، باب (97) من صف أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته فاستنصر، حديث رقم (2930) .

قوله: «صف أصحابه عند الهزيمة» أي صف من ثبت معه بعد هزيمة من انهزم، قوله:«واستنصر» أي استنصر اللَّه تعالى بعد أن رمى الكفار بالتراب. (فتح الباري) .

[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : 12/ 360- 361، كتاب الجهاد والسير، باب (28) في غزوة حنين، حديث رقم (1776) ،

قوله صلى الله عليه وسلم:

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

قال القاضي عياض: قال المازري: أنكر بعض الناس كون الرجز شعرا لوقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم، مع قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وهذا مذهب الأخفش، واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر، وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قصد إليه، واعتمد الإنسان أن يوقعه موزونا مقفى، يقصده إلى القافية.

وهكذا الجواب عما في القرآن من الموزون، كقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وقوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعرا، لأنه لم تقصد تقفيته وجعله شعرا.

قال الإمام النووي: وقد قال الإمام أبو القاسم عليّ بن أبى جعفر بن عليّ السعدي الصّقلّىّ المعروف بابن القطاع في كتابه (الشافي في علم القوافي) : قد رأى قوم- منهم الأخفش وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل- أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر،

كقول النبي صلى الله عليه وسلم: اللَّه مولانا ولا مولى لكم،

وقوله صلى الله عليه وسلم: هل أنت إلا إصبع دميدت، وفي سبيل اللَّه ما لقيت،

وقوله صلى الله عليه وسلم: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، وأشباه ذلك.

قال ابن القطاع: وهذا الّذي زعمه الأخفش وغيره غلط بيّن، وذلك لأن الشاعر إنما سمّى شاعرا لوجوه [ذكرها الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم فلتراجع هنالك] .

فإن قيل: كيف

قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب

فانتسب إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك، مع أن الافتخار في حق أكثر الناس من عمل الجاهلية؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم كانت شهرته بجده أكثر لأن أباه عبد اللَّه توفى شابا في حياة أبيه عبد المطلب، قبل اشتهار عبد اللَّه، وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة، وكان سيد أهل مكة، وكان كثير من الناس يدعون النبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته.

ومنه حديث همام بن ثعلبة في قوله: أيكم ابن عبد المطلب؟ وقد كان مشتهرا عندهم أن عبد المطلب بشّر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه سيظهر، وسيكون شأنه عظيما، وكان قد أخبره بذلك سيف

ص: 218

ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر

وقال: أنا النبي لا كذب* أنا ابن عبد المطلب

ثم صفّهم. وقال البخاري: ثم صفّ أصحابه، وقال فيه: وابن عمه أبو سفيان بن الحارث. ترجم عليه باب: من صفّ أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر.

وأخرجاه من حديث شعبة، عن أبى إسحاق، ومن حديث سفيان الثوري عن أبى إسحاق، وخرّجه مسلم من طرق، عن أبى إسحاق، وخرجه تقى بن مخلد من حديث النضر بن شميل قال: أخبرنا عوف بن عبد الرحمن مولى أم برثن، قال: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: فلما التقينا نحن وصحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة أن كشفناهم، قال: فبينما نحن نسوقهم في آثارهم فإذا صاحب بغلة بيضاء، وإذا هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صاحب البغلة البيضاء، قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه، وقالوا: شاهت الوجوه، ارجعوا، قال:

[ () ] ابن ذي يزن.

وقيل: إن عبد المطلب رأى رؤيا تدل على ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مشهورا عندهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرهم بذلك، وتنبيههم بأنه صلى الله عليه وسلم لا بدّ من ظهوره على الأعداء، وأن العاقبة له، لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت، ملازم للحرب، لم يول مع من ولى، وعرّفهم موضعه، ليرجع إليه الراجعون. واللَّه تعالى أعلم.

ومعنى

قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب» ،

أي أنا النبي حقا، فلا أفرّ ولا أزول، وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان، وأنا ابن فلان، ومثله قول سلمة: أنا ابن الأكوع، وقول عليّ رضى اللَّه عنه: أنا الّذي سمتني أمى حيدرة، وأشباه ذلك.

