الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رأي الشيخ في الجماعات الإسلامية
السائل: يقال، فضيلة الشيخ، إن الشيخ ناصر الدين الألباني يرفض أن يتعاون مع الجماعات الإسلامية كلها إلا إذا انصاعت لمعتقداته الكلامية والفقهية. فما مدى صحة هذا القول؟
الشيخ: أبدأ فأقول: إن هذا الكلام زور وبهتان. فقد سبق أن سجلنا ثلاثة أشرطة في عمان، على ثلاث ساعات، وضحت فيها هذا الأمر بصراحة .. وكان مما قلته: إنني أؤيد قيام الجماعات الإسلامية، وأؤيد تخصيص كل جماعة منها بدور اختصاصي سواءً أكان سياسياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً
…
أو نحو ذلك
…
ولكني اشترطت أن تكون دائرة الإسلام هي التي تجمع هذه الجماعات كلها.
وذكرت أننا نحن-معشر السلفيين- لا نعمل إلا في سبيل أهم ما نزل به كتاب الله عز وجل، وبعث من أجله رسله، ألا وهو التوحيد، وتوضيحه للناس بما يجعله خالصاً من كل شرك، ومنيعاً أمام كل وثنية. ودعوت إلى أن تحل الجماعات الإسلامية خصوماتها وخلافاتها بالعودة إلى كتاب الله، وإلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحقيقاً لقوله تعالى:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} . فنحن لا ندعو الجماعات إلى اتباعنا في آرائنا واجتهاداتنا التي قد يكون فيها أكثر من قول ولكننا ندعوهم إلى أمر التوحيد وهو أمر لا يختلف فيه مسلمان
…
فكيف يكون فيه خلاف بين جماعتين أو أكثر؟ ! ! هذا هو المرفوض
…
أعود ثانية فأدعو المسلمين جميعاً إلى أن يرجعوا إلى دينهم الصحيح وإلى الاعتماد في ذلك على الكتاب أولاً وعلى السنة الصحيحة ثانياً
…
وأصر على هذه الدعوة .. ولن نتراجع عنها مهما كانت الادعاءات والافتراءات .. أقول هذا وأنا أتذكر السنوات الطوال التي عشتها في سورية كان يحضر دروسي خلالها أعضاء من الإخوان، ومن حزب التحرير، ومن جماعة التبليغ، ومن المذهبيين
…
وفي هؤلاء من يصرح بتتلمذه علي، ويقر بالفضل
…
فكيف نُتَّهمُ بعد ذلك بمحاربة الجماعات الإسلامية؟ !
كل ما نخالف به تلك الجماعات إنما هو الخروج على الكتاب والسنة في تربية أعضاء تلك الجماعات. وفي غير ذلك من القضايا التي اُختُلِف فيها قديماً وحديثاً لا نختلف معهم، ولا ننقدهم فهم أحرار في ذلك، فالأمر كما قال تبارك وتعالى:{ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} . فالعدل العدل
…
أيها الناقدون
…
ومراعاة الله وحقه وحق رسوله إن كنتم مؤمنين!
-كثيراً ما نسمع بالتدرج في عرض الشريعة .. وما شابه ذلك من أفكار يتبناها بعض الجماعات الإسلامية
…
فما هو هذا التدرج؟
وأين يكون؛ هل في الأحكام مثلاً؟ أو في طريقة عرض الأحكام؟
الجواب: لقد وصلنا الإسلام كاملاً متكاملاً، ولا يجوز تطبيق بعضه وإهمال بعضه الآخر، أو اختيار ما يناسب الظروف وإهمال مالا يناسب مع إمكان التطبيق
…
فإن الإسلام الذي بين أيدينا اليوم يختلف عن الإسلام قبل أن ينزل قوله تبارك وتعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} . الإسلام كما هو بين أيدينا كامل لا نقص فيه أحكاماً
وتطبيقاً، فكل ما فيه لا يناقض العقل ولا يستحيل تطبيقه ولكنه يتأتي وفق القاعدة التي تلخصها الآية:{اتقوا الله ما استطعتم}
…
فالأصل إذاً العمل بالشريعة وتطبيقها كاملة قدر المستطاع .. وهذا ما نص عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أمرتكم من شيء فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» .
فإن قال قائل: إن ظروف الإنسان وأحواله قد تحول دون التطبيق الكامل
…
فنقول: نعم هذا وارد، ولكن على الإنسان أن يطبق ما يمكن تطبيقه، وما يستطيع وفق أحواله وظروفه
…
ولكن أن يتدرج ويختار ما يريد، ويهمل ما يمكن باسم التدرج أو لأسباب أخرى .. فهذا هو المرفوض
…
المطلوب تطبيق ما يستطاع تطبيقه وإهمال فكرة التدرج.
-فضيلة الشيخ: هل ينطبق هذا أيضاً على دعوة الأفراد؛ بمعنى أن شخصاً أمضى شهراً وهو يصلي
…
أأدعوه مباشرة إلى إطلاق لحيته وتقصير إزاره؟
الجواب: لا تقدم العقيدة إلا كاملة. ولكن يحسن التفريق بين الفكرة في العقيدة وتطبيق هذا الفكر
…
فالتطبيق يجب أن يكون على حسب الإمكان والمستطاع لا على حسب الاختيار والأنسب
…
أما مثل هذا الإنسان الذي بدأ بالصلاة أول أمره فيؤمر بالتزام العقيدة أولاً، ثم يستحسن التعامل معه على مثل قوله تعالى:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} .
