الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في ذكر حمار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
خرّج أبو داود من حديث أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن معاذ ابن جبل رضى اللَّه عنه، قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير [ (1) ] .
وأخرجه البخاري ومسلم من طرق أتمّ من هذا، وليس فيه ذكر حمار يقال له عفير [ (2) ] .
ولابن حيّان من حديث القعنبي، حدثنا على بن عباس عن مسلم بن
[ (1) ](سنن أبى داود) : 3/ 55، كتاب الجهاد، باب (53) في الرجل يسمى دابته، حديث رقم (2559) .
عفير: تصغير أعفر، يحذفون الألف في تصغيره، كما حذفوه في تصغير أسود، فقالوا: سويد، وكما قالوا: عوير من أعور، وكان القياس أن يقال في تصغير أعفر أعيفر، كما قالوا: أحيمر من أحمر، وأصيفر من أصفر.
وفيه أن الإرداف مباح إذا كانت الدابة تقوى على ذلك، ولا يضربها الضرر البين، وتسمية الدواب شكل من أشكال العرب، وعادة من عاداتها، وكذلك تسمية السلاح وأداة الحرب، كان سيفه صلى الله عليه وسلم يسمى ذا الفقار، ورايته العقاب، ودرعه ذات الفضول، وبغلته دلدل، وبعض أفراسه السكب، وبعضها البحر. (معالم السنن) .
وعفير: تصغير أعفر، تصغير الترخيم، وقيل: سمى به تشبيها في عدوه بالعفور وهو الظبي، وقيل: الخشف.
[ (2) ](فتح الباري) : 6/ 72- 73، كتاب الجهاد والسير، باب (46) اسم الفرس والحمار، حديث رقم (2856) ، ثم أخرجه البخاري برقم (5967) ، (6762) ، (6500) ، (7373) ولم يذكر فيهم اسم «عفير» ، وذكره في الحديث الأول رقم (2856)، (مسلم بشرح النووي) : 1/ 345، كتاب الإيمان، باب (10) الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، حديث رقم (49) ، وصرح فيه باسم «عفير» . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، رحمه الله: وهو الحمار الّذي كان له صلى الله عليه وسلم، قيل: أنه مات في حجة الوداع. (مسلم بشرح النووي) .
كيسان الأعور، عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخيبر على حمار عليه إكاف [ (1) ] .
وله من حديث عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا مسلم الأعور، عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر، ويوم النضير على حمار عليه إكاف مخطوم بحبل من ليف [ (1) ] .
وللترمذي في (الشمائل) ، من حديث مسلم الأعور، عن أنس قال:
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بنى قريظة على حمار مخطوم [ (2) ] بحبل من ليف، عليه إكاف [ (3) ] ليف [ (4) ] .
وقد روى الواقدي وغيره من طرق: أن المقوقس أهدى إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما أهداه حمارا يقال له عفير، وفي رواية الكلبي والهيثم بن عدي:
وأهدى إليه المقوقس أيضا حمارا يقال له يعفور، وقال ابن الكلبي: عفير من هدية فروة بن عمرو الجذامي صاحب البلقاء.
[ (1) ](أخلاق النبي) : 62، (المستدرك) : 2/ 506، كتاب التفسير، باب (50) تفسير سورة ق، حديث رقم (3734)، وقال فيه:«وتحته إكاف من ليف» ، قال الذهبي في (التلخيص) : صحيح.
[ (2) ] مخطوم: أي له زمام، من حبل من ليف.
[ (3) ] الإكاف هو ما يوضع على الدابة للركوب عليه يشبه الرّحل، فالإكاف للحمار، كالسرج لفرس.
[ (4) ](الشمائل المحمدية) : 272- 273، باب (48) ، ما جاء في تواضع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (333)، (ضعيف سنن الترمذي) : 115، باب (31) تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (171)، قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم عن أنس، ومسلم الأعور يضعف، وهو مسلم بن كيسان الملائى، (ضعيف سنن ابن ماجة) : 343، باب (16) ، البراءة من الكبر والتواضع، حديث رقم (915)، وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) : 8/ 131، والبيهقي في (الدلائل) : 1/ 330. ويؤخذ من الحديث أن ركوب الحمار ممن له منصب شريف لا يخل بمروءته.
(المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية) : 255.
وقال الواقدي: كان يعفور من هدية فروة بن عمرو الجذامي، وعفير من هدية المقوقس، قال: وحماره يعفور نفق منصرفه في حجة الوداع [ (1) ] .
قلت: والجمهور على أن عفير بعين مهملة، وقال القاضي عياض: بغين معجمة. قال الشيخ محيي الدين يحيى النواوى: واتفقوا على تغليظه في ذلك [ (2) ] .
