الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
فقه اللغة أو: «الدراسات اللغوية غير النحو والصرف»
تقديم:
لا بد لنا لكي نقوم الدور الذي أداه السيوطي في ميدان فقه اللغة من أن نعرض لجهود سابقيه التي نظر فيها واعتمد عليها لكي نقارن ما قام به بما قام به غيره، ومن ثم نستطيع الحكم له أو عليه ونستطيع أن نتبين مقدار الجهد الذي بذله في هذا الميدان وقيمته، كما أن هذه المقدمة ضرورية لبيان تطور الدراسة اللغوية عند اللغويين العرب الذين يعد السيوطي من متأخريهم، أي أنه لغوي شهد آخر مراحل هذا التطور في الدراسة وعلى يديه وصلت الدراسة اللغوية إلى مرحلة أرقى مما كانت عليه عند سابقيه كما سنتبين ذلك فيما بعد.
ونريد هنا بالدراسة اللغوية أو «فقه اللغة» ما يعنيه المحدثون بفقه اللغة وعلم اللغة فأبحاثهما متداخلة مشتركة بحيث إن كثيرا من المؤلفين المحدثين في علم اللغة يرون أبحاثهم داخلة في ميدان فقه اللغة، ولا نريد بالدراسة اللغوية في هذا الفصل ما يتصل منها بعلم النحو لأننا سنخصص- كما ذكرنا- للدراسة النحوية، فصلا مستقلا نبحث فيه جهود السيوطي فيها.
وقد بين بعض المحدثين أن خير ما توصف به أبحاث اللغويين القدماء هي أن تسمى بفقه اللغة، ذلك أن فقه الشيء هو كل ما يتصل بفلسفته وفهمه والوقوف على ما يسير عليه من نواميس «1» .
(1) د. علي عبد الواحد وافي: علم اللغة ص 14.
فما المراحل التي مر بها الدرس اللغوي قبل السيوطي؟ وما الأدوار التي اضطلع بها رجال اللغة على مر الأحقاب المتوالية؟ ثم ما هي الآثار التي خلفها هؤلاء في ذلك الفرع من فروع المعرفة الانسانية؟.
الحقيقة أن الاجابة على ذلك تستلزم بحثا طويلا يخرج بنا عما نقصد إليه من بحثنا وهو تحديد دور السيوطي في الدرس اللغوي لا سيما أن الآثار التي خلفتها القرون الطويلة من الكثرة بحيث يصعب مجرد حصرها فضلا عن تناولها بالدراسة، وليس يعني ذلك التقاعس عن التعرض لهذا الموضوع، وإنما يعني أننا سنتناوله بالقدر الذي نراه موفيا لما نقصد إليه من بحثنا الأساسي ولذلك فلا لوم علينا إذا اقتصرنا على تناول المعالم الرئيسية لهذا الموضوع أو اقتصرنا على الاشارة إلى أهم رجال اللغة، مغضين النظر عن بعض التفصيلات التي لا تحدث تغييرا في الصورة العامة التي نرسمها ونحددها.
والبحث في اللغة ينشأ لدى أي أمة من الأمم نتيجة لقيام تضاد بين لغتين أو مرتبتين من لغة واحدة «1» ، فحينئذ يمكن ملاحظة بعض الخصائص اللغوية، وقد كانت العربية منذ وقت مبكر حافلة بصور الخلاف بين لهجاتها المتعددة التي تمثل مستوى معينا في الاستعمال العادي بعضها مع بعض من ناحية، وبين جميع هذه اللهجات وبين اللغة المثالية التي هي لغة القرآن والأشعار والتي كان العرب جميعا يستطيعون فهمها من ناحية أخرى.
بيد أن الدافع القوي الذي دفع إلى البحث في الدرس اللغوي والعناية بالألفاظ اللغوية هو نفس ما حدث بالنسبة للنحو من انتشار اللحن نتيجة لاختلاط العرب بغيرهم من الأمم، فلم يعد اللحن يقتصر على عدم القدرة على ضبط أواخر الكلمات بل تعداه إلى استعمال الألفاظ وتحريفها في الاستعمال عن مواضعها التي تعارفت العرب عليها، أو عدم القدرة من قبل المستعربين على حفظ هذه الألفاظ وضبطها والنطق بها على هيئاتها الصحيحة الصوتية والصرفية مما هدد بضياع كثير من الفاظ اللغة، وحفز بالتالي العلماء على تدوينها
(1) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ترجمة الدكتور محمد عبد الحليم النجار ج 2 ص 123.
