الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم تلطف الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم إظهاراً لحفاوته به وإعلاء لمقامه بما زاد في تأديب الزوجات الطاهرات متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أي جامعات للكمال في إسعاده صلى الله عليه وسلم حساً ومعنى فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده وإدخال السرور عليه بما يفرغ قلبه عن حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم وهو تبليغ رسالته وتعليم أمته وإعطاؤها الأسوة الحسنة به لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس.
* * *
(قصة نزول عبس وتولى)
ومن آيات هذا البحث من النوع الثالث من أنواع العتاب صدر سورة عبس وهو قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)).
وقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه الأعمى -وهو ابن أم مكتوم وأشهر الأقوال في اسمه أنه عبد الله القرشي العامري وهو من سابقي المهاجرين- يطلب الهداية والعلم منه صلى الله عليه وسلم،
وهو ينادي -كما في موطأ الإمام مالك رحمه الله " يا محمد استدنني " وفي رواية الترمذي " يا رسول الله أرشدني " وفي بعض الروايات " يا رسول الله علمني مما علمك الله ".
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغولاً يتحدث في شأن رسالته والدعوة إلى الله تعالى مع صناديد قريش وأعيانها الذين ذكر المفسرون منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف أو أخاه أبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب.
وكان ابن أم مكتوم ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهير ويشبه أن يكون أنه لم يعرف اشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم بدعوتهم إلى الله تعالى.
وقد اتفق جمهور المفسرين على أن فاعل " عبس وتولى " هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعوا على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في ابن أم مكتوم.
وأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفاً برسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة.
وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول صلى الله عليه وسلم من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.
ثم قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) في هذه الآية تذكير له صلى الله عليه وسلم بأن ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من التقطيب والإعراض -بسبب قطع الأعمى لحديثه المستمر مع من يدعوه إلى الله تعالى- ليس من سجيته الكريمة صلى الله عليه وسلم، ولا مما يصلح أن يكون منه صلى الله عليه وسلم لما ينبغي أن يقابل به الأعمى طالب الهداية من التلطف والرأفة والرحمة به وبكل من جاء يطلب هداية الله تعالى ويسمع آياته، ويتعلم منه صلى الله عليه وسلم مما علمه الله تعالى، ولا سيما إذا كان في حال ابن أم مكتوم في عذره بالعمى الذي حجب عنه من كان يتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله لم يسمع الحديث لأن المتعارف في أحاديث هؤلاء الكبراء أن تكون أقرب إلى الهمس منها إلى الجهارة.
وإبراز تزكية الأعمى ابن أم مكتوم - في أسلوب الترجي فيه إشعار بأنه لم يكن إذ ذاك مسلماً، ولا سيما إذا انضم إلى هذا ما ورد في موطأ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - من قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم " يا محمد استدنني ".
وقد ذهب السهيلي -في الروض الأنف- إلى ترجيح عدم إيمانه حين جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده القوم فقال: ". . مع أنه -أي الأعمى- لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) الآية، ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. . وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل في الإيمان من قبل -والله أعلم- وإنما دخل فيه
بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله رضي الله عنه:" استدنني يا محمد " ولم يقل استدنني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكي عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، (ولعل) تعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي والله أعلم ".
أما قوله تعالى (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فهو معطوف على قوله " يزكى " الواقع خبراً لحرف الرجاء " لعل " فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله " لعله يزكى " يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان وهذا قول ابن زيد حيث فسر " يزكى " بـ " يسلم " -كما نقله الطبري عنه- الذي يدل على أنه- حسب تفسيره- لم يكن قد أسلم بعد.
ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلي في اختياره عدم إيمانه حين مجيئه.
وقوله " أَوْ يَذَّكَّرُ " أي بعد إيمانه يتذكر ما علم عن دلائل الإيمان وبراهينه ما عسى أن يكون قد غاب عنه أو نسيه.
أما قوله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)) فهذا من قبيل البدء في المقابل بعد الانتهاء من طرف الحديث الأول.
ويراد بالمستغني إما شخص، أو أشخاص على حسب ما جاء في روايات أسباب النزول، ففى بعضها أنه الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه أمية بن خلف، وفي بعضها أنه عظيم من عظماء المشركين ولم يسمه، وفي بعضها ناس من وجهاء المشركين منهم أبو جهل وعتبة.
