المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(قصة نزول عبس وتولى) - آيات عتاب المصطفى في ضوء العصمة والإجتهاد

[عويد المطرفي]

فهرس الكتاب

- ‌خطبة الكتاب

- ‌خطر المناهج الأجنبية على المسلمين

- ‌المقدمة

- ‌من مفتريات أعداء الله ورسوله

- ‌انسياق وغفلة

- ‌أسباب كتابة هذا البحث

- ‌منهجية البحث والتناول

- ‌الباب الأولعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

- ‌العصمة في اللغة

- ‌حاصل ما تدل عليه أقوال أهل اللغة

- ‌العصمة في الاصطلاح

- ‌نشأة التعريف الاصطلاحي

- ‌تعريف الراغب ودلالته

- ‌تعريف الحافظ ابن حجر

- ‌تعريف السعد

- ‌اتفاق التعريفين في المآل والثمرة

- ‌تعريف ابن الهمام

- ‌تعريف الحكماء

- ‌جمع اللقاني معاني التعريفات

- ‌ما تنتهي إليه تعريفات العلماء للعصمة اصطلاحاً

- ‌مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

- ‌ عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل البعثة

- ‌اعتراض وجوابه

- ‌الاستدلال رواية على عصمة الأنبياء قبل النبوة

- ‌الانتصار لصحة هذا الحديث

- ‌وجوه صحة هذا الحديث

- ‌عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد البعثة

- ‌عصمة الأنبياء من الكذب

- ‌منع السهو والنسيان على الأنبياء في التبليغ

- ‌انتصار ابن تيمية للقول بعصمة الأنبياء في التبليغ

- ‌إجماع العلماء على القول بوجوب عصمة الأنبياء في التبليغ

- ‌تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر

- ‌مسالك التكليف

- ‌وجه القول بأن جميع الذنوب كبائر

- ‌جمع الحافظ ابن حجر بين قولي ابن عباس في الكبائر

- ‌الاستدلال بالقرآن والسنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر

- ‌الأدلة من السنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر

- ‌الأدلة من أقوال الصحابة والتابعبن على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر

- ‌خطر القول بأن جميع الذنوب كبائر

- ‌عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها

- ‌وجوه الاستدلال على عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر

- ‌توافر وسائل الرواية على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من جميع الذنوب

- ‌الباب الثانيالاجتهاد

- ‌تعريف الاجتهاد لغة

- ‌تعريف الاجتهاد اصطلاحاً

- ‌الفرق بين اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاد علماء أمته

- ‌اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌أدلة المانعين لاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌أدلة الجمهور على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌أدلتهم من السنة

- ‌أظهر أدلتهم العقلية

- ‌أدلة القائلين بجواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم في الحروب فقط

- ‌الباب الثالث

- ‌معنى العتاب

- ‌تباين أسلوب الآيات المكية والمدنية في تربية الله للنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ما يلمح من شدة العتاب فيراد به تربية المجتمع

- ‌العتاب في اللغة

- ‌منهجي في التعرف على آيات العتاب

- ‌أنواع عتاب الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام:

- ‌الذنب

- ‌اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل

- ‌إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم

- ‌دلالة أمره تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر

- ‌دلالة أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار في سورة محمد

- ‌دلالته في آية سورة الفتح

- ‌تهنئة وتطلع

- ‌التوبة

- ‌التوبة لغة

- ‌اختلاف التوبة باختلاف التائبين

- ‌آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم

- ‌النوع الأول

- ‌الحال الأول من عتاب التوجيه

- ‌من تَلَطُّف الله برسوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب

- ‌الحال الأولى

- ‌الحال الثانية

- ‌حراسة فتيان بني هاشم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌العباس أحد حراس رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(ملازمة العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(قدوم البراء وكعب ابن مالك على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(حضور العباس بيعة العقبة الكبرى)

- ‌(أسباب حراسته صلى الله عليه وسلم بمكة)

- ‌(أسباب حراسته صلى الله عليه وسلم بالمدينة)

- ‌(حراسة أبي أيوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بنائه بصفية)

- ‌(مشروعية حراسة ولي الأمر)

- ‌(وثوق الرسول صلى الله عليه وسلم بعصمة الله له)

- ‌ظهور القول بمكية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)

- ‌القسم الأول من عتاب التوجيه

- ‌(الحرج لغة)

- ‌(الغرض من النهي عن الحرج من الإنذار بالقرآن)

- ‌(من جميل التلطف في الخطاب برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(ثانية آيات العتاب التوجيهي)

- ‌ما يدل عليه التعبير بـ (لعل) في هذه الآية

- ‌(موطن العتاب في هذه الآية الكريمة)

- ‌(الآية الثالثة)

- ‌(موطن العتاب فيها)

- ‌(عتاب الدفع وتقوية العزيمة)

- ‌القسم الثاني من عتاب التوجيه

- ‌(آيات عتاب الإقصار)

