الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار
أما الموضع الثالث من العتاب التوجيهي لإقصار وكف بعض جهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبليغ إبقاء على نفسه وطاقته فجاء في آية من سورة فاطر وهو قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
والمتأمل في هذه الجملة يجدها جاءت في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)). في سياق سبقت فيه بنداء عام إلى جميع الناس يذكرهم ربهم تبارك وتعالى فيه بنعمه عليهم وأجل هذه النعم خلقه تعالى لهم إبداعاً من العدم وتوليهم برحمته ورزقهم من السماء والأرض، وكان من حق هذا الإله المنعم المتفضل بالإحسان ألا يتخذ إله غيره، ولكن هؤلاء الكافرين عدلوا عنه إلى غيره، وانصرفوا عن عبادته إلى آلهة أصنام وأوثان عبدوها من دونه وكذبوا رسله، فحاكاهم هؤلاء المشركون الذين كذبوا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وسخروا من دعوته، واغتروا بما في أيديهم من زخرف الدنيا ومتاعها مما حملهم عليه الشيطان لعداوته لكل إنسان كما أخبر الله تعالى في قوله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) ثم توعدهم بشديد العذاب إن ظلوا على كفرهم
وشركهم وإنكارهم فضل الله عليهم وإحسانه إليهم، وعقب ذلك بوعد منه تعالى للمؤمنين العاملين الصالحات فأبان أن لهم جزاء إيمانهم وصالح عملهم مغفرة وأجراً كبيراً.
ثم جاءت الآية موضع البحث (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) الآية، والاستفهام في هذا إنكاري ينطوي على تنديد وتقريع لأولئك المشركين الذين اتبعوا ما زين لهم الشيطان من سوء عملهم فرأوه عملاً حسناً وهم لا يعقلون أن مرد الهدى والضلال إلى الله تعالى (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بعدله لسوء استعداد المكلف وخبث فطرته (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بفضله ورحمته وتوفيقه لما جبله عليه الخير والاستعداد لتقبل الحق والإيمان به.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمان قومه من أولئك المشركين إرادة استنقاذهم من عذاب الله تعالي، وخلودهم في دار الجحيم بالغ صلى الله عليه وسلم في ذلك الجهد، وبذل ما هو فوق طاقته ليهديهم، فأراد الله تعالى من نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يقصر من هذا الجهد، ويكف عن بعضه إبقاء على نفسه وقوته حتى يستطيع أداء رسالته وتبليغها في حدود مهمته التي أخبر الله عنها بقوله تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) وقوله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) فقال له ناهياً مشفقاً رحيماً به (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).