المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الألفاظ تناول السيوطي اللغة من حيث ألفاظها في ثلاثة عشر قسما - جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

[طاهر سليمان حمودة]

فهرس الكتاب

- ‌[هوية الكتاب]

- ‌تصدير

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول عصر السيوطي وحياته، وآثاره

- ‌الفصل الأول

- ‌الحياة السياسية والاجتماعية

- ‌الخلافة:

- ‌ نظم الحكم

- ‌القضاء:

- ‌الحياة الاجتماعية

- ‌بناء المجتمع:

- ‌أرباب القلم:

- ‌التجار:

- ‌الصناع وأرباب الحرف:

- ‌العوام

- ‌أهل الذمة:

- ‌الفلاحون:

- ‌ الأعراب

- ‌الأقليات الأجنبية:

- ‌الحياة في المدن:

- ‌القلق الاقتصادي:

- ‌المجاعات والأوبئة:

- ‌التصوف والمجتمع:

- ‌الفصل الثاني

- ‌الحياة الثقافية

- ‌ دور العلم

- ‌1 - المدارس:

- ‌المدرسة الصلاحية

- ‌مدرسة السلطان حسن

- ‌مدرسة صرغنمش:

- ‌خزائن الكتب:

- ‌2 - الخوانق والربط والزوايا:

- ‌خانقاه سعيد السعداء

- ‌خانقاه شيخو

- ‌الخانقاه البيبرسية

- ‌3 - الجوامع:

- ‌ جامع عمرو

- ‌جامع ابن طولون

- ‌الجامع الأزهر:

- ‌[نتائج نشاط الحركة العلمية]

- ‌1 - وفود الطلاب إلى معاهد العلم:

- ‌2 - كثرة العلماء والأدباء:

- ‌3 - نشاط الحركة التأليفية:

- ‌[منهج التاليف فى العصر]

- ‌1 - الاتجاه الموسوعي:

- ‌2 - ظاهرة التقليد:

- ‌3 - ظاهرة المتون والشروح:

- ‌4 - الاكمالات والتذييلات:

- ‌5 - تنظيم العلوم واستقرار المصطلحات:

- ‌6 - العناية بتاريخ مصر:

- ‌الحياة الأدبية

- ‌ الخطبة

- ‌الرسائل

- ‌المقامة:

- ‌الفصل الثالث

- ‌حياته وثقافته وآثاره

- ‌مولده ونسبه:

- ‌ والده

- ‌‌‌نشأتهوحياته العلمية والعملية

- ‌نشأته

- ‌دراسته:

- ‌شيوخه:

- ‌1 - ابن حجر العسقلاني:

- ‌2 - علم الدين البلقيني:

- ‌3 - شرف الدين يحيى المناوي:

- ‌4 - تقي الدين الشّمنيّ الحنفي:

- ‌5 - محيي الدين الكافيجي:

- ‌6 - سيف الدين الحنفي:

- ‌مراحل حياته

- ‌العزلة الأخيرة:

- ‌وفاته:

- ‌قبر السيوطي:

- ‌صفة المقام:

- ‌مكانه في المجتمع

- ‌السيوطي بين أنصاره وخصومه:

- ‌دعوى الاجتهاد:

- ‌خلقه وشخصيته:

- ‌منهجه في التفكير وأصول هذا المنهج

- ‌فكرة المبعوثية:

- ‌السيوطي وعلوم الحديث

- ‌السيوطي والتصوف:

- ‌السيوطي الفقيه:

- ‌السيوطي والأدب:

- ‌السيوطي الشاعر:

- ‌آثار السيوطي

- ‌الباب الثاني جهوده اللغوية

- ‌تقديم:

- ‌الفصل الأول

- ‌فقه اللغة أو: «الدراسات اللغوية غير النحو والصرف»

- ‌تقديم:

- ‌آثاره اللغوية ومكانها من حياة الدرس اللغوي

- ‌1 - المتوكلي فيما ورد في القرآن باللغة

- ‌2 - المهذّب فيما ورد في القرآن من المعرّب:

- ‌3 - بعض الأبحاث اللغوية المتصلة بالقرآن الكريم:

- ‌4 - رسالة في أصول الكلمات:

- ‌5 - التبري من معرّة المعري:

- ‌6 - التهذيب في أسماء الذيب:

- ‌7 - فطام اللسد في أسماء الأسد:

