الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تهم: السلفيون لا يُقَدِّمون
حلولاً لمشاكل الأمة
مداخلة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
هناك شبه تدور حول منهج الشيخ خاصة، ومنهج أهل الحديث من السلفيين اليوم عامة، منها: أن الشيخ الألباني عمد إلى السنن الأربع وتصرف فيها وأتى بما لم يسبق إليه وفصلها من صحيح وضعيف مع أن مسألة التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية، أما ما يتعلق بأهل الحديث اليوم، أنهم يشتغلون بالردود على بعض وليس لهم في واقع المسلمين الآن .. يعني: لا يقدمون حلولًا لمشاكل المسلمين الآن وإنما هم مشتغلون بالردود على بعضهم في مسائل فرعية اجتهادية الخلاف فيها خلاف تنوع، فنرجو من فضيلتكم إجلاء مثل هذه الشبه.
الشيخ: هذه يقال منذ القديم: شنشنة نعرفها من أخزم! إن الذين يدعون بأن السلفيين لا يقدمون حلولًا لمشاكل العصر الحاضر يقولون قولًا يدل على جهلهم بالإسلام، والكلمة الأولى التي أشرت إليها إن كانت من كلامهم فهي أيضًا كما يقال: ضغث على إبالة، صحيح أن الألباني جاء إلى السنن الأربعة وأعطى كل حديث في كل كتاب منها المرتبة التي تتطلبها أسانيد تلك الأحاديث وشواهدها وتوابعها، فنقول لهؤلاء الذين يريدون أن يقدموا إلى الأمة حلولًا لتلك المشاكل التي يشيرون إليها: على أي أصل يريدون أن يعتمدوا في ذلك التقديم؟ لا شك أن ذلك الأصل هو الأصل الأول للشريعة الإسلامية القرآن
الكريم، ثم الأصل الثاني السنة أيضًا باتفاق جميع المسلمين، وإذا كانت السنة قد دخل فيها لحكمة أرداها الله بهذه الأمة ما ليس منها من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فتلك الحلول كيف تقام على مثل هذه الأحاديث التي اختلط الحابل فيها بالنابل.
لذلك فالسلفيون في الواقع يقومون بواجب التصفية التي أعرض عنها جماهير المسلمين قديمًا وحديثًا وبخاصة منهم هؤلاء الذين يزعمون بأنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل، وما أحسن قول الإمام الشافعي رحمه الله حين قال في رسالته: إذا كان العالم جاهلًا بالسنة فعلى أي أصل يعتمد إذا ما أراد أن يقيس والقياس لا يصح إلى على الأصلين الكتاب والسنة، فإذا قاس المجتهد أو استنبط حكمًا من السنة فأول شرط: أن تكون هذه السنة صحيحة عند علماء الحديث وموافقة لأصولهم وقواعدهم.
فهؤلاء الذين يتبجحون بما ليس عندهم من أنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل على أساس ماذا؟ على أساس الجهل؛ لأن الذين لا يعلمون السنة ولا يميزون بين صحيحها وضعيفها ليس بإمكانهم أن يقيموا حلولًا عملية وموافقًة للشريعة الإسلامية، والواقع يؤكد ذلك فمنهم جماعات أو أحزاب مضى عليهم نحو نصف قرن من الزمان أو أقل أو أكثر ما استطاعوا أن يعملوا شيئًا فقد ضلت أفراد هذه الأحزاب بعيدة عن العمل بالكتاب والسنة لأنهم لا يعلمون ومن لا يعلم لا يستطيع أن يعمل كما ذكرنا آنفًا: أن الأصل في كل عمل أن يكون قائمًا على الكتاب والسنة، ثم أن يكون خالصًا لوجه الله تبارك وتعالى، فلو فرضنا في كل فرد من أفراد الأمة ومنها أولئك الجماعات أو الأحزاب فرضناهم مخلصين في أعمالهم ولكن أعمالهم تكون مردودةً غير صالحة لأنها ليست على الكتاب
والسنة.
