الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو داود باختصار. اهـ.
تحمل أصحاب الصفة قلة الثياب
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّة، ما منهم رجل عليه رداء، إمّا إزار وإِما كساء قد ربطا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السَّاقَين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية. وعند أبي نُعيم أيضاً عن واثِلة بن الأسقَع رضي الله عنه قال: كنت من أصحاب الصُّفَّة، وما منا أحد عليه ثوب تامّ، قد اتخذ العَرَق في جلودنا طوقاً من الوسخ والغبار. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً دخل عليها وعندها جارية لها، عليها دِرْع ثمنه خمسة دراهم، فقالت: إرفع بصرك إلى جاريتي، أنظر إليها فإنها تزهو على أن تلبسه في البيت. وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كانت إمرأة تُقينَّ بالمدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره. كذا في الترغيب.
تحمّل شدة الخوف في الدعوة إلى الله
تحمّل الصحابة شدة الخوف والجوع والبرد في ليلة الأحزاب
أخرج الحاكم، والبيهقي عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة رضي الله عنه قال: ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم مع رسول الله فقال جلساؤه: أما - والله - لو كنا شهدنا ذلك لكنّا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنَّوا ذلك، لقد رأيتُنا ليلة الأحزاب ونحن صافُّون قعود، وأبو سفيان ومَنْ معه فوقَنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قطُّ أشد ظلمة ولا أشد ريحاً منها. في أصوات رِيحها أمثالُ الصاعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنَّ بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاث مائة ونحو ذلك. إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً، حتى أتى عليّ وما عليَّ جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مِرْط لامرأتي ما يجوز ركبتي. قال: فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتي. فقال: من هذا؟» فقلت حذيفة. فقال: «حذيفة» ، فتقاصرت للأرض، فقلت: بلى يا رسول الله - كراهية أن أقوم -، فقمت.
فقال: «إنه كائن في القوم خبر فائتني بخبر القوم» . قال: وأنا من أشدِّ الناس فزعاً وأشدهم قرّاً. قال: فخرجت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللَّهمَّ إحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته» . قال: فوالله، ما خلق الله فزعاً، ولا قرّاً في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئاً. قال: فلما ولَّيت قال: «يا حذيفة لا تُحدِثنَّ في القوم شيئاً حتى تأتيني» . قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم تُوقد، وإذا رجل أدهم ضخم - يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيلَ، الرحيلَ، - ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك -. فانتزعت سهماً من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار. فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تُحدِثنّ فيهم شيئاً حتى
تأتيني» ، فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيلَ، الرحيلَ، لا مُقام لكم. وإِذا الرحي في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضرب بها، ثم إني خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفتْ بي الطريق - أو نحو من ذلك - إذا أنا بنحو من عشرين فارساً - أو نحو ذلك - مُعْتمِّين فقالوا: أخبر صاحبك أنَّ الله قد كفاه. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شَمْلة يصلِّي؛ فالله ما عدا أن رجعت راجعني القرّ وجعلت أقرقف. فأومأ إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلِّي؛ فدنَوتُ منه فأسبل عليّ شملته - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر صلَّى - فأخبرته خبر القوم، أخبرته أني تركتهم وهم يرحلون. قال: وأنزل الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ
تَرَوْهَا} (الأحزاب: 9) إلى قوله: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} (الأحزاب: 25) . كذا في البداية، وأخرجه أبو داود، وابن عساكر بسياق آخر مطوَّلاً كما في كنز العمال.
وأخرجه مسلم عن يزيد التَيْمي قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلتُ معه وأبليتُ. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟» فذكر الحديث نحو حديث عبد العزيز باختصار، وفي حديثه: فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقرِرْت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فَضْل عباءة كانت عليه يصلِّي فيها، فلم أبرح نائماً حتى الصبح. فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قم يا نَوْمان» . وأخرجه ابن إسحاق عن محمد بن كعب القُرَظي رضي الله عنه منقطعاً، وفي حديثه: فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟» فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة؛ «أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة» . فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد.