الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التقليد في التأليف صور عديدة فقد نرى التقليد في تسمية الكتاب، أو في أسلوب التأليف، وقد يبدو التقليد واضحا حين يكون في الموضوع باعتماد المؤلف على كتاب أو عدد قليل من الكتب السابقة اعتمادا ظاهرا في مؤلفه الجديد دون إشارة إليها أو بإشارات قليلة بحيث يدرك الباحث مدى اعتماد المؤلف اللاحق على السابق.
3 - ظاهرة المتون والشروح:
كانت هذه الظاهرة نتيجة للحركة التثقيفية النشطة بالبلاد، فقد اتجه الشيوخ تيسيرا على طلابهم إلى وضع المتون التي تجمع مسائل الموضوعات في قليل من اللفظ حتى يتسنى لطالب العلم أن يستوعبها بأيسر طريق وفي زمن قليل، وقد غلا بعضهم في الايجاز وفي ضغط العبارة في هذه المتون حتى بلغت حد الرموز فاستغلق بذلك فهمها على الطلاب واحتاجت إلى شروح، فوضعت لها كتب شارحة ثم وضعت كتب أخرى أكثر تفصيلا تشرح الكتب الشارحة، ومن ثم تعددت الشروح التي تتناول المتن الواحد ما بين شرح مطول وآخر يميل إلى الايجاز كما نظمت كثير من العلوم في منظومات تعليمية احتاجت أيضا إلى وضع الشروح لها.
وقد استفرغت المتون والشروح والمنظومات التعليمية جلّ مجهود قرائح العلماء في ذلك العصر، بل أصبح وضع هذه الأنواع يبدو في كثير من الأحيان تمرينات عقلية يريد بها الشيوخ إثبات مقدرتهم على التأليف ولكي يزداد عدد ما أنتجوا من كتب.
وهكذا فقد امتلأ العصر بالمتون والشروح نثرا ونظما، فللمؤلف الواحد متن وشرح وهو بدوره يتناول متون السابقين ومنظوماتهم بالشرح والبيان، ولعل أشهر المنظومات التي لقيت عناية الشارحين في ذلك العصر هي ألفية ابن مالك في النحو.
ثم نرى إلى جانب ذلك الحواشي والتعليقات التي يتكفل بها كثير من العلماء على الشروح السابقة أو يضعها واضعوها الأصليون، وسنرى جميع هذه الصور
من المؤلفات في إنتاج السيوطي، على أن الاتجاه إلى الإكثار من الحواشي والتعليقات والتقريرات قد ازداد بعد ذلك العصر وكان الاتجاه السائد في مؤلفات العصر العثماني بمصر.
وقد كان هذا الأسلوب الذي بيناه في مؤلفات عصر السيوطي يمثل ظاهرة واضحة وعرفا متبعا في التأليف لا يحيد عنه المؤلفون، وربما دفعهم التمسك بالشكل المنهجي إلى وضع المتون والشروح والمنظومات فيما لا تدفع إليه حاجة عملية، ولكن هكذا درجوا وعلى هذا المنهج ساروا كما هو عرف التأليف في عصرهم.
وقد كان لهذا المنهج في التأليف أثره الخطير في الإنتاج العلمي لهذا العصر، فقد ضاع جهد المؤلفين واستفرغت ثمار أذهانهم في نظم المنظومات التعليمية التي احتذوا فيها حذو سابقيهم، وربما زادوا عليهم ما لم يذكروه، وربما لم يزيدوا شيئا له قيمته العلمية، كما تبددت جهودهم في الاختصار والتطويل والجمع والتنظيم والتبويب والتقسيم.
ولعل طابع الزخرفة والتنسيق الذي ظهر في فنون العصر وأثر في الشعر والنثر وطبع الأدب بصنعة متكلفة ثقيلة، هذا الطابع ظهر أثره في المؤلفات العلمية وفي طريقة وضعها وتصنيفها بحيث نجد الاهتمام الأول لدى المؤلف ينصب على التنظيم والتبويب في مؤلفه، وقد يبتكر تنظيما لم يسبق إليه في علم من العلوم.