فتقسيم السنة إلى صحيح وضعيف كما نقل السائل آنفًا، أن هذا عمل تفرد به الألباني، فهل هذا عيب؟ لقد سن لنا الأئمة الكبار من علماء الحديث هذه السنة الطيبة أنهم جعلوا الحديث صحيحًا وضعيفًا، وأشهر الأئمة في ذلك الإمام البخاري ومسلم، غُمِزَ صنيعهم هذا غمزًا سيئًا؟ ! أم كان عملهم هذا مشكورًا عند الأئمة كلها حتى صار كتاباً هاما بعد كتاب الله اعتمادًا عليهما مدى هذه القرون الطويلة، فكان ذلك منهم سعيًا مشكورًا ويثابون على عملهم هذا بما لا يُقَدِّر أجره إلا الله تبارك وتعالى.
الحق والحق أقول: إن انتقاد عمل الألباني هذا ينشأ من عدم تقدير هذا العلم، وهو الذي يمكن صاحبه من تمييز الصحيح من الضعيف، أو ينشأ من الحقد والغيرة والحسد وهذا ليس من أخلاق المسلمين، فبديل أن يحسنوا هذا العمل ويساعدوا المؤلف على المضي شوطًا كبيرًا في إتمام هذا العمل يقولون: هذا عمل تفرد به الألباني، فماذا يريدون إذًا؟ أن تبقى الأمة الإسلامية حيارى كلما جاءهم حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرفون صحيحه من ضعيفه وتكون نتيجة ذلك وعاقبة ذلك أن يقعوا في الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث كثيرة وأهمها قوله عليه السلام:«كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» وإذا كان لا يجوز الاعتداء على الباغين أو على الظالمين وإنما جزاء سيئةٍ سيئة مثلها فأنا أقول: إن هؤلاء الذين لا يقدرون هذا الجهد المبذول لتمييز الصحيح من الضعيف فمعنى ذلك أنهم رضوا بالبقاء على جهلهم بالسنة ورضوا بالتالي بالوقوع في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحديث السابق وهو حديث خطير جدًا ويعالج أمرًا واقعًا: بحسب المرء من الكذب أن
يحدث بكل ما سمع.
أي كاتب ألف كتابًا، أو أي كاتب كتب رسالًة، أو أي محاضر ألقى محاضرةً يروون في هذه المقالات أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يميزون صحيحها من ضعيفها فقد وقعوا شاءوا أم أبو في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا وحده يكفي ليعلموا أن من الواجب على العشرات بل المئات من الأئمة الإسلامية أن يدرسوا علم الحديث هذا دراسة جيدة، وأن يتمكنوا من تمييز صحيح الحديث من ضعيفه، حتى ينشروا العلم الصحيح بين المسلمين يومئذٍ يستطيع من يريد أن يضع تلك الحلول المشار إليها آنفًا أن يضعها حلولًا إسلامية وإلا ستكون حلولًا بعيدة عن الإسلام.
ونحن في كل يوم نقرأ مقالات فيها إباحة أشياء أو تحريم أشياء لمجرد الرأي، ليس هناك قال الله ولا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يكون من المعلوم عند أهل العلم أن في كثير من تلك البحوث قد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك لا يذكر في بعضها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه علة طالما تحدث عنها بعض العلماء القدامى في بعض المذاهب، حيث يقرأ الإنسان كتاب فقه من أوله إلى آخره فلا يسمع قال الله قال رسول الله إنما هو مجرد المذهب ومجرد الرأي.
وقديمًا قرأت بحثًا لأحد الكتاب المشهورين حول الموسيقى والغناء، وإذا به لا يتعرض لحديث من تلك الأحاديث التي ذكرها علماء الحديث في خصوص هذه المسألة، وإنما يذكر آراؤه وقد يعتمد في شيء منها على بعض الأقوال لبعض المتقدمين ولكن العلم ليس هو قال فلان قال علان .. وإنما كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله بحق:
العلم قال الله قال رسوله
…
قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهًة
…
بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها
…
حذرًا من التعطيل والتشبيه
ذلك البحث في الغناء وفي الآلات الموسيقية لم يذكر كاتب ذلك البحث الحديث الذي جاء في البخاري: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف، يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردًة وخنازير» لماذا لم يذكر هذا الحديث؛ لأنه أولًا لا علم عنده بالحديث، وثانيًا لو ذكر هذا الحديث لسقطت مقالته من أصلها، ولم يقم لما قاله وزنًا يذكر إطلاقًا.
