الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقوله: «لا أرى السكوت يسعني في ذلك فإن هذا عهد النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته، فوجب على كل من علمه أن يبينه ولا يراعي فيه صديقا ولا حبيبا ولا بعيدا ولا قريبا» «1» ، وهذا تقدير منه لمسئوليته التي يوجبها عليه كونه مجتهدا.
كما أن السيوطي كان يتعقب فتاوى خصومه أو تفسيراتهم ويبين ما قد يقعون فيه من خطأ فقد ذكر أن السخاوي صحف في حديث «شفر الحوراء» بمعنى هدب عينها، فجعله «شقر» بالقاف وبين أن ذلك تصحيف للحديث وتبديل لمعناه وأنه في غاية الركاكة «2» . كما هاجمه حين صوب قراءة من قرأ في كتاب الشفا عبارة «ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته» في قراءة «خصيصي» بتسكين الياء مع أن صحة القراءة أنها كما ذكر السيوطي بألف القصر، وقد اقتنع جماعة من العلماء بصحة قول السيوطي ورجعوا عن تصويبهم للقارئ ومنهم الشيخ أمين الدين الاقصرائي، وزين الدين قاسم الحنفي، والشيخ سراج الدين العبادي والفخر الديمي، ولم يكن بين هؤلاء وبين السيوطي إلا الصداقة، أما خصمه السخاوي فإنه لم يقنع بذلك، ورد بأنه مستنده في ذلك أن عنده نسخة من الكتاب صحيحة قرئت على شيوخ عدة وفيها صورة السكون مرقومة بالقلم على الياء، وكان من اليسير على السيوطي أن يوجه إليه عبارته القاسية:«كفى بهذا الكلام جهلا، ومن هذا مبلغ علمه فهو غني عن الرد عليه» ، ثم يورد بعد ذلك من الأدلة ما يؤيد صحة فتواه اللغوية «3» .
دعوى الاجتهاد:
وإكمالا لما نحن فيه مما تعرض له السيوطي من خصومه لا مناص من الحديث عما قاله عن نفسه من استكماله أدوات الاجتهاد إذ جعله قوله هدفا لكثير من الهجمات التي وجهها إليه خصومه منكرين عليه دعواه، وقد عدّ السيوطي نفسه ممن بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق ولذلك وضع ترجمته لنفسه آخر
(1) فتواه الخاصة بسد الأبواب الملاصقة للمسجد النبوي، الحاوي ج 2 ص 61 ضمن رسالته: شد الأثواب في سد الأبواب ج 2 ص 53 وما بعدها.
(2)
الحاوي للفتاوي ج 2 ص 180.
(3)
ألوية النصر في خصيص بالقصر، رسالة له بكتاب الحاوي ج 2 ص 478 - 479.
الفصل الذي عقده عن الأئمة المجتهدين بمصر في كتابه حسن المحاضرة، وقد صرح ببلوغه رتبة الاجتهاد في قوله بعد أن عدد أنواع العلوم التي تبحر فيها «وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا» «1» ، وقد تعرض بسبب ذلك لهجوم أعدائه عليه فيذكر السخاوي أنه «قد قام عليه الناس كافة لما ادعى الاجتهاد» «2» ، وقد عبر السيوطي عما تعرض له من الهجوم في مقدمة إحدى رسائله بقوله بعد أن ذكر اشتغاله بالعلم وحبه للبحث عن الدقائق والأصول:«وقد أوذيت على ذلك أذى كثيرا من الجاهلين والقاصرين وتلك سنة الله في العلماء السالفين فلم يزالوا مبتلين بأسقاط الخلق وأرذالهم وبمن هو من طائفتهم ممن لم يرتق إلى محلهم» «3» ، ثم يذكر بعض من تعرض للأذى من علماء السلف كابن عباس وما تعرض له من نافع بن الأزرق وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وما تعرض له من أهل الكوفة، وما قاساه الشافعي من أهل مصر وما قاساه الغزالي وغيرهم، وينبه السيوطي بعد ذلك إلى حقيقة هامة في أمثال هذه الخصومات ومن يكون فيها على الحق بقوله:«وقد اجتمعوا كلهم عند الله، وظهر لهم المحق من المبطل، والأرفع رتبة عند الله من غيره، وظهر لنا مصداق ذلك في هذه الدار ببقاء كلام هؤلاء الائمة وانتشاره وظهوره واضمحلال من ردّ عليهم وطمس ذلك ودثوره» «4» . وبهذا الرد البليغ يرد على أعدائه معلنا لهم أن الحق هو الذي سيبقى وأن قائله هو الذي ستذكره الأجيال والناس فيما بعد، وأن له أسوة بعلماء السلف الصالح الذين لم تتضح عظمتهم وأقدارهم في أزمانهم بقدر ما اتضحت لمن بعدهم، وهذه العبارة التي أطلقها السيوطي تأخذ الانسان بالدهشة والتأمل لما فيها من صدق الرجل مع نفسه وإحساسه بعظمته وإن لم يقدره أهل عصره.