وقد صرّح بجوازه علماء السلف، وفيه حديث صحيح، قالوا: وإنما يكره ذلك على وجه الافتخار كفعل الجاهلية، واللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 12/ 361- 363 مختصرا.

ص: 219

فانهزمنا من قولهم، وركبوا أجسادنا فكانت إياها [ (1) ] .

قلت: والّذي يظهر أنه كان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث بغلات: واحدة بعث بها المقوقس، وأخرى من هدية فروة بن عمرو بن الناقدة الجذامي، ثم البناني، عامل الروم على فلسطين [ (2) ] ، وبغلة وهبها لأبى بكر رضى اللَّه عنه، وقيل: كانت له ست بغلات [ (3) ] .

قال الواقدي: عن معمر عن الزهري، كانت بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دلدل من هدية فروة بن عمرو الجذامي، وقال البخاري وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساء بردا، وكتب له بنحرهم.

وقال الواقدي: وحدثني ابن أبى سبرة، عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها فضة، وهبها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه [ (4) ] .

[ (1) ] وأخرجه من طرق وسياقات مختلفة: ابن سعد في (الطبقات) : 4/ 18- 19، الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار، ترجمة العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه، الإمام مسلم في (الصحيح) :

كتاب الجهاد والسير، باب (28) في غزوة حنين، حديث رقم (1775)، ابن حبان في (الصحيح) : 15/ 523- 525، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة، رجالهم ونسائهم، ذكر العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه، حديث رقم (7049)، والإمام أحمد في (المسند:

1/ 341، حديث رقم (1778)، والحاكم في (المستدرك) : 3/ 37، حديث رقم (5418)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في (التلخيص) : أخرجه مسلم، والحميدي في (المسند) : 1/ 218- 219، أحاديث العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه، حديث رقم (459) .

[ (2) ] في (الإصابة) : 5/ 387: «على من يليهم من العرب» .

[ (3) ] قال ابن القيم: وكان له من البغال دلدل، وكانت شهباء، أهداها له المقوقس، وبغلة أخرى يقال لها:

فضة، أهداها له فروة الجذامي، وبغلة شهباء أهداها له صاحب أيلة، وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل، وقد قيل: إن النجاشي أهدى له بغلة فكان يركبها. (زاد المعاد) : 1/ 134.

[ (4) ] قال صلاح الدين الصفدي، وقد ذكر دواب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ومن البغال ثلاثة: وهي الدلدل، التي أهداها له المقوقس، وهي أول بغلة ركبت في الإسلام، وعاشت بعده إلى أن زالت أسنانها، وكان

ص: 220

وقال: عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه: كانت بغلة النبي صلى الله عليه وسلم أول بغلة ركبت في الإسلام، أهداها المقوقس [ (1) ] .

وقال الكلبي والهيثم بن عدي: كانت بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم التي تسمى دلدل من هدية المقوقس، فبقيت إلى زمن معاوية، ودلدل هذه التي أهداها المقوقس شهد عليها أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه يوم النهروان، وقاتل عليها الخوارج، وكانت بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند عليّ، ثم بعد عليّ عند عبد اللَّه بن جعفر، فكان يجش أو يدق لها الشعير، وقد ذهبت أسنانها [ (1) ] .

وعن الزهري قال: دلدل حضر عليها النبي صلى الله عليه وسلم القتال يوم حنين، وفي مسند الدارميّ من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنه، أن الدلدل كانت بيضاء أهداها المقوقس، وهي التي قال لها في بعض الأماكن: أن أربضى دلدل فربضت، وكان على رضى اللَّه يركبها.

ولابن حيّان عن الأصبغ بن نباتة قال: لما قتل عليّ رضى اللَّه عنه أهل النهروان، ركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الشهباء، قلت: كانت تسمى الشهباء وتسمى الدلدل.

وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، فقبل الكتاب وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، وسرحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها، وخادمتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها

[ () ] يجشّ لها الشعير، وفضة، اتّهبها من أبى بكر، والأيليّة، أهداها له ملك أيلة.

[ (1) ] راجع التعليقات السابقة.

