الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهجه في التفكير وأصول هذا المنهج
تعد ثقافة السيوطي أفضل مثال للثقافة في عصره، كذلك تمثل عقليته العقلية الاسلامية بما تمثلته من معارف متنوعة في القرن التاسع الهجري:
الخامس عشر الميلادي ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية في موضوعاتها ودائرة اتساعها مجسّم العلوم الاسلامية في القرن الخامس عشر.
وتتميز حياة الرجل العلمية بنشاط غير عادي فقلمه السيال لم يعرف الملل، ولم يترك قط موضوعا في حقل المعرفة إلا تناوله، فمن علوم قرآنية وحديثية وفقهية إلى علوم لغوية ونحوية إلى علوم في التصوف والتاريخ والفلسفة إلى غير ذلك من مختلف العلوم التي عرفت في عصره، وتشهد آثاره التي يصعب إحصاؤها لكثرتها وتنوعها بتنوع معارفه وشمول عقليته واتساع أفقه ومشاركته في كل علم فضلا عن تبحره في جانب كبير من العلوم، وصدق ما وصف به من وجهة نظر أجنبية بأنه من أعظم كتاب الشرق قاطبة «1» ، وبأن نشاطه العلمي الذي ابتدأه في سن السابعة عشرة كان يتميز بحركة غير عادية «2» ، وقد عبر السيوطي عن مبلغ ثقافته بقوله: «و
رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الانشاء والترسل والفرائض ودونها القراءات ولم
TheEncyclo paediaBritanicaV.21. (1)
TheEncy clopaediaOfIslam «Suyuti» . (2)
آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني
…
وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر وقد أزف الرحيل وبدا الشيب وذهب أطيب العمر؟، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله لا بحولي ولا بقوتي فلا حول ولا قوة إلا بالله» «1» .
وقد ألف السيوطي في جميع العلوم التي عددها مؤلفات تشهد بعلو قدره فيها، بيد أن هناك قلة من هذه العلوم المتنوعة استحوذت على الجانب الأكبر من اهتمامه، وكان لها أثر كبير في طبع عقليته بطابع معين، وفي توجيه منهجه، وسنتناول اشتغال السيوطي بهذه العلوم بعد قليل.
ويتصل بما نحن فيه من شمول عقليته واتساعها وتنوع مداركها ما قاله عن نفسه من بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد سبق أن رأينا أن هذا القول قد جر عليه عداوات كثيرة وعرضه لكثير من النقد الذي وجه إليه من قبل خصومه، والحقيقة أن السيوطي لم يكن مدّعيا فيما نسبه إلى نفسه، فمصنفاته في الفقه تشهد بذلك، كما أنه لم يقصد الاجتهاد المستقل كالأئمة الأربعة وإنما قصد الاجتهاد المنتسب، وكان في فتواه يفتي بمذهب الشافعي ولا يذكر ما يمليه عليه اجتهاده خارج المذهب، وقد بين أنه ليس من شرط الاجتهاد في الفقه أن يكون صاحبه قد بلغ رتبة الاجتهاد في الحديث والاجتهاد في العربية «2» ، وإنما يكتفي فيها بمرتبة أقل من ذلك، على أن السيوطي قد نص على بلوغه درجة الاجتهاد في الفقه والحديث والعربية وأن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه قد وجدت عند كثير من العلماء، أما الجامعون للثلاثة فقليل، ومن قبله كان تقي الدين السبكي جامعا للثلاثة ولم يكن هناك بعد السبكي من اجتمعت له غيره «3» .
(1) حسن المحاضرة ج 1 ص 190.
(2)
الشعراني: ذيل الطبقات الكبرى ورقة 7 ص 13.
(3)
المصدر السابق ورقة 6، 7 ص 12، 13.