- ‌8 - الافصاح في أسماء النكاح:

- ‌9 - الافصاح في زوائد القاموس على الصحاح:

- ‌10 - الالماع في الاتباع كحسن بسن في اللغة:

- ‌11 - حسن السير فيما في الفرس من أسماء الطير:

- ‌12 - غاية الاحسان في خلق الانسان:

- ‌13 - شرح قصيدة بانت سعاد:

- ‌14 - الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة:

- ‌15 - الشماريخ في علم التاريخ:

- ‌16 - المزهر في علوم اللغة وأنواعها:

- ‌منهج السيوطي في المزهر:

- ‌وضع أصول لنقد الرواية اللغوية

- ‌المرحلة الأولى: النقد الخارجي:

- ‌أ- رواة اللغة:

- ‌ب- الأسانيد:

- ‌المرحلة الثانية: النقد الداخلي أو نقد المتن:

- ‌مفهوم اللغة عند السيوطي

- ‌الألفاظ

- ‌المعنى أو الدلالة اللغوية

- ‌الأضداد:

- ‌ضبط اللغة

- ‌نشأة اللغة

- ‌الصلة بين اللفظ والمعنى

- ‌الوضع اللغوي

- ‌المعاجم اللغوية

- ‌اثبات الأسماء بالقياس

- ‌الفصل الثاني

- ‌النحو

- ‌آثاره النحوية

- ‌1 - الأخبار المروية في سبب وضع علم العربية:

- ‌2 - الأشباه والنظائر في النحو:

- ‌3 - الاقتراح في علم أصول النحو:

- ‌4 - الفريدة:

- ‌5 - المطالع السعيدة في شرح الفريدة:

- ‌6 - شرح ألفية ابن مالك

- ‌7 - جمع الجوامع وشرحه همع الهوامع:

- ‌8 - النكت على الألفية لابن مالك، والكافية والشافية لابن الحاجب، وشذور الذهب ونزهة الطرف لابن هشام:

- ‌9 - الفتح القريب على مغني اللبيب:

- ‌10 - شرح شواهد المغني:

- ‌11 - الشمعة المضية في علم العربية:

- ‌12 - الموشح في علم النحو:

- ‌ الفتاوى النحوية

- ‌رسائل الحاوي:

- ‌1 - فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد

- ‌2 - ألوية النصر في «خصيصى» بالقصر

- ‌3 - الزّند الوري في الجوانب عن السؤال السكندري

- ‌4 - رفع السنة في نصب الزّنة

- ‌بقية الآثار:

- ‌السيوطي وعلم أصول النحو

- ‌مذهبه النحوي

- ‌خاتمة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

- ‌أولا: أسماء مؤلفات السيوطي

- ‌ثانيا: المصادر العربية والمترجمة (لغير السيوطي)

- ‌ثالثا: المصادر الأجنبية

الفصل: ‌ ‌الألفاظ تناول السيوطي اللغة من حيث ألفاظها في ثلاثة عشر قسما

‌الألفاظ

تناول السيوطي اللغة من حيث ألفاظها في ثلاثة عشر قسما أولها عن الفصيح وقد تناول الفصيح في قسمين أولهما باعتبار الألفاظ والثاني باعتبار المتكلم. وأهم ما يستلفت النظر في بحث الفصيح هو الآراء الصوتية القيمة التي عرفها اللغويون القدماء وتناولوا بها لغتهم، فقد حدّ البلاغيون الفصاحة في اللفظ بأنها «خلوصة من تنافر الحروف ومن الغرابة ومن مخالفة القياس اللغوي» «1» ، ويبدو في عرض السيوطي لهذا المبحث أنه يميل إلى اختيار هذا الحد للفصاحة الذي ينظر إلى اللغة باعتبار صوتيتها، ولذلك نقل معنى التنافر وبينه كما نقل أن من شروط الفصاحة خلوص اللفظ من الكراهة في السمع «فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس بسماعه، ومنها ما تكره سماعه» «2» .

