الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جامع ابن طولون
«1» :
بناه أحمد بن طولون بالقطائع عام 263 هـ، وفرغ من بنائه في عام 266 هـ، وقد لبث هذا المسجد منارة تشع نور المعرفة والعلم في مصر زمنا طويلا، وقد اتخذ المسجد طابعه العلمي منذ أول يوم أنشئ فيه إذ خطب فيه أبو يعقوب البلخي وأملى به الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وقد قرر به ابن طولون جماعة من العلماء والفقهاء وأجرى عليهم الرواتب والصدقات وقد بلغ ما ينفق من الرواتب والصدقات في اليوم الواحد ألفا ومائتا دينار وكان هناك «مارستان» ملحق بالمسجد لايواء المرضى والضعفاء «2» .
وقد لقي المسجد عناية السلطان لاجين الذي تولى عام 696 هـ بعد أن ناله غبار الاهمال فوقف عليه السلطان أوقافا ثمينة ورتب فيه دروسا عديدة للحديث والتفسير والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب والميقات.
وقد عدد السيوطي أسماء الذين تولوا نظر المسجد منذ اعتنى به السلطان لاجين فكان بعض نظاره من أمراء المماليك وبعضهم من القضاة، واستقر الأمر بأن يلي القضاة نظره وهو ما كان في عهد السيوطي إذ يذكر أن نظره عاد «إلى القضاة بعد الصفوي وهو بأيديهم إلى اليوم» «3» ، وقد سبقت الاشارة إلى أن السيوطي كان يختلف إلى هذا الجامع يملي به الحديث.
الجامع الأزهر:
أنشأه بالقاهرة القائد جوهر الصقلي مولى المعز لدين الله الفاطمي وقد تم بناؤه في رمضان عام 361 هـ، ثم جدده الحاكم بأمر الله ووقف عليه أوقافا.
وكانت الحكمة واضحة في إنشاء هذا المسجد لأن الدولة الفاطمية دولة الشيعة الامامية وقد عملت على نشر مذهبها فأقامت هذا المسجد، وقد مكث يتمتع برعاية الدولة الفاطمية طيلة عصرها مسجدا لإقامة الشعائر ومعهدا
(1) حسن المحاضرة ج 2 ص 180 - 183.
(2)
ابن إياس: بدائع الزهور ج 1 ص 38.
(3)
السيوطي: حسن المحاضرة ج 2 ص 183.
تدرس فيه العلوم المختلفة. ولما تولى صلاح الدين أبطل الجمعة بالجامع الأزهر وأقرها بالجامع الحاكمي غير أن صفة المسجد العلمية ظلت قائمة فكان مقصد كثير من العلماء المبرزين ومستقرهم زمن الأيوبيين وقد لبثت الجمعة مطلة بالمسجد حتى أيام الظاهر بيبرس «1» ، وقد كان للجامع أهمية كبيرة في عصر المماليك كما قام بدور كبير في الحياة الثقافية في تلك الأيام بالرغم من المنافسة القوية بين المدارس والجوامع المختلفة في اجتذاب العلماء والطلبة إليها.
وقد بلغ عدد الفقراء الذين أقاموا به أوائل القرن التاسع الهجري سبعمائة وخمسين رجلا من مختلف البلاد، وكان لكل طائفة رواق يعرف بهم ويشتغلون فيه بالعبادة والعلوم الدينية، كما قصده كثير من الناس بألوان البر إعانة لطلبته «2» ، وقد أبدى سلاطين المماليك عناية خاصة بالجامع الأزهر فكانت الأحباس والهبات الثابتة تتوالى على الجامع وطلبته، وكان أكثرهم تحمسا السلطان قايتباي معاصر السيوطي الذي قام بتجديد المسجد وإصلاحه وأنفق عليه الأموال، وأنفق على طلبته «3» .
