الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصيحة .. حول متى الوصول
؟ !
الشيخ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] فقد ذكرنا مع هذه الآية الآية الأخرى التي تقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] وأشرنا إلى أن هذه الآية الثانية تعطينا شرطين اثنين: أن يكون العمل صالحاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موافقاً للسنة، والشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى، دار الكلام مع شيء من البسط والشرح حول هذين الشرطين، ولكن ما يتعلق بالآية الأولى وهي قوله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] علقت أنا على قوله تعالى آمراً نبيه عليه السلام أن يقول: «هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني» لكن قبل هذا التعليق هناك تعليق آخر يجول في نفسي: كل تالٍ لهذه الآية الكريمة ويقف التالي الذي يريد أن يتحقق بهذا الأمر الإلهي - أن يكون على بصيرة من دينه اتباعاً لأمر ربه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم يجب عليه أن يقف طويلاً وطويلاً جداً عند هذه الكلمة الطيبة: (سبيلي) حيث يعلم كل مسلم أوتي شيئاً من الفقه والفهم في اللغة العربية أن السبيل هذا اللفظ المذكور في الآية هو مفرد وليس جمعاً، أي: أن الله عز وجل قال: (قل هذه سبيلي) ولم يقل: قل هذه سبلي.
فلحكمة ما قال ربنا: سبيلي ولم يقل سبلي، ذلك لأن الطريق المؤدي إلى الله تبارك وتعالى في كل زمان وفي كل مكان وفي كل مصر وقطر إنما هو سبيل واحد، وهذا ما وضحه نبينا صلوات الله وسلامه عليه كما هو شأنه في كل شيء يكون أصله مذكوراً في الكتاب فتأتي السنة
لتشرح ذلك ولتبينه، فقال عليه الصلاة والسلام يوماً لأصحابه وهو جالس على الأرض من تواضعه ومن حوله كثير من أصحابه: فخط لهم على الأرض خطاً، ثم خط من حوله خطوطاً قصيرة، ثم تلى وهو يمر بأصبعه الشريفة على الخط الطويل:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، لقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية الثانية:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153] يشرح قوله السابق: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108] لذلك يقول علماء التفسير وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن سار مسيره كابن القيم الجوزية وابن دمشق ابن كثير صاحب التفسير المعروف بتفسير ابن كثير، كلهم يقولون: يجب على كل باحث وعالم أن يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة التي هي أيضاً وحي من الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث الصحيح عنه من قوله:«لا يقعدن أحدكم متكئاً على أريكته يقول: هذا كتاب الله، ما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدناه حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» المثل هنا هي سنة الرسول عليه السلام، ولذلك قال من أشرنا إليهم من بعض أهل العلم آنفاً بأنه ينبغي تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة لأنها أيضاً من وحي الرحمن على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام كما قال: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى} [النجم: 1 - 4] فإذاً: هناك وحيان وحي متلو ألا وهو القرآن، ووحي متعبد به لفهم القرآن.
فالآية السابقة حينما خط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الخط المستقيم الطويل تلا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] أي: ولو طال عليكم الأمر امشوا في هذا الطريق المستقيم ولو طال عليكم، لأن الأمر كما قال عليه السلام في صحيح البخاري ومسلم:«حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» المكاره هو
السير في هذا الطريق المستقيم، طويل، متى نصل، أنت المهم أنك تمشي ولو أول خطوة، فلو مت فيها فأنت يقيناً من أهل الجنة، كما جاء أيضاً في الحديث الصحيح:«أن رجلاً من الأعراب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء إليه وآمن به، قال له: أرأيت إن أنا جاهدت وقاتلت معك في سبيل الله ومت أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فما كان منه إلا أن خاض المعركة وما خرج منها إلا شهيداً، ولم يصل لله صلاة» ، لماذا؟ لأنه أخذ الخط المستقيم، ومشى فيه ولو خطوة أولى، فليس من المهم على السائر في هذا الطريق المستقيم الطويل أن يصل إلى نهايته، ولكن أن يمشي ولو خطوة أو أكثر من ذلك حسب ما ربنا عز وجل ييسر له ويموت على ذلك، ويعجبني بهذه المناسبة بيت الشعر الذي يروى عن امرئ القيس الجاهلي، وأنا أقول: أنا لست بشاعر ولا أحفظ الشعر جيداً، ولذلك فأستسلم سلفاً فأقول لمن يحفظ الشعر: فإذا وجدني قد أخطأت فليعني وليمدني بمدده، فماذا قال امرئ القيس، قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
…
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك
…
إنما نحاول ملكا او نموت فنعذرا
انظر الجاهلي، لكنه عاقل
لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
فإذاً: المهم في المسلم أن يأخذ الخط المستقيم ويموت عليه، ولذلك أقول هذا الكلام أنه بعض الناس يستطيلون السير على المنهج الإسلامي، متى يا أخي؟ بعضهم يستعجل مثلاً لإقامة الدولة المسلمة، وهذا أمر واجب ولابد منه، ولكن إقامة الدولة المسلمة تعجبني بهذه المناسبة يا شيخ علي أنت وعلي كلاكما ما شاء الله إن الطيور على أشكالها تقع، يعجبني بهذه المناسبة كلمة
لبعض الدعاة المعاصرين، قال هذا الداعية المعاصر كلمة في منتهى الحكمة، وأعتقد أنه لو كان هناك وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو كان هناك مثل عمر الذي قال عنه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: لقد كان فيمن قبلكم محدثون، أي: ملهمون، فإن يكن في أمتي فعمر.