وهناك بالاضافة إلى ذلك شروط أخرى للفصاحة، وقد حاولت نقول السيوطي استيفاء هذا المبحث فعرض للضرائر وصلتها بالفصاحة، وللابتذال والغرابة، بيد أنه اعتنى بالآراء الصوتية عناية توضح ما سبق ذكره عن مفهومه للجانب الصوتي من اللغة، فهو ينقل عن ابن دريد آراء في ثقل الحروف وخفتها وصلة ذلك بمخارجها «3» ، فالحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت، وفي هذه النقول ما يمكن اعتباره قوانين صوتية في العربية فمنها أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، وأن أصعب ذلك حروف الحلق، ولا يمكن ائتلاف العين والحاء

إلى آخره، ويبدو أن السيوطي قد أحس بأنه يريد الاستدراك على ما سبق في

(1) المزهر ج 1 ص 185.

(2)

المصدر السابق ج 1 ص 187.

(3)

نفس المصدر ج 1 ص 191.

ص: 270

التآلف والتنافر فنقل عن صاحب عروس الأفراح أن التنافر إما أن يكون لتباعد الحروف جدا أو لتقاربها، وقد بنى قائل ذلك على الملاحظة الوصفية للغة حيث إن هناك ألفاظا حروفها متقاربة ولا تنافر فيها كلفظ الشجر والجيش والفم، وقد يوجد البعد ولا تنافر كلفظ العلم والبعد.

ثم ينقل عن ابن جني تقسيمه لتآلف الحروف ودرجات التآلف، وهو تقسيم دقيق إلى حد كبير، ثم ينقل عن ابن الأنباري ما يتصل بتآلف الحروف حسب مخارجها والمفاضلة بين الألفاظ في ذلك، ثم يتناول الحروف ويذكر أن أكثرها استعمالا الواو والياء والهمزة ثم يبين أن أخف الحروف ما استعملته العرب في أصول أبنيتهم من الزوائد لاختلاف المعنى، ثم ينقل السيوطي نقلا مستفيضا عن صاحب عروس الأفراح يبين فيه رتب فصاحة اللفظ باعتبار صوتي يتمثل في تآلف حروفه، فإن الكلمة تخف وتثقل بحسب الانتقال من حرف إلى حرف، ثم يعدد اثني عشر قسما للكلمة الثلاثية أولها الانحدار من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو «ع د ب» ، ويعدد بقية أنواع التآلف ثم يصل من ذلك إلى ما يشبه القوانين الصوتية فيذكر أن أحسن التراكيب وأكثرها استعمالا ما انحدر فيه من الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى، ثم ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى ثم من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط، ثم يبين صلة بعض هذه التآليف بكثرة الاستعمال وقلته «1» .

وهناك غير ما قدمنا من النقول التي استطلنا أن نتناولها بالعرض والدراسة، فما أقصد إليه هو بيان أن العرب قد فهموا اللغة كما قدمنا على أساس أنها أصوات تعبر عن المعاني وأن النظام الصوتي للغة له أحكام وقوانين تنتظمه، وأن لكل لغة خصائص صوتية مميزة، وعرض السيوطي لهذا البحث يدل على عنايته الكبيرة بالناحية الصوتية في دراسة الألفاظ، ويؤيد ما ذكرنا عن مفهومه الصوتي للغة.

ويتضح الاهتمام بالناحية الصوتية في الحديث عن فصاحة الناطقين باللغة،

(1) المزهر ج 1 ص 197 - 198.

ص: 271

فقد فضلت قريش على غيرها من القبائل بخلو لغتها مما اعتبره اللغويون عيوبا صوتية فليس في كلامهم «عنعنة تميم ولا عجرفية قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة ولا كسر أسد وقيس» «1» .

وإذا كانت هناك درجات للفصاحة في الألفاظ فلا بد أن يكون من الألفاظ ما لم يبلغ درجة الفصاحة، وقد تناول السيوطي هذه الألفاظ في المبحث التالي تحت اسم «الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات» ، فالضعيف ما انحط عن درجة الفصيح، والمنكر أضعف منه وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة، ولم يعرفه والمتروك ما كان قديما من اللغات ثم ترك واستعمل غيره» «2» .