وضبطها والبحث عن معانيها الدقيقة، لتعين فيما بعد على تفهم معاني القرآن الكريم والحديث والشعر، وقد عبر عن هذه الحقيقة ابن خلدون بقوله: انه «لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالاعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه، ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدى الفساد
إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلا مع هجنة المستعمرين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتابة والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين» «1» . ومن هنا فإن العناية بدراسة ألفاظ اللغة وتحديد مدلولاتها وضبطها قديم، وربما كان هذا النوع من الدراسة أقدم في نشأته من العناية بالاعراب، لأن نشأته قد بدأت في الظهور منذ العناية بالنص القرآني وتفسير بعض ألفاظه. ولعلّ فيما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنه من المسائل المعروفة بمسائل نافع بن الأزرق لعل فيها دلالة على هذه العناية منذ وقت مبكر سواء صحّت نسبة جميعها أو بعضها.
على أننا ندخل في دائرة الدراسة اللغوية الجادة التي بقي لأصحابها آثار تدل على نوعية دراساتهم، أو أثر عنهم قيامهم بأنواع من الدراسات اللغوية حين تصل إلى أبي عمرو بن العلاء «2» ، ونكون بذلك قد تخطينا من المشتغلين بالبحوث اللغوية طبقة أبي الأسود وتلاميذه الذين غلب عليهم الاشتغال بالنحو، وقد كان أبو عمرو معاصرا لعبد الله بن أبي إسحاق صاحب الشهرة الكبيرة في تاريخ النحو والقياس وكان «عبد الله يقدّم على أبي عمرو في النحو، وأبو عمرو يقدّم عليه في اللغة، وكان أبو عمرو سيد الناس وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب» «3» .
وقد ولد أبو عمرو بمكة عام 70 هـ تقريبا وعاش بالبصرة، وتحدثنا تراجمه العديدة في كتب الطبقات بقيامه بجمع أشعار العرب القدماء والدءوب على
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 548.
(2)
راجع مقدمة تهذيب اللغة للأزهري ج 1 ص 8.
(3)
المزهر ج 2 ص 398، 399.
شرحها وإجراء الملاحظات اللغوية عليها، بيد أن شيئا من كتبه لم يصل إلينا «1» ، وقد ذكر القدماء أنه أحرق هذه الكتب قبل وفاته، ولكن أثره قد ظهر واضحا في تلاميذه الذين برزوا في ميدان اللغة وقد توفي أبو عمرو عام 145 هـ.
وأهم اللغويين الذين نجدهم في هذه الفترة هم تلامذة أبي عمرو وطبقتهم «2» ، وقد قام هؤلاء بأجل الأعمال اللغوية فقد اضطلعوا بعملية شاقة تتمثل في جمع اللغة والرحلة إلى البادية تحقيقا لهذا الغرض، وقد ظلت الرحلة إلى البادية والسماع من الأعراب الذين لم تديف ألسنتهم بالعجمة سنة متبعة بين اللغويين حتى منتصف القرن الرابع الهجري، وفي ذلك الحين توقف اللغويون عن الأخذ عن أعراب البادية، وانتهى بذلك عهد السماع اللغوي، وانقطع المدد اللغوي المنطوق الذي كان يعتمد عليه اللغويون بالاضافة إلى ما لديهم من مصادر مقررة ومعروفة تتمثل في القرآن الكريم بقراءاته وأشعار الجاهليين والاسلاميين والأمويين الذين يختتمون بابن هرمة، وأقوال فصحاء الحواضر حتى منتصف القرن الثاني.
وبذلك فإن المرحلة الأولى في التأليف اللغوي قد تأثرت بما يهم اللغويين في ذلك الحين وهو عملية الجمع، ونلاحظ على آثارهم التي خلفوها عنايتها بجمع الألفاظ التي تدور حول موضوع معين دون أن يكون هناك اهتمام كبير بدراسة الفلسفة اللغوية لهذه الألفاظ أو تعمق في دراسة الخصائص اللغوية المتنوعة المتصلة بها.
