الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المهاجرون لما قدموا بالمدنية يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رَحِمِهِ للأخوّة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم.
فلما نزلت: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيداً} (النساء: 33) نُسخت. هكذا وقع في هذه الرواية أنَّ ناسخَ ميراث الحليف هذه الآية، وفي اللاحقة أنَّ الناسخ هو نزول:{وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} (الأنفال: 75) - الآية، فصاروا جميعاً يرثون. وعلى هذا يُنَزَّل حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخُصّ الميراث بالعَصَبة، وبقي للمعاقد النصر والإِرفاد ونحوهما؛ وعلى هذا تنزيل بقية الآثار اهـ. وعند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه نحوه كما في فتح الباري. وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخَى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار على المؤاساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفساً بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار - وقيل: كانوا مائة -. فلمّا نزل: {وَأُوْلُواْ الارْحَامِ} بطلت الموارث بينهم بتلك المؤاخاة. كذا في الفتح.
مأاساة الأنصار المهاجرين بأموالهم قسم الثمر ورد الأنصار معاوضةً ما أنفقوا
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لا» . فقالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إنَّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إِليكم» ، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَوَ غير ذلك؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر» . قالوا: نعم. كذا في البداية.
وأخرج الإِمام أحمد عن يزيد عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسنُ مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كَفَونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلِّه. قال:«لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» . هذا حديث ثلاثيُّ الإِسناد على شرط الصحيحين، ولم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. كذا في البداية. أخرجه أيضاً ابن جرير، والحاكم، والبيهقي كما في كنز العمال.
وأخرج البزار عن جابر رضي الله عنه قال: كانت الأنصار إذا جزّوا نخلهم قسم الرجل تمرة قسمين أحدُهما أقل من الآخر، ثم يجعلون السَّعَف مع أقلهما، ثم يخيِّرون المسلمين، فيأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السَّعَف حتى فُتحت خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد وفَّيتم لنا بالذي كان عليكم، فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر ويطيب ثماركم فعلتم» . قالوا: إنَّه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة، فقد فعلنا الذي سألتنا بأنَّ لنا شرطنا. قال:«فذاكم لكم» قال الهيثمي رواه البزّار من طريقين وفيهما مجالِد وفيه خلاف، وبقية رجال إحداهما رجال الصحيح. انتهى.
وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يُقطع لهم البحرين. قالوا: لا، إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها. قال:«أمّا لا، فاصبروا حتى تلقَوني، فإنه سيصيبكم أَثَرَةٌ» .
كيف قطعت الأنصار رضي الله عنهم حبال الجاهلية لتشييد حبال الإِسلام قتل كعب بن الأشرف اليهودي
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم «من لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسوله؟» فقام محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله قال:«نعم» . قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً. قال: «قل» . فأتاه محمد بن مَسْلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صدقة، وإنّه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضاً - والله - لتَمَلُّنَّه قال: إنَّا قد اتّبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه. وقد أردنا أن تُسلِفَنا وسقاً أو وَسْقين، فقال: نعم، إرهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟. قال: إرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟. فيُسَبّ أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأَمة - يعني السلاح - فواعده أن يأتيه ليلاً.
فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم. فقالت له إمرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنَّما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة - وفي رواية: قالت: أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب - قال: ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإنِّي قائل بشعره فأشَمُّهُ، فإذا رأيتموني إستمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه.
فنزل إليهم توشحاً وهو ينفخ منه ريح الطِّيب. فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً - أي أطيب - قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب فقال:
أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم. فشمّه ثم أشَمَّ أصحابه. ثم قال: أتأذن لي قال: نعم. فلمّا استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. وفي رواية عروة: فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى. وفي رواية ابن سعد: فلما بلغوا بَقيع الغَرْقد كبّروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلِّي. فلما سمع تكبيرهم كبَّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتَهوا إِليه. فقال:«أفلحت الوجوه» فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورمَوا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله. وفي مرسل عكرمة: فأصبحت يهودُ مذعورين، فأتَوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قُتل سيدنا غِيلَة. فذكَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرِّض عليه ويؤذي المسلمين. زاد ابن سعد: فخافوا فلم ينطقوا. كذا في فتح الباري.
وعند ابن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ لي بابن الأشرف؟» فقال محمد بن مسلمة رضي الله عنه: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال:«فافعل إن قدرتَ على ذلك» . قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما يُعْلِق به نفسَه. فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعه فقال له: «لم تركتَ الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري هل أفي لك به أم لا. قال:«إنما عليك الجُهد» . وعنده أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجَّههم وقال:«إنطلقوا على إسم الله اللَّهمَّ أعنهم» . كذا في البداية. وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناد حديث ابن عباس رضي الله عنهما. كذا في