وقد أورد لكل منها أمثلة عديدة، ويعنينا هذا المبحث في تأكيد ما سبق أن قلناه عن النقد الداخلي للنصوص وهو النظر في المنقول نفسه وقبوله أو رده أو تضعيفه حسب بعض الاعتبارات اللغوية، وتناول المتروك يدل على فهم اللغة على أنها كائن حي متطور تتعرض ألفاظها لعوامل الحياة والفناء التي تعتري الكائن الحي. وقد نبه في آخر الفصل على الفرق بين الضعيف من حيث اللفظ وبين الضعيف من حيث الاسناد وهو الذي تناوله من قبل بما يدل على تمييزه بين نقد السند وبين نقد المتن واحتفاله أيضا بنقد المتن حيث يقول:«الفرق بين هذا النوع وبين النوع الثاني أن ذاك فيما هو ضعيف من جهة النقل وعدم الثبوت، وهذا فيما هو ضعيف من جهة عدم الفصاحة مع ثبوته في النقل، فذاك راجع إلى الاسناد وهذا راجع إلى اللفظ» «3» .

ثم يظهر الاعتبار الصوتي مرة أخرى حين يتحدث عن الرديء المذموم من اللغات، فالعيوب الصوتية التي تظهر لدى بعض القبائل العربية في الأداء اللغوي والتي خلت منها لغة قريش جعلت اللغويين يستكرهون ما يظهر منها في الأداء ويعدونه مذموما، وقد عقد ابن فارس من قبل فصلا عن اللغات المذمومة «4» ، قاصدا بها العيوب الصوتية التي تظهر في الأداء كالعنعنة عند تميم

(1) المزهر ج 1 ص 210.

(3)

نفس المصدر ج 1 ص 220.

(2)

المصدر السابق ج 1 ص 214.

(4)

الصاحبي في فقه اللغة ص 24.

ص: 272

وهي قلب الهمزة عينا، والكشكشة عند أسد وهي إبدال الكاف شينا كإنشادهم:

فعيناش عيناها وجيدش جيدها

ولونش إلا أنها غير عاطل

وغير ذلك من العيوب الصوتية المعروفة التي نبه عليها ابن فارس ودرج اللغويون منذ وقت مبكر على التنبيه عليها.

عد السيوطي ما يظهر من هذه العيوب في الأداء من اللغات الرديئة وقد أورد حديثا مفصلا عن هذه العيوب عن اللغويين السابقين يتضمن أمثلة توضح هذه العيوب، وقد تضمن الفصل الذي عقده إشارة إلى حديث ابن فارس الذي بيناه.

بيد أن جانبا آخر من الرديء يقوم اعتباره وضعه في هذا القسم على ما سبق أن أشرنا إليه صدد النقد الداخلي للنصوص أو للألفاظ، فيوصف اللفظ بأنه رديء إذا كان في لغة قليلة وقد شاع لفظ من قبيله ونطق به عدد كبير من المتكلمين، وقد ذكر السيوطي عددا كبيرا من الأمثلة لهذا القسم جمعها من شتى مصنفات اللغة السابقة فمنها يقال: هو أخير منه في لغة رديئة، والشائع هو خير منه بلا همز، وقال الخليل: أغلطني لغة تميمية قبيحة في أفلتني، وتقول رابني الرجل، وأما أرابني فإنها لغة رديئة «1» .

وعلى ذلك وضع السيوطي رتبا للألفاظ وتناولها تحتها وهي بالتدريج الأفصح فالفصيح ثم الضعيف فالمنكر ثم الرديء، وهذا التصنيف يقوم على اعتبارات تتصل بالأصوات أو بالنقد الداخلي للألفاظ، ويأتي في رتبة الضعيف ما تناوله السيوطي في قسم آخر تحت عنوان «الحوشي والغرائب والشواذ والنوادر» «2» ، فقد ذكر أن «هذه الألفاظ متقاربة وكلها خلاف الفصيح» «2» ، والواقع أن اللفظ يمكن أن يوصف بأكثر من واحد من هذه الأوصاف فيمكن أن يوصف الحوشي بأنه غريب وبأنه نادر أيضا، فهذه الأقسام متداخلة والتفرقة بينها لا تكاد تتميز، وقد

(1) المزهر ج 1 ص 224.

(2)

المزهر: النوع الثالث عشر ج 1 ص 233.

ص: 273

مثل السيوطي لكل من هذه الأقسام بعدد من الأمثلة ويبدو أن محاولته محاكاة أهل الحديث في مصطلحاتهم هي التي دفعته إلى التمييز بين هذه الأقسام على نحو ما يفعل المحدثون، على حين أن اللغويين في تعبيراتهم لم يراعوا على ما يظهر الفرق بين بعضها وبين بعض، ونلاحظ خلطهم بين هذه الأوصاف أو المصطلحات إلى حد كبير، فمنهم من يسمى الشاذ نادرا ومنهم من يسميه قليلا ومنهم من يسميه منكرا والحوشي والغريب بمعنى واحد كما نص على ذلك السيوطي وقد بين أن الحوشي هو ما نفر

عن السمع فحده يرجع إلى اعتبارات صوتية، والشوارد بنفس المعنى.