وأقدم المؤلفات في اللغة هي ما خلفه هؤلاء فقد ترك الأصمعي (215 هـ) عددا كبيرا من الكتب ضاع عدد منها ووصل إلينا عدد لا بأس به، والنظرة في كتب الأصمعي تؤيد الملاحظة السابقة عن اتجاه المؤلفين إلى جمع الألفاظ التي تتصل بموضوع ما بعضها إلى جانب بعض، فله من الكتب خلق الانسان، الأجناس والأنواء، الهمز، المقصور والممدود، الصفات، الميسر والقداح، خلق الفرس، الابل، الشاء، الأخبية والبيوت، الأمثال، الأضداد، الألفاظ،
(1) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي الترجمة العربية ج 2 ص 129.
(2)
الأزهري: مقدمة تهذيب اللغة ج 1 ص 11.
اللغات، الاشتقاق
…
إلى آخره «1» .
ويتضح من ذكر بعض مؤلفاته دراساته لبعض الظواهر العامة في اللغة كالاشتقاق والأضداد، وأن معظم كتبه معاجم متنوعة ترمي إلى بيان المفردات الموضوعة لمختلف المعاني. وكان معاصرا للأصمعي اللغوي الكبير أبو زيد الأنصاري (214 هـ) وكان من رواة اللغة الموثوق بهم، وقد ترك من الكتب:
الإبل والشاء، المطر، خلق الانسان النبات والشجر واللغات والنوادر والجمع والتثنية، وتحقيق الهمزة والوحوش
…
إلى آخر ما صنف من كتب «2» ، وقد بقي من كتبه عدد لا بأس به، ونفس ما قلناه عن الأصمعي وآثاره يمكن أن نحكم به على أبي زيد من ناحية توزع مباحثه اللغوية بين الاهتمام بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة وبين بعض الظواهر اللغوية، وقد قيل عنه إنه كان شديد العناية بجمع اللغات أي اللهجات، وقد ترك أبو عبيدة معمر بن المثنى (210 أو 211 هـ) عددا كبيرا من الكتب منها غريب القرآن ومعاني القرآن وكتاب الموالي وكتاب الضيفان ومرج راهط والمنافرات والقبائل والعقارب والحيات والنوائح والخيل والابل والمصادر والأضداد «3» .
وهذه كما يتضح تعنى بالمعاجم المتنوعة للمعاني المختلفة، أو بألفاظ القرآن بالاضافة إلى اهتمامه بالأخبار والتاريخ.
وكذلك كان النضر بن شميل (204 هـ) وهو ممن أخذ عن الخليل وكان معاصرا لهذه الطبقة، يهتم بنفس ما اهتمت به طبقته من جمع الألفاظ، ويتناول بعض الظواهر اللغوية، وقد ذكر له من الكتب كتاب الصفات الذي احتوى مباحث تدل على ما قلناه «4» . بيد أن أهم الأعمال اللغوية التي صدرت عن هذه
(1) ابن النديم: الفهرست ص 82، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 147 - 149.
(2)
الفهرست ص 81، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 145، 146.
(3)
الفهرست ص 79، بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 142 - 144.
(4)
ابن النديم: الفهرست ص 77.
الفترة تمثل في معجم «العين» الذي نسب إلى الخليل والذي يوضح الاتجاه إلى جمع مفردات اللغة جميعها وترتيبها ومحاولة استقصائها، وبيان المستعمل منها والمهمل.
ثم توالت جهود اللغويين بعد ذلك ووضعت بعض المعاجم على غرار كتاب العين، وأهم المعاجم العربية بعد كتاب العين «تهذيب اللغة» الذي وضعه الأزهري (370 هـ)، وقد اتبع فيه ترتيب مواد اللغة على نفس الترتيب الذي وضعه الخليل وهو: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م ى وا.
والأزهري من رجال اللغة القدماء، وقد وقع في أيدي القرامطة، واختلط بقوم منهم من عرب هوازن وتميم وسمع عنهم كثيرا من اللغة، وقد كتب الأزهري مقدمة قيمة لكتابه أرخ فيها تطور الدرس اللغوي عند العرب إلى عصره فذكر ثلاث طبقات من اللغويين سمع هو من رجال الطبقة الثالثة وأخذ عنهم.
وقد وضعت كتب تهتم بجمع الألفاظ التي تتصل بمعنى من المعاني أو بجملة من المعاني المتقاربة، ووضعت بعض البحوث اللغوية المتناثرة حتى ظهر أبو الفتح عثمان بن جني (392 هـ) فأنتج كتابه الخصائص واهتم فيه بأبحاث عديدة تتصل بالقضايا اللغوية العامة والخاصة فتناول أصل اللغة ونشأتها، وبحث ظواهر الاشتقاق والقياس، وتناول اختلاف اللهجات، وضمّن كتابه عديدا من البحوث القيمة بالإضافة إلى الدراسة الصوتية المتميزة التي وضعها في كتابه «سر صناعة الإعراب» وفي غيره.
