الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نبذ الفرقة وكيفية توحيد المسلمين
مداخلة: يا شيخنا! بمناسبة هذه الكلمة الطيبة حول التفرق، وليس هناك تفرق كتفرق المسلمين عامة والملتزمين خاصة، فكيف يجتمع المسلمون؟ وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: الله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! لا سبيل حقيقًة لتوحيد كلمة المسلمين وجمع صفوفهم إلا بالرجوع إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وعلى منهج سلفهم الصالح رضي الله عنهم، وكثير من الدعاة الإسلاميين اليوم على الأقل وجدوا أنفسهم منصاعين للخضوع لدعوة الحق وهي دعوة الكتاب والسنة، فأخذوا يتظاهرون بأنهم أيضًا هم على الكتاب والسنة، أو أنهم يدعون إلى الكتاب والسنة، لكننا نرى فرقًا كبيرًا جدًا بين الدعاة الأصليين في هذه الدعوة منذ مئات السنين .. منذ تنبه لها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتلامذته الأبرار حينما أحيوا الأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، قامت هذه النهضة في العصر الحاضر على أصوات دعاة الإصلاح الحق، وهم الذين يعرفون في بعض البلاد العربية بأنصار السنة المحمدية، وفي بعض أخرى بالسلفيين الدعاة إلى مذهب السلف الصالح، وفي بلاد إسلامية أخرى يعرفون بأهل الحديث، أو بأهل الآثار، لما قام هؤلاء فقد تحققت أجزاء كبيرة من هذه الغاية العظيمة جدًا وهي: انتباه كثير من أطراف العالم الإسلامي لوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
لكن بعض الدعاة الذين لم يتشربوا هذه الدعوة بقلوبهم، ولم تجري في جوارحهم مجرى الدم من أبدانهم يكتفون بالدعوة إلى الكتاب والسنة، وهي كلمة لم يظهر بعد آثارها في دعوة هؤلاء عمليًا.
لذلك فالكلمة التي تجمع الأمة: هي بالرجوع إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، أما الرجوع إلى الكتاب والسنة فهذا أمر أصبح أمرًا متفقًا عليه والحمد لله الآن ولو في الظاهر بين جميع الجماعات الإسلامية، لصريح القرآن في ذلك، كما قال عز وجل:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
هذا نص صريح بالرجوع إلى الكتاب والسنة، لأن علماء التفسير اتفقوا على أن الرجوع إلى الله إنما الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول إنما هو الرجوع إلى سنته، أما اشتراط الرجوع إلى الكتاب والسنة زائد: على منهج السلف الصالح، فلقول الله تبارك وتعالى، ولأحاديث معنى هذه الآية، ألا وهي قوله عز وجل:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
الشاهد من هذه الآية: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] كان يمكن أن تكون الآية مختصرة على نحو: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا، دون قوله:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] فلماذا ذكر رب العالمين هذه الجملة؟ عبثًا؟ ! حاشاه عز وجل، فكل كلمة بل كل حرف في كلامه عز وجل له معنًى يفهمه أهل اللغة التي نزل القرآن بلغتهم.
فقوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] فيه إشارة إلى أنه لا يجوز للمسلمين في آخر الزمان أن يفسروا القرآن، أو أن يفسروا السنة، على ما يبدو لهم من آراء واجتهادات محدثة، بل عليهم أن يتبعوا سبيل المؤمنين في فهمهم لكلام رب العالمين وشرحهم لسنة سيد المرسلين.
لذلك كان من أصول تفسير القرآن الكريم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في: أصول في مقدمة التفسير، ذكر أنه: إذا جاء قولان عن السلف في تفسير آية ما، فلا يجوز لنا أن نحدث قولًا ثالثًا، وإذا جاء عنهم ثلاثة أقوال فلا يجوز لنا أن نحدث قولًا رابعًا، وإنما علينا أن نرجح قولًا من تلك الأقوال بناءً على الأدلة التي تسوغ لنا أن نرجح، أما أن نحدث قولًا جديدًا فهذا خلاف طريق المسلمين .. سبيل المسلمين، من أجل ذلك قال تعالى في هذه الآية الكريمة:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
إذًا: كان ضروريًا جدًا أن ندعو إلى كتاب الله وسنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح؛ لأنه هو سبيل المؤمنين الذي أوعد الله عز وجل أن من خالف سبيل المؤمنين ولاه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا.
قلت آنفًا: بأن هناك بعض الأحاديث تؤيد هذه الزيادة، ليست هي زيادة إلا على الفرضية السابقة .. تؤيد قوله تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] تلك الأحاديث تحذر من مخالفة سبيل المؤمنين فتلتقي مع الآية، كمثل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه في الحديث المعروف، حيث قال: «وعظنا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! إنا نراك توصينا وصية مودع، فأوصنا وصيًة لا نحتاج إلى أحد بعدك أبدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
الشاهد من هذا الحديث: أنه اقتباس من الآية السابقة، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتصر على قوله فقط: عليكم بسنتي، بل عطف عليها فقال: وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، لماذا هذا العطف؟ إذا عرفتم النكتة في قوله تعالى في الآية السابقة:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] تعرفون أيضًا لماذا قال عليه السلام: وسنة الخلفاء الراشدين، أي: إن الخلفاء الراشدين هم الذين تلقوا دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطبقة، ومنهاج حياة فهم ينقلون ذلك إلى من بعدهم فعلى من بعدهم أن يتبعوهم في منهجهم وفي سبيلهم الذي ساروا عليه.
من هذا القبيل أيضًا، وبه أختم الجواب عن هذا السؤال إن شاء الله تبارك وتعالى: الحديث المشهور المروي عن أكثر واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين قرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه والجماعة» وفي رواية أخرى: «هي ما أنا عليه وأصحابي» .
إذًا: عطف على ما كان عليه الرسول ما كان عليه أصحابه، فإذًا: لا ينبغي أن نقتصر في الدعوة حينما ندعو إلى الكتاب والسنة فقط، بل علينا أيضًا أن نتبع
ذلك بقولنا: وعلى منهج السلف الصالح؛ لأن ذلك سبيل المؤمنين، وهذا هو السبيل الذي على كل المسلمين أن يسلكوه، فإذا سلكوا هذا السبيل اجتمعت الكلمة واتحدت الصفوف، ولا سبيل سوى هذا، والأمر كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].
وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.
(فتاوى جدة-أهل الحديث والأثر 19 أ/00: 50: 34)