أهكذا تكون وضع الحلول للمشاكل التي يعيشها المسلمون اليوم؟ ! لا بد من الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة الصحيحة، وهذا ما يدندن حوله المسلمون المنتمون إلى السلف الصالح.
وأنا أخيرًا أقول كلمةً سهلة جدًا: نفترض أن المسلمين اليوم كل في مذهبه وفي طريقه الذي يمشي فيه، ولكن على غير هدى من ربه، والمنتمون إلى السلف الصالح إنما يزيلون العثرات ويبعدون الأشواك من هذا الطريق، أفيكون جزاء ذلك العمل تحقير عملهم والحط عليهم بأنهم لا يضعون الحلول؟ ! الحلول إنما توضع بعد إزالة الأشواك والعثرات من الطريق ذلك من معاني قوله عليه الصلاة والسلام:«تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فكل من لم يهتم بالسنة فمعنى ذلك أنه لم يرفع رأسًا إلى الآيات فضلًا عن الأحاديث التي تأمر المسلمين بالرجوع إليها وفي خاصة إذا اختلفوا في أمر أو في حكم أو في منهج يضعونه للسير عليه في حياتهم القائمة الآن.
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
مداخلة:
…
كما فعل أحمد شاكر في المسند رحمه الله.
الشيخ: وأحمد شاكر يعني ..
مداخلة:
…
إلى صحيح وضعيف وأبقى الأصول كما هي، وتخرج الأحاديث في الحواشي.
الشيخ: وما معنى هذا؟ هكذا نحن بدا لنا، فهل هذا يكون مأخذًا علينا؟ {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] وقد ذكرت آنفًا هذا الاعتراض .. أشرت آنفًا أن هذا الاعتراض لا يرد على الألباني، يرد على الإمام البخاري ومسلم، لماذا جمعا الأحاديث الصحيحة في الكتاب، أليس نصحًا للأمة؟ فنحن نستعين بالعلم الذي وضعوه لنا إلى تمييز الصحيح من الضعيف، أنا حينما خططت هذه الخطة وجريت عليها أول ما جريت على صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود، لقد فكرت مليًا أأسلك هذه الطريق التي يراها بعضهم أم أسلك الطريق التي شرح قلبي لها أخيرًا؟ فلكل وجهة، قلت: لو أنني جئت إلى سنن أبي داود وهو أول كتاب من كتب السنن الأربعة بدأت فيه منذ نحو أربعين سنة، لو أنني تركت السنن على ما وضعه المؤلف عليه، ثم أعطيت كل حديث مرتبته من صحة أو ضعف فعاقبة ذلك أنني ميزت فعلًا ولكن ما شخصت الصحيح ولا شخصت الضعيف، وليس كل فرد من أفراد الأمة من طلاب العلم أو من غيرهم باستطاعته أن يستوعب هذا الكتاب برمته وأن يركز في ذهنه الصحيح منه والضعيف، بل أكثرهم سيختلط عليه الأمر من حيث الحفظ والضبط، سيختلط عليه الأمر بالصحيح والضعيف.
فرأيت أن هذا التمييز يساعد كل فرد من أفراد الأمة حتى حفاظ الأمة أن يحفظوا الصحيح ويحفظوا الضعيف، نحن الآن يكفينا أن نتذكر أن الحديث
الفلاني في الصحيح في البخاري في مسلم، وإذا نحن على بصيرة من ديننا أن هذا الحديث لا يحتمل أن يكون من الضعيف، أما إذا كان الكتاب يحوي القسمين الصحيح والضعيف فيتذكر الإنسان أن هذا الحديث في سنن أبي داود، وسنن أبي داود فيه الصحيح .. فيه الحسن .. فيه الضعيف وفيه المنكر، وغيره من السنن فيه بعض الموضوعات، فسوف يختلط الحابل بالنابل والصحيح بالضعيف، هذا ما اطمأنت إليه نفسي وانشرح له صدري فما معنى انتقاد: لم فعلت هذا؟ هذا هو اجتهادي فإن أصبت فلي أجران وذلك ما أرجوه من الله تبارك وتعالى، وإن أخطأت فنقول لأولئك المتقدين: هاتوا عملكم الذي هو أصلح وأنفع من هذا للأمة
(فتاوى جدة أهل الحديث والأثر- 3/ 00: 17: 20)