كما ظهر ابن فارس (395 هـ) وتناول في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها» أصل اللغة ونشأتها كما تناول نظم العرب في مخاطباتها، وما لها من الافتنان تحقيقا ومجازا، وقد ذكر أن مثل هذه الأبحاث من الأبحاث التي تهتم بالأصول «1» ، وهو يقصد ما كان يعنيه ونعنيه بفلسفة اللغة أو فقهها، وقد
(1) الصاحبي في فقه اللغة: المقدمة.
تضمن كتابه بعض المباحث الهامة في خصائص العربية، كالاشتقاق والقياس والترادف والمجاز والمشترك والنحت، واختلاف اللغات واللهجات.
كما وضع ابن فارس معجما هاما جمع فيه كثيرا من المواد اللغوية وحاول ردّ مفردات كل مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة، فلجميع مفردات المادة عنده أصل أو أصلان، ثم يتفرع الأصل أو الأصلان إلى فروع كثيرة، تربطها بالأصل صلة المعنى، وهذا هو الاشتقاق الدلالي الذي حاوله من قبل ابن دريد (321 هـ) في كتابه «الاشتقاق» الذي حاول فيه رد أسماء قبائل العرب وأفخاذها وبطونها وأسماء ساداتها وأعلامها إلى أصول لغوية اشتقت منها هذه الأسماء، وقد عبر ابن جني عن هذا الاشتقاق بالاشتقاق الأكبر بيد أنه لم يطبقه إلا على قلة من الكمات وأيا ما كان الأمر فمعجم ابن فارس فريد في نوعه لم يسبقه مثله، ولم يخلفه من نسج على منواله وقد سماه بمعجم مقاييس اللغة، وهو يعني بالمقاييس ما يسميه اللغويون بالاشتقاق الكبير الذي يرد مفردات كل مادة إلى معنى أو قلة من المعاني تشترك فيها هذه المفردات.
وقد وضع الجوهري (398 هـ) معجما ضخما سماه «الصحاح» رتبه على أحرف الهجاء وراعى في ترتيبه أواخر الكلمات، وهي الطريقة التي اتبعها المتأخرون من المعجميين في العصر المملوكي كابن منظور والفيروزآبادي، وقد حصر الجوهري اللغة مقتديا بحصر الخليل وبين منهجه في مقدمته بقوله:«قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها على ترتيب لم أسبق إليه وتهذيب لم أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا ولا ادخرت وسعا» .
ثم ألف أبو منصور الثعالبي (439 هـ) كتابا بعنوان «فقه اللغة» ، بيد أنه لم يضمنه إلا بعض المباحث القليلة التي تتصل بهذا العلم، حيث تحدث في آخره عن بعض الألفاظ العربية التي نسبت إلى الرومية، وبعض الأسماء المشتركة في
الوضع بين العرب والفرس، وبعض ما تفرد به الفرس من الأسماء مما اضطر العرب إلى تعريبه أو تركه، أو الأسماء التي ماتت فارسيتها ولا تزال عربيتها مستعملة.
والكتاب يصب عنايته في الغالب على إصابة مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ العربية، والتفرقة بين ما وضع منها على العموم وما وضع على الخصوص، وذلك لتجنب اللحن اللغوي الذي ينشأ من تحريف استعمال الألفاظ عن مواضعها التي وضعتها العرب لها، فالعرب مثلا تضع الأبيض لكل ما فيه بياض، ثم تخص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ومن الانسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح، فلا يجوز تحريف هذه الألفاظ باستعمال الأزهر للخيل مثلا، والتحريف في الاستعمال كما يقولون «أشد من اللحن في الاعراب وأفحش» «1» .
فالكتاب في جملته معجم للمعاني، يراعي اختلاف الدلالات والفروق الدقيقة بينها وينبه على مواضع الاستعمال الصحيحة للألفاظ.
أما ابن سيدة (المتوفي سنة 458 هـ) فقد تناول في كتابه «المخصص» بعض البحوث المتعلقة بنشأة اللغة العربية والترادف والتضاد والاشتقاق والاشتراك والتعريب ويقع كتابه في سبعة عشر جزء، وهو حسن التنسيق، بيد أنه في غالبه يمثل معجما كبيرا للمعاني، ففيه- مثلا- الألفاظ الخاصة بخلق الانسان ثم أوائل الحمل والولادة، ثم
أسماء ما يخرج مع الولد، والرضاع والفطام
…
وهكذا.