على أن هذا الاهتمام بالناحية الشكلية في المؤلفات لم يقض قضاء تاما على الاهتمام بالقيمة العلمية في المؤلفات، ولم يصرف المؤلفين في بعض الأحيان عن التجديد والابتكار. والحقيقة أنه من العسير أن نجزم بطرافة بعض الأفكار وأوليتها لدى مؤلف من مؤلفي ذلك العصر، أو أن نجزم بأن صاحب المؤلّف هو أول من طرق فكرة ما أو نبه إلى حقيقة من الحقائق العلمية وسط هذا الركام الضخم من الكتب التي وجدت آنذاك، والتي وصل إلينا بعضها وكثير منها لم تنله أيدينا. غير أنه في إمكاننا أن نقرر أن عالما ما هو الذي اتضحت لديه فكرة معينة لم تتضح لدى سابقيه أو أنه هو الذي طرق بابا من الأبواب يظن أن غيره لم يعمد إلى طرقه.
ولكن هناك أمرا لا ينبغي أن نغفله وهو التجديد في التصنيف والتبويب في العلوم، فليس هذا عملا شكليا بحتا كما قد يتوهم لأول وهلة، بل إنه عمل تمليه عقلية علمية لها صفات تميزها عن غيرها، وتتجه بها وجهة فريدة في نوعها، بالاضافة إلى ما نجده لأصحاب هذه الكتب من الأفكار المبتكرة بين حين وآخر، وسنشير إلى ذلك في حديثنا عن مؤلفات السيوطي، ومهما يكن من شيء فإن هذه المؤلفات بطريقة وضعها تدل على مقدرة علمية كبيرة، وقدرة على الفهم والتحصيل عميقة، كما تدل في أحيان كثيرة على المقدرة الفائقة على تمثل أفكار السابقين واستيعابها وإخراجها في صورة جديدة. وليس من الانصاف أن نصف هذه الكتب بالتقليد والجمع دون تمحيص ونرمي أصحابها بأنهم محتطبون جماعون ليس لهم من الجهد العقلي شيء إذ تبدو كتبهم خالية من الابتكار، ذلك أن وضع هذه الكتب على محك النقد الصحيح الذي يضع في اعتباره الحقائق العلمية في المرتبة الأولى، ثم حالة العصر العقلية ومنهجه في التأليف في المرتبة الثانية، يجعلنا نعيد النظر فيما يلصق بهذه المؤلفات وأصحابها من اتهامات. لقد كان تأثر التأليف بروح الحفظ التي شاعت في العصر والتي تأثرت بحفظ الحديث، ثم تأثر المؤلفون بمنهج المحدّثين في النقل ذا أثر كبير في أن تعج المؤلفات بروايات عديدة وأسانيد تملأ أرجاءها بحيث يبدو كثير من المؤلفات مجموعات من النقول حشد كل منها إلى جوار الآخر.
ولقد كان من الميسور على كثير من المؤلفين أو على بعضهم- إذا لم يقدروا الأمانة العلمية ويتبعوا المنهج العلمي الصحيح- أن يرسلوا القول فيما يؤلفون دون إشارة إلى من ينقلون عنه مع تغيير في العبارة حتى يتوهم القارئ أن هذه الأفكار لمن يقرأ لهم لا لمن ينقلون عنه ولن يتنبه لحقيقة الأمر إلا قلة من الممحصين، فلا ينبغي أن يكون الحرص على الأمانة في النقل دافعا لأن نصف هذه الكتب من قبلنا بخلوها من الابتكار، وبانصرافها إلى الجمع والترتيب دون تمحيص لما ينقلون، وإنما المنصف من القول أن نذكر ما عليه أصحابها من مقدرة علمية كبيرة على التمثل والتحصيل والتنسيق في العلوم، ثم ما لهم من فضل في حفظ كثير من الأفكار والنقول منسوبة إلى أصحابها الأوائل، ثم نتتبع بعد ذلك ما ذكروه من حقائق علمية نقلوها عن غيرهم، فما أقروهم عليه منه