وهكذا فلقد كان القرن التاسع الهجري عصر الأزهر الذهبي حيث شهد الجامع عددا كبيرا من العلماء في كل علم وفن، وإذا كان هذا القرن يمثل نهاية ازدهار العلوم وتنوعها واتساع آفاقها وكثرة العلماء المبرزين في كل علم فلقد كان بينهم كثيرون يترددون على الجامع الأزهر لالقاء الدروس أو الخطب ويكفي أن الحافظ ابن حجر في أوج مكانته العلمية قد تولى الخطابة بالأزهر مدة طويلة «4» .
والمتتبع لتراجم رجال هذا القرن التي كتبها معاصروهم يرى حرصهم على ذكر وظائف التدريس التي تولوها بالجوامع والمدارس والخوانق دون تفرقة، إذ كانت كلها من الوظائف الجليلة التي يخلع السلطان على صاحبها، كما يلاحظ
(1) المصدر السابق ج 2 ص 183، 184.
(2)
المقريزي: الخطط ج 4 ص 53، 54.
(3)
ابن إياس: بدائع الزهور ج 2 ص 169.
(4)
السخاوي: التبر المسبوك ص 231، عبد الوهاب حمودة: صفحات من تاريخ مصر ص 86.
كثرة هذه الدور التي كانت بمثابة معاهد علمية عالية الشأن، وثمة ملاحظة ثالثة يمكن إدراكها وهي أن شهرة العالم ومواهبه كانت تجعله أهلا لأن يجمع في يده أكثر من وظيفة واحدة فنراه يلي مشيخة مدرسة ما ويدرس إحدى مواد الدراسة بغيرها، ويختلف إلى أحد الجوامع لإلقاء بعض الدروس ونحو ذلك.
كما نرى منهم من ولى التدريس بالجامع الطولوني والجامع الحاكمي ومدرسة السلطان حسن والشيخونية والجمالية والمؤيدية والأشرفية وغيرها «1» ، ونرى عالما كبيرا طبقت شهرته الآفاق كابن حجر تسند إليه وظائف تدريس الحديث بالشيخونية وبجامع القلعة وبالجمالية والبيبرسية، ويسند إليه تدريس الفقه بالمؤيدية والشيخونية إلى غير ذلك من وظائف القضاء التي تولاها.
وفيما أوردنا دليل على كثرة معاهد الدرس وتنوعها والعناية العظيمة التي لقيتها في هذا العهد، كما كانت وظائف التدريس بمكانتها المرموقة في المجتمع حافزا للعلماء على الإجادة والاجتهاد في علومهم فضلا عن الحوافز الدينية المخلصة التي وجدت عند كثيرين منهم والتي دفعتهم إلى الانتاج في العلوم الدينية واللغوية حسبة لله ورغبة في ثوابه فلا عجب أن تقوى الحركة العلمية في ذلك العصر وأن تبلغ أوج ازدهارها في أواخره أي في الفترة التي عاش فيها الجلال السيوطي، حيث شهدت هذه الحقبة من الزمن عددا ضخما من العلماء في كل فن.
بالاضافة إلى ما سبق كانت هناك عوامل عديدة سبقت الاشارة إلى بعضها ضمنا وإلى بعضها تصريحا، ساعدت هذه العوامل على نشاط الحركة الثقافية وازدهارها أولها انتقال النشاط العلمي إلى القاهرة بعد سقوط بغداد، وقد بينا من قبل مكانة القاهرة في العالم الاسلامي بعد سقوط الخلافة في بغداد وانتقالها إلى القاهرة، وكان لما قام به التتر من تخريب بغداد وتبديد الكتب الاسلامية وإلقائها في دجلة وقتل كثير من العلماء أثره البالغ في نفوس علماء عصر المماليك بصفة عامة إذ شعر هؤلاء بأن عليهم تبعة كبيرة ورأوا أنفسهم مسئولين أمام الله
(1) السيوطي: نظم العقيان في أعيان الأعيان ترجمة عز الدين العسقلاني ص 31.