وفي القرن السادس الهجري وضع الزمخشري (531 هـ) معجمه المسمى «أساس البلاغة» مرتبا كالمعتاد على أحرف الهجاء، وقد عنى فيه بذكر المعنى الحقيقي للكلمة والمعنى المجازي لها.
وتوفر الجواليقي من علماء القرن السادس على دراسة «المعرب من الكلام الأعجمي» وقد رتب كتابه على حروف المعجم.
ثم كان عصر المماليك الذي قدمنا خصائصه التي من أهمها اهتمام رجاله
(1) ابن خلدون: المقدمة ص 550.
بالجمع والتنسيق والنظر فيما تقدم من الكتب، وكثرة المؤلفات التي أرادوا بها إحياء الحركة العلمية التي قوضت دعائمها ببغداد، وأشهر من ظهر بهذا العصر من اللغويين ابن منظور الافريقي (711 هـ)، والفيروزآبادي (816 هـ).
أما ابن منظور فقد عاش بمصر وتوفي بها، وله أعمال علمية كثيرة، بيد أن أهمها وأبقاها معجمه «لسان العرب» وهو معجم واسع المادة جمع فيه ستة كتب سبقته هي تهذيب الأزهري وصحاح الجوهري وحواشي ابن بري عليه، والمحكم والمخصص لابن سيدة، ونهاية ابن الأثير، وقد بلغت مواد المعجم ثمانين ألفا، ويمتاز بالبسط في تناول كل مادة، وقد ظهر بالمعجم أثر الموسوعية التي كانت من خصائص العصر كما سبق أن أشرنا، فهو كثير الاستطراد في شرح المواد اللغوية، وإذا كان لهذه الطريقة بعض العيوب فإن لها بعض المزايا، فقد احتوى المعجم على كثير من الفنون في الحديث والنحو والصرف والتفسير والأشعار والأراجيز وغيرها، وترتيب اللسان- كما هو معروف- بحسب أواخر المواد بعد تجريدها وهو ترتيب لم يعرف من قبل إلا عند الجوهري في كتابه «الصحاح» .
والفيروزآبادي عالم من علماء اللغة ولد بفيروزآباد إحدى قرى شيراز، وقد طوف بالشام ومصر وغيرها، وأخذ عن مشاهير علماء عصره، وقد صنف عديدا من المصنفات أربت على أربعين مصنفا، بيد أن أهم كتبه أيضا معجمه الشهير «القاموس المحيط» ، وهو مختصر كتاب كان قد ألفه من قبل وسماه «اللامع المعلم العجائب الجامع بين المحكم والعباب» ، وترتيبه كترتيب اللسان، ويمتاز بالاختصار مع كثرة مواده فقد احتوى نحو ستين ألف مادة، وقد استعمل مؤلفه الرموز التي تدل على الجمع والموضع واللفظ المعروف ليستعين بذلك على الاختصار، بيد أن هذا الاختصار قد جعل المعجم محل انتقاد بعض المتأخرين والحق أن بالمعجم بعض العيوب التي ترجع إلى الاختصار وبعض العيوب التي ترد إلى غير ذلك، فصاحبه لا يذكر أسماء الذين ينقل عنهم ولا ينبه- كما هو شأن اللغويين- على الفصيح والغريب والحوشي والمهمل والمذموم
…
إلى آخره، بالاضافة إلى خلطه بين الأفعال الثلاثية والرباعية والخماسية، كما أنه لا
ينبه في أحيان كثيرة على الفروق الدلالية أو النحوية بين الألفاظ التي يفسر بها وبين الألفاظ المفسرة.