وقد كتب السيوطي في بلوغه الاجتهاد مؤلفا سماه «الرد على من أخلد إلى
(1) السيوطي: حسن المحاضرة ج 1 ص 190.
(2)
الضوء اللامع ج 4 ص 69.
(3)
تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة، رسالة بكتاب الحاوي ج 2 ص 509.
(4)
الرسالة السابقة النص ص 509، 510.
الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض»، افتتحه بما يريد قوله من أن الأمة لا تخلو في عصر من عصورها من مجتهد أو طائفة من المجتهدين ولا تخلو من طائفة تنصر الحق وهي ظاهرة عليه، ثم يهاجم الذين أنكروا قوله بالاجتهاد قائلا:«فإن الناس قد غلب عليهم الجهل وعمهم، وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدوه منكرا بين العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر» «1» .
وقد قسم كتابه إلى أربعة أبواب جعل أولها لا يراد نصوص العلماء على أن الاجتهاد في كل عصر فرض من فروض الكفايات وأنه لا يجوز شرعا خلو العصر منه «2» ، وفي الباب الثاني يحاول بالنقول المختلفة تأكيد الفكرة القائلة بأن أي عصر لا يمكن أن يخلو من مجتهد وهنا يرى أن عصرا من العصور قد يجتمع فيه طائفة كبيرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد، ويجوز ألا يبقى في الأمة إلا مجتهد واحد «3» ، ويفرق السيوطي بين المجتهد المطلق وبين المجتهد المستقل والمجتهد المقيد، فالمستقل «هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذهب المقررة، وهذا شيء فقد من دهر بل لو أراده الانسان اليوم لامتنع عليه ولم يجز له» «4» ، وأما المجتهد المطلق غير المستقل، «فهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل ثم لم يبتكر لنفسه قواعد بل سلك طريقة إمام من أئمة المذهب في الاجتهاد، فهذا مطلق منتسب لا مستقل ولا مقيد» «5» .
وقد وضح الشعراني هذه التفرقة في الحديث عن السيوطي فذكر أن الناس قد هاجموه لأنه ادعى الاجتهاد المطلق كأحد الأئمة الأربعة وأن السيوطي كان
(1) الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض ص 2.
(2)
المصدر السابق ص 3 - 25.
(3)
نفس المصدر ص 26 - 28.
(4)
نفس المصدر ص 39.
(5)
نفس المصدر ص 39.
قول إنه لم يدع الاجتهاد المطلق وإنما ادعى الاجتهاد المنتسب وأن كثيرا من أتباع المذاهب بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ومع ذلك لم يخرجوا عن مذاهبهم، وذكر السيوطي أن في أصحاب الشافعي على مر الزمن منهم المزني وابن سريج والقفال وابن خزيمة وابن الصباغ وإمام الحرمين وابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد والتقي السبكي وولده عبد الوهاب كذلك في أصحاب مالك ابن وهب وأضرابه، وفي أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد، وقد بلغ هؤلاء مرتبة الاجتهاد المطلق ومع ذلك فلم يخرجوا عن تبعيتهم لأئمتهم «1» .
