الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وولايتهم. قال: وفيه وفي عبد الله نزلت الآيات من «المائدة» : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآء بَعْضٍ} - إلى قوله - {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة: 51 - 56) .
حديث بني النَّضِير
أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح إلى مَعْمَر عن الزُّهري: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب كفار قريش إِلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهدّدونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويتوعَّدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهمّ ابن أبيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أين تُلقوا بأسكم بينكم» فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرَّقوا. فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إِلى اليهود: إِنكم أهل الحَلْقة والحصون، يتهدّدونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرج إِلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتَّبعناك؛ ففعل. فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت إمرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبيل أن يصل إليهم، فرجع وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إِلا السلاح، فحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. وكذا
أخرجه عَبْدُ بن حُمَيد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك ردَّ على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد. كذا في فتح الباري. وأخرجه أيضاً أبو داود من طريق عبد الرزاق عن مَعْمَر بطوله مع زيادة؛ وعبد الرزاق، وابن منذر، والبيهقي في الدلائل كما في بذل المجهود عن الدر المنثور.
وأخرج البيهقي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يُسيِّرهم إلى أذْرِعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم: بعيراً وسِقاء. وأخرج أيضاً عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النَّضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. كذا في التفسير لابن كثير. وعند ابن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم محمد ابن مسلمة رضي الله عنه: «أن أخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشراً» . كذا في الفتح.
حديث بني قريظة
وأخرج الإِمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّة. قالت: فجلست إِلى الأرض، فمرَّ سعد وعليه دِرْعٌ من حديث قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد. قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمرّ وهو يرتجز ويقول:
لبّثْ قليلاً يدرك الهيجا جَمَلْ
ما يحسن الموت إذا حان الأجلْ
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا نفر من المسلمين، فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سَبْغة له - تعني المِغْفر - فقال عمر: ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو تَحوُّز، فما زال يلومني حتى تمنّيت أن الأرض فتحت ساعتئذٍ فدخلت فيها. فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله: فقال: يا عمر، ويحكم إنك قد أكثرتَ منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلا إلى الله عز وجل. قالت: ويرمي سعداً رجل من قريش يقال له ابن العَرِقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكْحَلة فقطعه؛ فدعا الله سعدٌ فقال: اللَّهمَّ لا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقأ كَلْمة، وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً.
فلحق أبو سفيان ومن معه بتِهامة، ولحق عُيَينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صاصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة، وأمر بقبة من أدَم فضُربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لَنَقْعُ الغبار فقال: (أقد وضعتَ السلاح؟
لا، والله ما وضعت الملائكة السلاح، بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم) قالت: فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمَتَه، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا؛ فمرّ على بني غَنْم - وهم جيران المسجد حوله - فقال:«من مرّ بكم؟» قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي - وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنّه ووجهه جبرائيل عليه السلام فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة. فلما اشتد حَصْرُهم واشتد البلاء قيل لهم: أنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنَّه الذَّبْح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنزلوا على حكم سعد بن معاذ» . فأُتِيَ به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حُمل عليه وحفَّ به قومه. فقالوا: يا أبَا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النِكاية ومن قد علمت. قالت: ولا يَرجِع إليهم شيئاً، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه، فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد رضي الله عنه: فلما طلع قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «قوموا إِلى سيِّدكم فأنزلوه» . قال عمر: سيدنا الله. قال: «أنزِلوه» ، فأنزَلوه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحكم فيهم» . قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلَتُهم. وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله» . ثم دعا سعد فقال: اللَّهمَّ إِن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها.
وإن
كنتَ قطعتَ الحرب بينه وبينهم فأقبضني إليك. قالت: فانفجر كَلْمه، وكان قد برىء حتى لا يُرى منه إلا مثلُ الخُرْص، ورجع إلى قبّته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حُجْرتي، وكانوا كما قال الله:{رُحَمَآء بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29) . قال علقمة فقلت: يا أُمَّهْ، فكيف كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجِدَ، فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثير. كذا في البداية. وأخرجه ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال الهيثمي رواه أحمد وفيه: محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، بقية رجاله ثقات. انتهى. وقال الحافظ في الإِصابة: حديث صحيح، صحّحه ابن حبان. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نعيم بطوله كما في الكنز. وقد زاد بعد هذا الحديث عدة أحاديث من طريق محمد بن عمرو، وهذا في فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه.
وعند ابن جرير في تهذيبه كما في كنز العمال عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى وبكى أصحابه حين توفي سعد بن معاذ رضي الله عنه. قلت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد وَجْده فإنَّما هو آخذ بلحيته. قالت عائشة رضي الله عنها: وكنت أعرف بكاء أبي من بكاء عمر. وعند الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة سعد بن معاذ ودموعه تَحَادَر على لحيته. قال الهيثمي: وسهل أبو حريز ضعيف.