بعد هذا العرض لتطور الدراسة اللغوية قبل السيوطي- في بيئة اللغويين- وبيان أبرز معالمها نستطيع أن نخلص إلى أن جميع ما سبقه من دراسات لغوية تتصل بالمستويات اللغوية غير النحو والصرف، أو بعبارة أخرى تتصل بفقه اللغة كما سبق أن حددنا مقصودنا بهذا المصطلح، وهي التي تأثر بها واعتمد عليها في دراساته، يمكن أن تندرج تحت أنواع أربعة من الدراسات:
1 -
دراسات تهتم ببعض مسائل فقه اللغة، كدراسة الأصمعي للاشتقاق، وكتاب «الصاحبي» لابن فارس الذي تحدث فيه عن نشأة اللغة وتناول بعض مسائل فقه اللغة، وكتاب «الخصائص» لابن جني الذي بحث فيه أصل اللغة وتناول عددا من الموضوعات التي تهم فقه اللغة، وبعض الموضوعات التي ضمنها ابن سيدة في المخصص وبعض موضوعات كتاب «فقه اللغة» للثعالبي، وبعض موضوعات كتاب «المعرب» للجواليقي، وهناك عديد من الكتب التي تضمنت بعض البحوث اللغوية الهامة في طياتها كأمالي القالي وأمالي ثعلب وأمالي الزجاجي، وهناك طائفة أخرى اقتصرت على جانب من جوانب دراسات فقه اللغة ككتاب «الأضداد» لأبي عبيد، والأضداد لابن الأنباري، والمقصور والممدود لابن السكيت، والمقصور والممدود لابن سيدة، وكذلك للقالي، والإلماع في الاتباع لابن فارس، وأمثال هذه الكتب.
2 -
معجمات تهتم بجمع الألفاظ وحصرها رامية إلى شرحها وترتيب موادها ترتيبا خاصا يتسنى معه إمكان الرجوع إليها لمن يبغي ذلك في سهولة ويسر، وأول من عمل على تدوين معجم شامل هو الخليل الذي وضع «العين» أو وضع فكرته ومنهجه وأساسه وأكمله بعض تلامذته، وقد ظهر بعده «معجم الجمهرة» لابن دريد، وقد خالف في ترتيبه سابقه، وهناك من أمثال هذه المعاجم الشاملة التهذيب للأزهري، والمجمل لابن فارس، والصحاح للجوهري، وأساس البلاغة للزمخشري، والعباب للصغاني، واللسان لابن منظور، والقاموس للفيروزآبادي.
3 -
معجمات ترمي إلى بيان الألفاظ الموضوعة لمختلف المعاني والموضوعات فترتب المعاني والموضوعات بطريقة خاصة، وتذكر الألفاظ التي تستعمل في كل منها، وأهم هذه المعجمات «الألفاظ» لابن السكيت (243 هـ)، و «الألفاظ الكتابية» للهمذاني (227 هـ)، و «فقه اللغة» للثعالبي، وأكثرها جمعا وأضخمها كتاب المخصص لابن سيدة.
4 -
معاجم خاصة تقتصر على ذكر ألفاظ موضوع من الموضوعات أو تهتم بطوائف معينة من الألفاظ، وهذه أقدم مؤلفات اللغة ظهورا، ويمثلها كتاب الأنواء والنبات لأبي حنيفة، وكتب الأصمعي التي أشرنا إليها وكذلك كتب أبي زيد في الابل والمطر وغيرها، وكتب أبي حاتم وأمثال هذه المصنفات.
هذه جوانب الدراسة اللغوية التي سبقت السيوطي وأهم ما وضع فيها من الكتب، بيد أننا ينبغي ألا نغفل ما كان يحدث خارج البيئة اللغوية من تناول للغة، ونقصد بذلك
دراسة الأصوليين (علماء أصول الفقه) للغة، فالحق أن السيوطي لم يقتصر على النظر في أبحاث اللغويين بل تجاوز ذلك إلى النظر في أبحاث الأصوليين التي تهتم باللغة، والحق أن «المقدمة اللغوية عند الأصوليين من أدق وأوفى ما كتب ويكتب عن الحياة اللغوية منذ نشأة اللغة إلى أن أصبحت كائنا معقد البناء والتركيب» «1» .
وقد ألم الأصوليون في هذه المقدمة بمباحث لم يستوفها الدارسون اللغويون، ولا نكون مبالغين إذ قلنا: إن تتبع ما عند الأصوليين من البحث اللغوي كثيرا ما يكون أجدى من تتبع بحوث أصحاب اللغة أنفسهم «2» .
كما كان للمتكلمين نصيب كبير في التوفر على دراسة نشأة اللغة والقول بمواضعتها واصطلاحها أو توقيفها، وقد اختلفوا فيما بينهم حول ذلك، وتعدّ هذه المسألة من أهم أبحاث علم الكلام.
(1) د. سيد خليل: التصور اللغوي عند العرب ص 184 (مقال بمجلة كلية الآداب- جامعة الاسكندرية).
(2)
أمين الخولي: مشكلات حياتنا اللغوية ص 27.