فلابد من إبلاغ مثل هذا الإنسان بما يجب أن يكون عليه المسلم الصحيح من التزام اللحية وإعفائها ولكن دون ضغط عليه أو وعيد أو إلحاح في التنبيه وإلا كان المبلغ الداعية من المنفرين
…
ولأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع أن ينقلب من وضع سيء كان عليه إلى وضع ممتاز وُجِّه إليه بخطوة واحدة سريعة
…
ولابد من مراعاة وضع الشخص أو الجماعة ممن يبدأ بتطبيق الشريعة
والالتزام بها، ومعرفة مدى استعداد كلٍ للعمل بكل ما سيعرفه من أحكام فيلفت نظره إليه مرة بعد مرة على نحو ما جاء في حديث ابن مسعود من أنه كان يتخول الناس بالموعظة، أي أنه لم يكن يلح عليهم.
أما ما يدعيه بعضهم من ضرورة الرفق بالحديثي عهد بالإسلام أو بمن يتوجهون نحو التمسك بالشريعة وذلك بعدم تحديثهم بالأحكام القاسية كتحريم الموسيقا
…
بل باستعارة أقوال بعض الصحابة المتقدمين التي تبيح ذلك ثم إسماعهم أخبار التحريم وغير ذلك مما سيفصلهم عن تاريخهم الماجن اللاهي العابث
…
فهذا أمر يهدم الإسلام ويقضي عليه باسم الإسلام لأنه يفتح باب الخلافات واسعاً وبخاصة إذا ما أخذنا بعين التقدير اتساع مساحة العالم الإسلامي اليوم وتوافر أعداد كبيرة من الأعداء والخصوم، والخمرة، كمثال، فرق فيها بعض العلماء القدامى بين خمر العنب وخمر غيره، وقالوا بتحريم الأولى، وما يسكر من الثانية، وأباحوا القليل الذي لا يسكر
…
وهذا موضع شائك، والبحث فيه طويل، ولكني أقول إن الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسول الله تظهر هذا القول مخالفاً لها، وفي أولها آيات تحريم الخمرة، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:«كل مسكر خمر وكل خمر حرام» .
فلو تدرجنا مع شارب الخمرة، وسمحنا له، وهو المسلم الحديث عهد بالإسلام، باحتساء هذا القليل الإسكار، أو ما لا يسكر لكنه خمر، لخالفنا الإسلام وأوقعنا غيرنا في هذه المخالفة .. وفتحنا باب التحليل لما حرم الله أمام الآخرين من ضعاف الدين
…
لهذا نرفض أسلوب التدرج من جديد، وندعو إلى تقديم الإسلام كما هو
…
ونطالب بتطبيق ما يستطاع تطبيقه على نحو ما أسلفنا.
-شيخنا
…
تعقيباً على قضية التدرج، نذكر ما طلبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من معاذ بن جبل، رضي الله عنه، حين أرسله إلى اليمن، من أن يخبر أهل اليمن بأنهم أهل كتاب؛ وعليهم أن يعملوا بالتوحيد، ثم بإقامة الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، واجتناب طيبات أموالهم
…
على نحو من التدرج
…
فهل هذا نوع من التدرج في الحكم
…
أو هو شيء غير ذلك؟
الجواب: إن إجابتي عن السؤالين السابقين توحيان بأنني فهمت من التدرج الذي سئلت عنه الاختيار من الشريعة، وتقديم حكم على حكم، أو قضية على قضية
…
فهذا مرفوض إذ لابد من تقديم الإسلام كلاً متكاملاً.
أما التدرج بعرض الأهم فالأهم لا في عرض الإسلام فهذا مطلوب على النحو الذي نفهمه من حديث معاذ بن جبل الذي ذكرته في السؤال. فالتدرج هنا مطلوب ومفروض، إذ لابد من تقديم الأهم فالأقل أهمية لأنك لا تستطيع أن تطبق أو تطلب العلم كله «لأن العلم إن طلبته كثير والعمر قصير عن تحصيله فقدم منه الأهم فالأهم» كما قال بعضهم
…
وعلى سبيل المثال، نقول: لو أردت أن تدعو غير مسلم إلى الإسلام، فهل تدعوه مباشرةً إلى الإسلام كفكر متكامل، أو تطلب منه أن ينزع أولاً خاتم الذهب من إصبعه؟ !
الجواب واضح
…
الإسلام أولاً
…
ثم الجزئيات الأخرى التي لا بد من الدعوة إليها في المستقبل بعد أن يقتنع حديث العهد بالإسلام
…
والذي لا يصلي من المسلمين
…
هل ننبهه إلى خطر ترك الصلاة أو نطالبه بإعفاء اللحية؟ !
…
هذا هو التدرج المطلوب
…
أما غيره فمرفوض على نحو ما وضحت قبل قليل.
«حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه» (1/ 391 - 400)