ويبدو الاعتبار الصوتي واضحا في دراسة «المستعمل والمهمل» «1» ، فقد نقل السيوطي في أوائل كتابه عن ابن دريد والخليل والزبيدي عدة أبنية الكلام التي أحصاها اللغويون بطريقة رياضية في تآلف الحروف ثم أحصوا بعد ذلك المستعمل منها والمهمل «2» ، وقد أشار في حديثه عن المستعمل والمهمل إلى ما أورده من قبل، ثم أخذ يورد النقول التي تدرس الاستعمال والإهمال فنقل عن ابن فارس وابن جني ما يعلل الاهمال في جملته بالاستثقال، وقد تناولت نقوله بعض الظواهر الصوتية التي تسود العربية فهناك حروف لا يجوز ائتلافها كالجيم مع الكاف، والعين مع الغين والحاء مع هاء أو غين .. إلى غير ذلك من التفصيلات التي أوردوها وعللوا بها ما أهمل من الألفاظ والأبنية.

وقد تناول السيوطي «المعرب» «3» وهو الألفاظ الأعجمية التي استعملها العرب الفصحاء في لغتهم في مبحث مستفيض نقل فيه خلاصة أقوال السابقين من اللغويين التي تتحدث عن وقوع المعرب في القرآن الكريم، ثم تناول الألفاظ المعربة بالتقسيم فمنها ما غيرته العرب وألحقته بكلامها كدرهم، ومنها ما غيرته ولم تلحقه مثل آجر وسفسير، وهناك ملاحظات يمكن بها الحكم على اللفظ بأنه غير عربي تتصل بتآلف الحروف، أي أنها من الخصائص الصوتية التي تنفرد بها

(1) المزهر ج 1 ص 240 النوع الرابع عشر.

(2)

المزهر ج 1 ص 71 - 76.

(3)

المزهر ج 1 ص 268 - 294، النوع التاسع عشر.

ص: 274

العربية وتميزها عن غيرها من اللغات، فاجتماع الجيم والقاف في لفظ يفيد أنه غير عربي كالمنجنيق، وخلو الخماسي والرباعي من أحرف الذلاقة وهي الباء والراء والفاء واللام والميم والنون يفيد أنه غير عربي، وأمثال هذه الملاحظات، ثم تناول طريقة العرب في تعريبها وكيفية نقلها للأعلام الأعجمية والألفاظ إلى لغتها، والحروف التي يطرد إبدالها والتي لا يطرد ابدالها، ثم مثل بعديد من الأمثلة للمعرب الذي ليس في لغة العرب ألفاظ مماثلة له، ثم للمعرب الذي له اسم في لغة العرب، ثم للألفاظ التي شك في أنها معربة أو عربية الأصل كما نقل أن المعرب غير مشتق، بينما يصح الاشتقاق منه كما وقع في كلمة «لجام» واشتقاقاتها العديدة، هذا في غير الأعلام، أما الأعلام فلها أحكام تختص بها في الجمع والتصغير.

وقد حاول المجمعيون أن يفيدوا من مسلك القدماء في التعريب فيما يبغونه من التوسع اللغوي ونقل بعض الألفاظ الأعجمية التي نستعملها إلى العربية بعد تغييرها على طريقة التعريب عند القدماء، وانتهوا من ذلك إلى قرار باجازة استعمال «بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم» «1» .

ولاتصال هذا الموضوع بحياة اللغة وزيادة ثروتها، ونظرا للحاجة الماسة إليه فيما يتصل بالمصطلحات العلمية، فقد دارت في الحديث حوله بحوث عديدة ومن أهم ما وضع فيه كتاب المصطلحات العلمية، فقد دارت في الحديث حوله بحوث عديدة ومن أهم ما وضع فيه كتاب المصطلحات العلمية لمصطفى الشهابي، وقد قدم له بمقدمة ذكر فيها طريقة القدماء في تعريب المصطلحات ودعا إلى اتباعها في وضعه المصطلحات الحديثة «2» .