تعالى عن دينه وأمام التاريخ وأمام ضمائرهم عن إنهاض العلم وإقالة عثاره وجمع ما تفرق منه فدفعهم هذا الشعور إلى الجد في العمل والتحصيل، وكان لهذا الشعور نفسه أثر في ظاهرة شاعت في مؤلفات ذلك العصر وهي ظاهرة الموسوعات العلمية.
وقد اجتذبت البيئة المصرية وعاصمتها القاهرة بما لها من مكانة إسلامية وحضارة مزدهرة وما بها من تشجيع للعلم وأهله كثيرا من العلماء والطلاب الذين هوت أفئدتهم إليها من مختلف بلدان العالم الاسلامي، وقد ظل وفود هؤلاء العلماء إلى مصر مستمرا طيلة عصر المماليك، ومن هؤلاء ابن مالك الأندلسي وابن أبي حجلة المغربي، وابن خلدون وكثيرون غيرهم ممن وفدوا على البلاد وازدهرت بهم الحياة العلمية بها. وقد وصف ابن خلدون نشاط الحركة العلمية بالقاهرة وعلل هذه الظاهرة تعليلا دقيقا فقال: «ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر، وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعلم العلم، وأكد ذلك وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك
ونكباته، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم بنظر عليها، أو نصيب منها، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير، والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد وكثر طلب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم، وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها، والله يخلق ما يشاء» «1» .
ولئن كان هذا الوصف الدقيق صادقا على القرن الثامن الهجري الذي عاش
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 434، 435.
فيه ابن خلدون فلقد كان القرن التاسع الهجري الذي عاش فيه السيوطي وارثا لحضارة القرن السابق عليه مع ما فيه من زيادة عليه ما يعطي صورة للحركة الثقافية المزدهرة في تلك الأيام.
ولا ننسى ما كان لتشجيع السلطان والأمراء من أثر في ازدهار الحياة العلمية فقد حرص ولاة الأمر على إظهار غيرتهم على الاسلام والمسلمين في كثير من الأحيان، كما شجع كثير منهم العلماء وأغدق عليهم وأقام لهم المدارس والخوانق والمساجد، كما وجد العلماء- كما سبق أن أشرنا في الحديث عن طبقات المجتمع- كثيرا من مظاهر التكريم والحفاوة وكان لهم كلمة مسموعة بالبلاد، وقد تولوا كثيرا من المناصب الهامة بالدولة لا سيما مناصب القضاء ودواوين الانشاء والتدريس.
كما أن إنشاء دور الكتب الجديدة التي ألحقت بالمدارس والمساجد والخوانق كان له أثره في نشاط الحركة العلمية، فقلّ أن تجد دارا للعلم لا يلحق بها خزانة للكتب.
وقد عني السلاطين والأمراء ومنشئو المدارس باختيار مدرسيها من بين العلماء الأفذاذ المعروفين في عصرهم، ولذلك فقد كانت وظائف التدريس في المدارس المشهورة محتفظة- في الغالب- بمكانتها العالية في المجتمع.
وقد كان لتنافس العلماء في سبيل بلوغ المناصب الهامة المتاحة لهم أثره المباشر في نشاط الحركة العلمية، إذ كان على كل طامح إلى أحد المناصب أن يسعى إلى مطمحه من ناحية العلم أولا، فكان عليه أن يتتلمذ وينتقل من شيخ إلى شيخ وأن يدأب على الدرس والمطالعة والحفظ، وأن يلم بشتات من علوم عدة، ثم عليه أن يتصدى للتدريس والفتيا بعد ذلك وأن يتصدى للنفع العام بعلمه فإذا ذاع صيته وكثر ذكره دعي من قبل الملوك والأمراء إلى تولي المناصب الكبيرة، وإذا لم يدع فإن من اليسير عليه أن يسعى لديهم بواسطة أحد أولئك الأمراء أو الأعيان في سبيل بلوغ حاجته.
وهكذا نشطت الحركة العلمية في العصر الذي نتحدث عنه، وكان لنشاطها