ص: 221

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لجهم بن قيس العبديّ، فهي أم زكريا بن جهم، خليفة عمرو بن العاص على مصر [ (1) ] .

[وذكر ابن سعد عن عبد القدوس، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:

أهدى لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بغلة شهباء، وهي أول شهباء كانت في الإسلام، فبعثني إلى زوجته أم سلمة رضى اللَّه عنها بصوف وليف، ثم فتلت أنا ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لها أسنا وغدارا، ثم دخل البيت فأخرج عباءة مطرّفة، فثناها ثم [ربّعها] على ظهرها، ثم سمى وركب، ثم أردفنى خلفه] [ (2) ] .

ويروى أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ركبها، وركبها كبرت وعميت، ودخلت مسطحة لبني [مدحج، فرماها] رجل بسهم فقتلها.

وعن علقمة بن أبى علقمة أنه قال: بلغني أن اسم فرس النبي صلى الله عليه وسلم السّكب، وكان أغرّ محجلا طلق اليمين، واسم بغلته الدلدل، وكانت شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت، واسم حماره اليعفور، وكان رسنه من ليف، واسم رايته العقاب.

وكان عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهنيّ، أبو عبس، وأبو حماد [ (3) ] ، رضى اللَّه عنه، صاحب بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقود به في الأسفار.

وسكن عقبة مصر، ووليها بعد عتبة بن أبى سفيان من قبل معاوية سنتين وثلاثة أشهر، وصرفه بمسلمة بن مخلد لعشر بقين من ربيع

[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 5/ 14- 15 «هامش» ، بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك.

[ (2) ] ما بين الحاصرتين من (خ) فقط، (طبقات ابن سعد) : 1/ 491.

[ (3) ] وقيل: أبو لبيد، وأبو عمرو، وأبو أسد.

ص: 222

الأول سنة سبع وأربعين، وتوفى بمصر سنة ثمان وخمسين، ودفن بقرافتها، وقبره معروف.

قال الوليد بن مسلم: حدثنا هشام بن الغاز، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن عقبة بن عامر- وكان صاحب بغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الشهباء، الّذي يقودها في الأسفار- قال: قدت برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته رتوة من الليل، وإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: أنخ، فأنخت، فنزل عن راحلته، ثم قال: اركب يا عقبة، فقلت: سبحان اللَّه! أعلى مركبك يا رسول اللَّه؟ وعلى راحلتك؟ فأمرنى فقال: اركب، فقلت أيضا مثل ذلك، ورددت ذلك مرارا حتى خفت أن أعصى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فركبت راحلته ورحله، ثم زجر الناقة فقامت، ثم قاد بى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ولأهل مصر عن عقبة نحو مائة حديث [ (1) ] يروونها عنه [ (2) ] .

[ (1) ] قال ابن حزم في (أسماء الصحابة الرواة) : له خمسة وخمسون حديثا، شهد صفين مع معاوية، وشهد فتوح الشام، وهو كان البريد إلى عمر بفتح دمشق، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرا، كاتبا، وهو أحد من جمع القرآن، له ترجمة في:(الثقات) : 3/ 280، (التاريخ الكبير) : 6/ 340، (التاريخ الصغير) : 2/ 123، (الأعلام للزركلى) : 4/ 240، (سير الأعلام) : 2/ 467، (حلية الأولياء) : 2/ 8، (الجرح والتعديل) :

6/ 313، (أسماء الصحابة الرواة) : 79، ترجمة رقم (60)، (الإصابة) : 4/ 520- 521، ترجمة رقم (5605)، (الاستيعاب) : 3/ 1073- 1074، ترجمة رقم (1824) .

[ (2) ] وقد ذكر ابن الجوزي في (الموضوعات) ، باب أسماء مراكبه وسلاحه، حديثا طويلا، وفيه:

«وكانت له بغلة تسمى دلدل» وقال: هذا حديث موضوع، وفيه آفات، منها عبد الملك وهو العزرمىّ، وقد تركه شعبة، ومنها على بن عروة، قال يحيى: ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازيّ:

متروك الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث، ومنها عمر بن عبد الرحمن، وقد قدحوا فيه.

(الموضوعات لابن الجوزي) : 1/ 293.

ص: 223