فإذاً: لو كان هناك نبي لقلت إن هذا الكلام الذي ستسمعونه هذا وحي من الله، لكن على الأقل أن يقال: إنه إلهام من الله تبارك وتعالى، ماذا قال هذا الداعية.
مداخلة: أبو الأعلى.
الشيخ: لا، إنما هو حسن البنا رحمه الله، قال: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم. إذاً: السعي لإقامة الدولة المسلمة كما يقولون عندنا في دمشق تريد هز أكتاف، والشيء بالشيء يذكر، وليتحملنا بعض إخواننا المستعجلين لما قد يكون في نفوسهم من سؤال أو أسئلة، هناك حديث من المبشرات، ألا وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: كنا في مجلس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله سائل: أي المدينتين نفتحها أولاً أقسطنطينية أم رومية؟ رومية يعني روما عاصمة الطليان إيطاليا، أي المدينتين نفتحها أولاً أقسطنطينية أم رومية؟ هذا السؤال يوحي إلينا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد بشر المسلمين بأنهم سيفتحون كلتا المدينتين، قسطنطينية ورومية، لكن ما كان بين لهم إلى تلك الساعة أيها تفتح أولاً، فجاء السؤال، فقال عليه الصلاة والسلام: قسطنطينية، الجواب: قسطنطينية أولاً، وهذا الحديث من أعلام نبوته عليه السلام الغيبية، ما يدريه أن هذه المدينة العظيمة وهي عاصمة الروم يومئذٍ كما هي الآن لإيطاليا وفي خصوص عاصمة روما هي عاصمة النصارى، ولذلك
مركز البابا هناك كما تعلمون، فما الذي أدرى الرسول عليه السلام بأن قسطنطينية وهي في يدي الكفار المشركين الروم تفتح أولاً؟ ذلك من وحي الله تبارك وتعالى.
فإذاً: هذه بشارة عظيمة، فتحت القسطنطينية فلم يبق على المسلمين إلا أن يفتحوا روما، وسيكون ذلك يقيناً لأن الرسول كما قلنا آنفاً:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] لكني كنت أقول وهنا الشاهد: فتح مدينة عاصمة كروما في هذا الزمان لا يمكن أن تفتح من المسلمين في آخر الزمان وهم كما نراهم متفرقين شذر مذر، طرق ومذاهب وأحزاب وهم يقرؤون القرآن الكريم:{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32] وأنتم ترون الآن إقليم من أقاليم المسلمين وهي أفغانستان مضى عليها عشر سنوات ولم يستطع المسلمون أن يقضوا على الحاكم الكافر في بلادهم، الذي احتلها رغم أنوفهم، لماذا؟ لأن الأفغانيين يقاتلون وحدهم، والمسلمون يتفرجون عليهم كأنه لا يجب عليهم أن يمدوا إخوانهم بالأشخاص وبالأموال وبالسلاح وكل شيء، فكيف يستطيع المسلمون أن يفتحوا عاصمة كروما، وأنا أقول: إن المسلمين هكذا كنت أقول هناك في وضعهم الحاضر لا يستطيعون أن يفتحوا قرية عندنا كدوما، كيف يستطيعون أن يفتحوا روما.
إذاً: فيجب علينا أن نقف متفكرين جداً في هذا الحديث، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] هذا واقع المسلمين اليوم، فقد تفرقوا منذ قرون طويلة إلى طرق كثيرة، وهذه الطرق من حكمة الرسول عليه السلام، وأنا في الحقيقة معجب بشيء ما أحد يعني فكر فيه، أو
ربما فكر ولكن ما عبر عنه، وهو أن الرسول عليه السلام رسام ماهر، لكنه إنما يرسم ما يجوز وليس ما يحرم، لأنه حرم التصوير لذوات الأرواح، ولكنه هنا صور الخط المستقيم والخطوط الأخرى المعاكسة له، فصور الخط المستقيم خطاً طويلاً، وصور حوله ليس خطوطًا طويلة، وهذه المهارة في الرسم، وإنما هي خطوط قصيرة، لماذا؟ لحكمة بينها الرسول في تمام الحديث، لما تلا بعد أن صور هذه الصورة الرائعة وقرأ عليها الآية قال: هذا صراط الله، وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليها. ما معنى هذا الكلام؟ فيه هنا كلام يتلفظ به لسان الرسول عليه السلام، لكن هناك كلام لم يتلفظ به، وإنما رسمه لأصحابه على الأرض، وهو أن هذه الطرق قصيرة مغرية للسائرين على الدرب الطويل، فإن على كل رأس طريق من هذه الطرق القصيرة شيطان، كأنه يقول للسالكين على الصراط الطويل: أين ذاهبين، متى تصلون، انظروا ما أقرب هذا الطريق، فإلي إلي.
مداخلة: .......
الشيخ: هو هذا، ولذلك تجد ليس فقط الضالين الشاردين الخارجين عن دائرة الإسلام، بل وبعض المسلمين أنفسهم انغشوا بنصيحة الشيطان، والشيطان عمره ما نصح مسلماً.
(الهدى والنور/290/ 10: 29: 00)
(الهدى والنور/290/ 48: 43: 00)