وإذا كانت الألفاظ الدخيلة التي حظيت باستعمال العرب الفصحاء في لغتهم قد عرفت بالألفاظ المعربة فإن جانبا من هذا الدخيل قد استحدث بعد عصر

(1) مجلة مجمع اللغة العربية ج 1 ص 33، انظر الاحتجاج للقرار للأستاذ الاسكندري ص 200.

(2)

مصطفى الشهابي: المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث.

ص: 275

الاحتجاج على ألسنة المولدين فنعته اللغويون باسم «المولد» تمييزا له عن النوع السابق الذي لم يدفعوا صحة استعمال ما ورد منه في اللغة، وهذه التفرقة تبين لنا أن جمهور اللغويين يذهبون إلى أن المعرب سماعي، أي يصح استعمال ما استعمله منه الفصحاء، ولا يجوز القياس عليه وقد تبين أن هذا الموقف المتشدد قد خرج عليه كثير من الكتاب والمترجمين في العصر العباسي، وأجاز المجمع أخيرا القياس فيه على طريقة العرب في التعريب.

وقد تناول السيوطي «المولد» في مبحث مستفيض وحده بأنه «ما أحدثه المولدون الذين لا يحتج بألفاظهم» «1» ، وعلى ذلك فهو يعم الألفاظ الدخيلة ويعم غيرها مما استحدث على ألسنة المولدين ولم تستعمله العرب، أي ما أصابه تحريف صوتي أو دلالي، كما يدخل فيه ما نقله المولدون بطريق التجوز أو الاشتقاق عن معناه الوضعي اللغوي الذي عرف به عند العرب الخلص إلى معنى آخر تعورف عليه إما بين عامة الناس وإما بين خاصة منهم كطوائف أرباب العلوم وغيرهم.

وبحث الألفاظ المولدة من أهم البحوث التي شغلت اللغويين العرب على مر العصور ذلك أن اللغة بطبيعتها كائن حي متطور، وهذا التطور يحدث في الألفاظ من ناحيتي الصوت والدلالة، وقد حاول اللغويون العرب أن يقفوا في وجه هذا التطور الذي كان يحدث آثاره في لغة الأمصار الاسلامية بعد اختلاط العرب بالأعاجم، حيث أخذت الألفاظ المحرفة عن الفصحى في الظهور، وبدا أثر التطور الدلالي في جانب آخر من الألفاظ، حتى غدت الأمصار الاسلامية في منتصف القرن الثاني تنطق بلغة بعيدة ومتميزة عن لغة أهل البادية، وعن اللغة التي نطق بها العرب الأولون.

حاول اللغويون جاهدين أن يقفوا في وجه هذا التطور حفاظا على لغتهم التي نزل بها القرآن الكريم فكان التحديد المكاني والزماني للاحتجاج الذي كان مبعثه الأول تطرق الخلل إلى التصرف الاعرابي المتكامل الذي احتفظت به

(1) المزهر ج 1 ص 304.

ص: 276

العربية، ثم كان تطرق الخلل إلى الألفاظ والأساليب عاملا آخر، ويكفي أن نحيل هنا إلى دراسة فكرة تنقية اللغة العربية لدى اللغويين التي بسطها يوهان فك، وعرض فيها لتطور هذه الفكرة مبينا مواقف اللغويين من هذه الألفاظ التي أخذت في الظهور «1» .

ونعود إلى السيوطي فنراه قد نقل عديدا من الأمثلة عن كتب اللغة تشمل أنواع الألفاظ المولدة فمنها ألفاظ أعجمية، ومنها ألفاظ عربية محرفة في أدائها الصوتي أي في ألفاظها ومنها ألفاظ عربية محرفة في معناها، ومنها بعض اشتقاقات وتصرفات في ألفاظ لم يسمع من العرب نطقهم بها، ويبدو من هذا أن السيوطي يتوسع في إطلاق صفة «المولد» على كثير من الألفاظ، وقد دلل على رأيه بما نقله عن ثعلب في أماليه من أن التغيير هو كل شيء مولد، وعلى ذلك فقد استنتج ضابطا هاما هو أن «كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه أو تسكين أو تحريك أو نحو ذلك مولد» «1» ، ثم قال:«وهذا يجتمع منه شيء كثير» «3» .

