الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
النحو
أريد بهذا الفصل أن يكون إكمالا لحديثنا السابق عن لغوية السيوطي، فالصلة بين اللغة والنحو جد وثيقة، وقد فهم النحاة العرب هذه الصلة التي يتضح منها أن النحوي يبدأ عمله من حيث ينتهى اللغوي، ولكنهما يلتقيان في مرحلة من المراحل، ويكاد يكون بحثهما واحدا، وقد حدد عبد اللطيف البغدادي الفرق بينهما بقوله:«اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدّث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته، ثم ان الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه، ويبسط فيه علله، ويقيس عليه الأمثال والأشباه» «1» .
وقد أغفل هذا التحديد جانبا هاما من عمل اللغوي، وهو وصف الظواهر اللغوية المتعلقة بالأصوات والدلالات والأبنية وغيرها مما سبق لنا بيانه والحديث عنه، كما أن مهمة النحوي تبدأ بالتثبت من صحة المنقول من اللغة، وكأنه بذلك يشارك اللغوي نفس مهمته، وقد عرف عن كثير من النحاة مشاركتهم في رواية اللغة وبصرهم بها فضلا عما قاموا به من جهود نحوية كبيرة.
وإذا كان ثمة تداخل بين ما يقوم به اللغوي وبين ما يقوم به النحوي، وإذا كان مفهوم الدراسة اللغوية في عصرنا قد أصبح أعم وأوسع من مفهوم هذه الدراسة عند القدماء، حيث أصبح اللغويون المحدثون يتناولون نحو معظم اللغات تحت موضوعين أساسيين هما المورفولوجيا Morphology والنظم، Syntax وهما فرعان أو مستويان من مستويات الدراسة اللغوية التي تضم
(1) المزهر ج 1 ص 59.
إليهما الدراسات الصوتية والمعجمية والدلالية، بالإضافة إلى القضايا اللغوية العامة، إذا كان هذا هو مفهوم الدراسة اللغوية الحديثة فإننا نريد بهذا الفصل دراسة المستوى النحوي الذي يشمل أيضا الدراسة الصرفية. وسنبدأ بالتعريف بآثاره النحوية بصفة عامة لنصل بعد ذلك إلى دراسة جهوده في النحو وأهمها دراسته لأصول النحو التي كان له فيها جهد كبير وفضل لا ينكر، ثم نحاول تبين مذهبه النحوي من خلال آرائه المتناثرة في كتبه فضلا عما نسترشد به من أفكار تتصل ببيئته وشيوخه وتكوين منهجه مما عرضنا له من قبل.