والتعبير بقوله " استغنى " فيه دلالة على الجحود استكباراً وعناداً وتعالياً بما في الأيدي من نشب الدنيا.
ثم قال تعالى (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أن هذا المستكبر المستغي المعاند الذي عرف الحق فلم يقبل عليه ولم يقبله، وقد عرفت ذلك من سابق حاله معك فأنت تتصدى له وتتعرض لدعوته، وتحرص على إسلامه وهو- في مقابل إعراضه واستغنائه- أحق بالإعراض والتولي ممن جاءك يسعى لطلب الهداية والإيمان.
ثم قال تعالى في حق هذا المستغني عن الإيمان والهداية مع الإقرار بحقيتهما: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) بياناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن التزكي والتطهر بقبول الإيمان والهداية لا يتوقف على الأشخاص ومكانتهم في هذه الحياة الدنيا من الثراء والتفاخر بكثرة الأولاد والأموال والإعتزاز بالقبلية وكثرة الاتباع والأعوان.
ثم قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي لطلب الإيمان والهداية أو لطلب الإزدياد في العلم بما أنزل الله من أحكام الشريعة، (وَهُوَ يَخْشَى) أي يخاف من الله تعالى، ومن عذابه (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي بالحديث مع المستغني المستكبر المعاند حرصاً على دخوله الإسلام طمعاً في أن يسلم
بإسلامه اتباعه، مع أن الإقبال على الذي جاء يسعى وهو يخشى أحق وأولى لمجيئه راغباً، ولا سيما أن الله تعالى ذكره بوصف جعله عذراً له في مناداته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبه الهداية وفي أحقيته بالترفق به والإحسان إليه بحسن الاستقبال.
هذا هو رأي جمهور المفسرين من السلف والخلف في فهم هذه الآيات الكريمة.
وقد حكى الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الداودي شارح البخاري أن فاعل (عبس)" هو الكافر " الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يرتض الحافظ هذا القول فوصفه بالغرابة لعدم اختلاف السلف -كما قال- في أن فاعل عبس هو النبي صلى الله عليه وسلم ".
وقد نقل القاضي عياض هذا القول -في الشفاء- عن أبي تمام.
وقد رده شارحا الشفاء الشهاب الخفاجي وعلى القاري في شرحيهما فقال الشهاب -في رده-: " وهو قول -أي القول بأن فاعل عبس هو الكافر- في غاية الضعف بعيد عن السياق، والذي عليه المفسرون أنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال علي القاري في رده هذا القول: " وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كاد في مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع ".
وظاهر الآيات يرد قول الداودي، لأن سياقها ظاهره الإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يحدّث بعض عظماء المشركين حين جاءه الأعمى يطلب الهداية والتعليم، ويؤيد هذا أن ضمير الخطاب في قوله تعالى (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) متعين لأن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس أبو تمام الشاعر ممن يعرف بين علماء التفسير أو الحديث بشيء وإنما هو رجل شاعر حكيم في شعره، ولا ندري من أين استقى هذا الرأي، ولا يدخل في دائرة العقول أن يكون الداودي شارح صحيح البخاري قد أخذ هذا القول عنه ".
ثم بيّن الله تعالى أن الهداية والإيمان ليست مرتبطة بالأشخاص وحالاتهم من فقر وضر أو ثراء ومكانة في الحياة الدنيا فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12)). وإنما هي تذكرة ينتفع بها من في قلوبهم استعداد لقبول الهداية، ولو كانوا من أهل الفقر والضر.
وهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ختم الله تعالى به الآيات ليبين لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه في رسالته الخاتمة للرسالات الإلهية لا ينبغي له أن يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كل من تشرف بإتباعها.
ْولا شك أن أهل الفقر والضر في الناس أكثر عدداً من أهل الثراء والمعافاة.
وأهل الضر والفقر هم أحوج إلى المواساة والترفق بهم لإدخالهم فِي حظيرة الإيمان ليكون الإيمان عدتهم على تحمل شدائد الحياة والصبر على نوائبها لما في الإيمان من رضى بالله تعالى وقضائه والتسليم بشرائعه وأحكامه.
وفي هذه الآية ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية- التي عليه صلى الله عليه وسلم أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم- فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغ رسالته ونهجه صلى الله عليه وسلم في إيصالها إلى جميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
* * *