وعلى هذا فقد ألحق بالمولد ما يهمز من الأفعال والعامة تدع همزه نحو:

طأطأت رأسي وأبطأت .. إلى آخره، وما يهمز والعامة تبدل الهمز فيه أو تسقطه نحو آكلت فلانا ولا يقال واكلته، وما لا يهمز والعامة تهمزه نحو رجل عزب، وخير وشر، وما يشدد والعامة تخففه مثل الأترجّ والإجّاص، وما يخفف والعامة تشدده كالرباعية للسن والكراهية، وما ورد ساكنا والعامة تخففه، أو ما يبدلون فيه حرفا بحرف إلى غير ذلك من الأمثلة التي نقلها عن السابقين.

ويتضح مما تقدم أن الأخطاء الشائعة في الألفاظ سواء في دوائر المثقفين أم غيرهم مما يدخل في هذا المبحث، ونظرا لأهميته في اللغة وصلته بتطورها وحياتها فقد تناوله المجمعيون بالبحث وانتهوا فيه إلى أنه قسمان: قسم جرى فيه

(1) يوهان فك: العربية: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.

(3)

المزهر ج 1 ص 311.

ص: 277

المولدون على أقيسة كلام العرب من مجاز أو اشتقاق أو نحوهما كاصطلاحات العلوم والصناعات وغير ذلك، وحكمه أنه عربي سائغ، وقسم خرجوا فيه عن أقيسة كلام العرب إما باستعمال لفظ أعجمي لم تعربه العرب،- وقد صدر عن المجمع في شأن هذا القسم قرار خاص-، وإما بتحريف في اللفظ أو في الدلالة لا يمكن معه التخريج على وجهه صحيح، وإما بوضع اللفظ ارتجالا، والمجمع لا يجيز النوعين الأخيرين في فصيح الكلام «1» .

ومما يدخل في مباحث التطور الدلالي ما تناوله السيوطي في اللغة من حيث ألفاظها وهو الألفاظ الاسلامية «2» ، ذلك أن الاسلام قد شاع فيه استعمال بعض الألفاظ في معان خاصة تتعلق بالعبادة أو المعاملات أو غير ذلك من شئون الدين كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والمؤمن والكافر والمنافق والفاسق، والركوع والسجود وأمثالها من الألفاظ التي كانت تحمل دلالات عامة ثم خصص الاسلام دلالاتها. فالصلاة في الأصل الدعاء، ثم شاع استعمالها في الاسلام للعبادة المعروفة لاشتمالها على الدعاء حتى أصبح اللفظ عند إطلاقه لا يدل على غير هذا المعنى الخاص والحج معناه القصد ثم خصص بقصد البيت الحرام لتأدية الفريضة المعروفة في الاسلام.

وقد قدر اللغويون منذ القدم هذا النوع من أنواع التطور الدلالي الذي يخصص مدلولات الألفاظ، فتحدث عنه ابن فارس حين تناول الأسماء الاسلامية، ومثل للألفاظ التي خصصت مدلولاتها، وذكر أن هذه الألفاظ مثلها مثل مصطلحات المعلوم كالنحو والعروض والشعر، وقد نقل السيوطي عن ابن فارس ما يتصل بهذا الموضوع كما نقل عنه حديثه عن الألفاظ التي هجر استعمالها بمجيء الاسلام، ذلك أن الاسلام قد أبطل كثيرا من نظم الجاهلية وأفكارها وتقاليدها فأمات بذلك كثيرا من الألفاظ التي كانت مستعملة في الدلالة عليها، كما كره استعمال ألفاظ أخرى أو حرم استعمالها لتنافيها مع روح الاسلام ومبادئه وقد قدر اللغويون القدماء ذلك وهو من قبيل ما يتناوله

(1) مجلة مجمع اللغة العربية ج 1 ص 33، 34.

(2)

المزهر ج 1 ص 294.

ص: 278

المحدثون حين يدرسون التغييرات الدلالية التي تصاحب الثورات «1» ، وبالرغم من صلة البحث هنا بالمعنى أكثر من اللفظ فقد وضعه السيوطي في قسم الألفاظ ونظرته إلى هذه الألفاظ وهي نتاج التغيير الدلالي بعوامله المعروفة نظرة تكتفي بجانب واحد دون البحث فيما يتصل به من جوانب أخرى.