وقد ختم السيوطي كتابه بما يؤكد فكرته السابقة ومجمل ما يريد قوله أنه قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق ومع ذلك فهو لم يخرج عن مذهب الشافعي وأنه بذلك يسمى مجتهدا مطلقا منتسبا، وقد كرر السيوطي في مواضع متفرقة من فتاواه وكتاباته هذه الفكرة نظرا لما تعرض له من هجوم ولما اتهم به في زحمة الصراع بينه وبين خصومه، فكأنه أراد أن يؤكد تبرئة نفسه مما ادعوه عليه ولكن مع التمسك بالحديث عما أنعم الله به عليه من عقل وعلم وما بلغه من درجة.
ويفتي السيوطي عام 898 هـ إحدى الفتاوى ويرى أن أحدا من أهل عصره لا يمكنه أن يتصدى لما يضطلع به، فيرفع عقيرته قائلا:«جولوا في الناس جولة فإنه ثمّ من ينفخ أشداقه ويدعي مناظرتي وينكر علي دعواي الاجتهاد والتفرد بالعلم على رأس هذه المائة، ويزعم أنه يعارضني، ويستجيش عليّ من لو اجتمع هو وهم في صعيد واحد ونفخت عليهم نفخة صاروا هباء منثورا» «2» .
ومهما يكن من أمر الخصومة بين السيوطي وأنصاره وبين السخاوي وأنصاره فإن المعاصرة كما سبق القول حجاب بين المتعاصرين، كما أن الاتهامات التي تبادلها الفريقان لم تخل من مبالغات كثيرة يمكن بسهولة أن نتعرف عليها، هذا فضلا عن أن كثيرا مما وجه إلى السيوطي أثبتت الأيام بطلانه ولعله قد استلهم ذلك حين ذكر أن له بعلماء السلف الصالح الذين تعرضوا للأذى في أزمانهم
(1) الشعراني: ذيل الطبقات الكبرى الورقة الأولى والثانية ص 2 - 4.
(2)
الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف: رسالة له ضمن كتاب الحاوي ج 2 ص 167.
وظهرت حجتهم من بعد أسوة حسنة «1» .
وانتصر للسيوطي من بعده الشوكاني في ترجمته له وفند جميع ما وجهه إليه السخاوي ورد عليه ردا بليغا، وتعقب اتهاماته بالدفاع القوي، ومن بين ما ذكره دفاعا عن الاتهام باختلاس الكتب أن ذلك «ما زال دأب المصنفين، يأتي الآخر فيأخذ من كتب من قبله فيختصر أو يوضح أو يعترض أو نحو ذلك من الأغراض- التي هي الباعثة على التصنيف، ومن ذاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فيه من قبله فلا يأخذ من كلامه؟» «2» ، فليس السيوطي بدعا من المؤلفين، وإذا كان ذلك شأن عصره ومنهجه فلا يصح أن نوجه التهمة إليه وحده، وقد بين الشوكاني أن السخاوي «وإن كان إماما غير مدفوع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع فانه لا يقيم لهم وزنا بل لا يسلم غالبهم من الحط منه عليه، وإنما يعظم شيوخه وتلامذته ومن لم يعرفه ممن مات في أول القرن التاسع قبل مولده، أو من كان من غير مصره أو من يرجو خيره أو يخاف شره» «3» ، وهذه الأوصاف التي تقدح في الكتاب كفيلة أن تجعلنا على حذر مما يورده السخاوي من تراجم، ومهما أحسنا ظننا به بعد ذلك فسنأخذ تراجم أقرانه بالحذر، وقد انتهى الشوكاني إلى أن ما بلغه السيوطي من المكانة العلمية وما ادعاه من الاجتهاد كان سببا في هذه الخصومات، وبين أنه بذلك قد تعرض لما تعرض له أئمة العلماء ممن بلغوا المرتبة العالية، فما زال «ذا دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة، ولكن قد عرفناك في ترجمة ابن تيمية أنها جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي بسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه، وهكذا كان أمر
صاحب الترجمة فإن مؤلفاته انتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه، والعاقبة
(1) تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة، الحاوي ج 1 ص 509، 510.
(2)
الشوكاني: البدر الطالع ج 1 ص 333.
(3)
المصدر السابق ج 1 ص 333، 334.