وأغرب ما في ذكر عفير هذا، ما
ذكره أبو محمد بن أبى حاتم من طريق منكر مردود، ولا يشك أهل العلم بهذا الشأن أنه موضوع، فيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصاب بخيبر أربعة أزواج أخفاف، وعشر أواقي ذهب، وحمارا أسود، فقال ما اسمك؟ فكلمه الحمار! [وقال: اسمى] [ (3) ] يزيد بن شهاب، أخرج اللَّه من نسل جدي ستين حمارا، كلهم لم يركبهم إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، وكنت ملك رجل يهودي، وكنت أتعثر به عمدا، وكان يجيع بطني، ويضرب ظهري، قال: فأنت يعفور، يا يعفور! قال: لبيك، [قال:] [ (3) ] أتشتهى الإناث؟ قال: لا، فكان يركبه،
فإذا نزل عنه بعثه إلى باب الرجل فيقرعه برأسه، [فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (4) ] فلما قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كانت لأبى الهيثم بن التيهان فتردّى فيها فصارت قبره [جزعا منه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (4) ] .
وقد أنكر ابن حبان هذا الحديث، وقال ابن الجوزي: لعن اللَّه من وضع
[ (1) ](طبقات ابن سعد) : 1/ 491، 492 (الوافي) : 1/ 90، (زاد المعاد) : 1/ 134.
[ (2) ](مسلم بشرح النووي) : 1/ 345.
[ (3) ] زيادة للسياق والبيان.
[ (4) ] زيادة للسياق من (الموضوعات لابن الجوزي) .
هذا الحديث على أنه قد أودعه كثير من المصنّفين كتبهم [ (1) ]، وقال شيخنا العماد بن كثير: هذا شيء باطل لا أصل له من طريق صحيحة أو ضعيفة.
وقد ذكره أبو إسحاق الأسفراييني، وإمام الحرمين، حتى ذكره القاضي عياض في كتابه (الشفا) [ (2) ] . وذكره أبو القاسم السهيليّ في (روضه) [ (3) ] وقال: الأولى ترك ذكره لأنه موضوع.
سألت شيخنا أبا الحجاج- يعنى المزني- عنه فقال: ليس له أصل وهو ضحكة، وقال الذهبي: يروى بإسناد مجهول عن مجهول، يقال له: أبو منظور، كتبه للفرجة لا للحجة، ويقال: كان ثلاثة حمير، ويقال: اثنان.
[ (1) ](الموضوعات لابن الجوزي) : 1/ 293- 294، باب تكليم حماره يعفور له، وقال: هذا حديث موضوع لعن اللَّه واضعه، فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام، والاستهزاء به. قال أبو حاتم بن حبان: لا أصل لهذا الحديث، وإسناده ليس بشيء، ولا يجوز الاحتجاج بمحمد بن مزيد.
[ (2) ](الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 207.
[ (3) ](الروض الأنف) : 2/ 93.
وبعد ما قاله النقاد في هذا الحديث، نجد صاحب كتاب (المصباح المضيء) : 1/ 262، يقول عفا اللَّه عنه: وهذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فليتني كنت شعرة في جلد هذا الحمار، الّذي كان في كل وقت يلامس جلده جلد سيد البشر صلى الله عليه وسلم ويسمع له، ويطيعه، ويخاطبه، ويفهم عنه، وناهيك بها معجزة من بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم.
ثم سأل سؤالا فقال: ما الحكمة في
قوله صلى الله عليه وسلم: يا يعفور، تشتهي الإناث؟ فقال: لا،
وتردّيه في البئر يوم قبض صلى الله عليه وسلم، وكان له صلى الله عليه وسلم دواب غيره، لم يفعل ذلك واحد منهم، بل الدلدل وهي بغلته البيضاء بقيت إلى خلافة معاوية، وكرّ بها عليّ رضى اللَّه عنه في صفين؟
ثم أجاب عن ذلك بقوله: والحكمة فيه- واللَّه أعلم- أن يعفور قال: أخرج اللَّه من نسل جدي ستين حمارا، لم يركبهم إلا نبي، ثم قال: ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وتردّى في البئر، ولم يشته الإناث حتى لا يبقى له نسل، فإنه آخرهم، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء كما قال، لئلا يركبه أحد بعده إذ هو مركوب الأنبياء، وأيضا جزعا عليه وتحزنا، ويحق له أن يجزع ويحزن عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما بلغ إليه علمي من رسله صلى الله عليه وسلم. (المصباح المضيء) : 1/ 261- 263 مختصرا.