وقد نقل ما يتصل ببحث هذه الألفاظ عن الأصوليين، ثم اجتهد في نقل أمثلة كثيرة لها مخصصا جانبا من هذه النقول للألفاظ التي استحدثها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم بها أحد من قبله كقوله:«مات حتف أنفه» و «لا ينتطح فيها عنزان» و «حمى الوطيس» وأمثال هذه العبارات التي لم تسمع من أحد قبله، كما نقل بعض العبارات التي سمعت عن بعض الصحابة أو التابعين ولم تسمع قبل ذلك، وهذا يدل على ما قلناه من تقديرهم للتطور اللغوي.

وقد تناول السيوطي في مبحثين منفصلين ما يتصل باللهجات العربية، فضلا عما يتصل ببحثها من نقول متناثرة في غيرهما، وأولهما عن مختلف اللغة حيث عرض أنواع

الائتلاف بين اللهجات التي سبق لابن فارس أن حصرها في سبعة عشر وجها «2» ، وقد نقلها عنه السيوطي «3» ، ثم نقل ما يتصل بحجية اللهجات في الاحتجاج اللغوي عن ابن جني وابن فارس وغيرهما، ثم ما يتصل بمن تنتقل لغته حيث يكون الاحتجاج بعد النظر فيما انتقل إليه لسانه من اللغة، فإن كان فصيحا مثل لغته أخذ بها وإن كان فاسدا لم يؤخذ وأخذ بالأولى.

كما نقل عن ابن فارس ما يتصل بالصور التي يمكن أن ترد بها الألفاظ تبعا لاختلاف اللهجات، فمن الألفاظ ما فيه لغتان كالحصاد والحصاد بالكسر والفتح في الحرف الأول، وفيها ما فيه ثلاث كالزجاج بالفتح والضم والكسر في الحرف الأول، ومنها ما فيه أربع كالصّداق بكسر الصاد وفتحها والصّدقة بفتح الأول والثاني في لغة وضمهما في أخرى، ومنها ما فيه خمس أو ست نحو

(1) د. محمود السعران: اللغة والمجتمع ص 47.

(2)

الصاحبي في فقه اللغة ص 19 - 23.

(3)

المزهر ج 1 ص 255.

ص: 279

قسطاس، ولا تكون الزيادة عن ست لغات في اللفظ الواحد، ثم نقل السيوطي عن ابن فارس تقسيمه للألفاظ بحسب ما ورد فيها من اختلاف أو عدمه إلى أقسام أربعة: أولها المجمع عليه الذي لم يرد فيه اختلاف كالحمد والشكر وهو الأكثر، والثاني ما فيه لغتان وأكثر إلا أن إحدى اللغات أفصح، والثالث ما فيه لغتان أو ثلاث أو أكثر وهي متساوية، والرابع ما فيه لغة واحدة إلا أن المولدين غيروه وشاع فيه استعمال المحرف.

والمبحث الآخر تناول فيه تداخل اللغات «1» وهو يبحث ما يرد على ألسنة من يحتج بهم من اختلاف في اللفظ الواحد، ومرد ذلك إلى التوسع في القول أحيانا، والغالب أن يرجع إلى اختلاف لهجات العرب التي اعتبر اللغويون أن جميعها حجة في الأخذ عنها، والتي ذكروا أن الناطقين قد تعاوروها بعد انتشارها، وهذا المبحث هام في تفسير ما يرد على غير القياس في بعض التصريفات والاشتقاقات التي يستعملها الناطقون، ومرجع ذلك إلى تداخل اللغات فنحو قلى يقلى بفتح اللام في الماضي والمضارع ماضيه من لغة ومضارعه من لغة أخرى تخالف الأولى في النطق بالماضي فمن يقول قلي بالكسر في الماضي يقول يقلي بالكسر في المضارع والذي يقول يقلى بفتح اللام يقول قلى في الماضي، وكذلك الأمر في سلا فحدث تداخل بين اللغات نشأ عنه لغة ثالثة «2» .

وقد اعتمد السيوطي على ابن جني في عرض الفكرة السابقة ثم أورد أمثلة للتداخل في اللغة الناتج عن اختلاف اللهجات نقلا عن بعض كتب اللغة الأخرى.

(1) المزهر ج 1 ص 262.

(2)

المزهر ج 1 ص 263، وقد نقل عن الخصائص انظر ج 1 ص 370 - 374.

ص: 280