- ‌(تضمُّن القرآن وجوه الخير)

- ‌(التلطف والإشفاق برسول الله صلى الله عليه وسلم في توجيه الخطاب إليه)

- ‌(موطن العتاب في الآية)

- ‌(موضع العتاب من هذه الآية)

- ‌الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار

- ‌(موضع العتاب منها)

- ‌(محصلة هذا النوع من العتاب التلطف به)

- ‌النوع الثاني عتاب التنبيه

- ‌(الغرض من هذا النوع)

- ‌(حصر آيات هذا النوع من العتاب)

- ‌(أولى آيات هذا النوع من العتاب)

- ‌(تهديد المتقاعسين عن الخروج إلى غزوة تبوك)

- ‌(إظهار نوايا المنافقين للتحذير منهم)

- ‌(موضع العتاب من الآية)

- ‌(بيان وجه الصواب في الإذن لهم بالقعود)

- ‌(نفي الإيمان عن المستأذنين)

- ‌(ظهور عداوة المنافقين توجب منعهم من الخروج مع جيش المؤمنين)

- ‌(وجوه صواب إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين بالقعود عن الخروج معه)

- ‌(خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي)

- ‌(جفوة التعبير دليل ضعف في التفكير)

- ‌(تلطف في التعبير لا عتاباً له)

- ‌(إجراء الخطاب على وجهه خير من تأويله)

- ‌(موضع العتاب في هذه الآية)

- ‌(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)

- ‌(نفي التخيير عن دلالة هذه الآية)

- ‌(إفادة العدد سبعة)

- ‌(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر)

- ‌(الرد على الزمخشري)

- ‌(التماس وجه القول لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله ابن أبي)

- ‌(النهي عن الاستغفار للمشركين)

- ‌(نفي التهيؤ للفعل أبلغ من نفي الفعل)

- ‌(موقع العتاب من هذه الآية)

- ‌(إيجاب تعليق عموم الأعمال على مشيئة الله)

- ‌(وجه كون الخطاب بهذه الآية عتاباً)

- ‌النوع الثالث عتاب التحذير

- ‌(آيات عتاب التحذير)

- ‌(تفصيل القول في الموضع الأول من هذه الآيات)

- ‌(الأمر بالتزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس)

- ‌(ما يدل عليه توسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين)

- ‌(تصوير حال المختانين أنفسهم)

- ‌(وصفهم بسوء ما بيتوا للتحذير من الاغترار بمثل ما تجمعوا عليه)

- ‌(التمويه بالجدل الكاذب في الدنيا لا ينجي من عذاب الآخرة)

- ‌(فتح باب التوبة للتائبين)

- ‌(قطع أطماع المنافقين في حجب الحقيقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(موضع العتاب في هذه الآية)

- ‌(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)

- ‌(تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى المشركين)

- ‌(الرد على المستهينين بالفقراء من المؤمنين)

- ‌(ما فتن به المستكبرون عن قبول الإيمان)

- ‌(ما يكون به علو المنزلة عند الله ورسوله)

- ‌(موضع العتاب من هذه الآية)

- ‌(الربط بين آية سورة الأنعام وآية سورة الكهف الناهيتين عن طرد الذين يدعون ربهم)

- ‌(اختصاص الله بعلم الغيب وانفراده بالحكم في خلقه)

- ‌(تيئيس رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجاء إيمان المستكبرين)

- ‌(تهديدهم بالعذاب الشديد)

- ‌(وجه العتاب في الآية)

- ‌(النهي عن استبقاء الأسرى)

- ‌(توجيه وجه الخطاب بالآية الكريمة)

- ‌(تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إرادة شيء من الدنيا)

- ‌(موضع العتاب من الآية)

- ‌(المعاتبون بالآية)

- ‌(إشارة إلى اختلاف العلماء في بيان الإبهام بالمراد بالكتاب الذي سبق)

- ‌(قرار الصحابة بأخذ الفداء)

- ‌(لا عتاب على الفداء ولا على أخذ الغنيمة)

- ‌(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)

- ‌(وجه القول بأن في الآية عتاباً)

- ‌(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(تزويج الله عز وجل زينب بنت جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(ما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه)

- ‌(احتمالات ما يدل عليه الخطاب بهذه الآية الكريمة)

- ‌(ما كان يخشاه من الناس)

- ‌(التشريع المقصود بهذه الآية الكريمة)

- ‌(التنويه بزيد بن حارثة ووجه ذلك)

- ‌(رد الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌(وجه تقديم نفي الحرج عن المؤمنين على نفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(رفع الحرج عن المجتمع المؤمن بإبطال عادة التبني)

- ‌(تنزه كثير من أهل العلم عن أقوال القصاص)

- ‌(مذهب السلف إثبات ما أثبته القرآن الكريم)

- ‌(العمل على إبطال التعاظم بالأنساب والأحساب)

- ‌(بدء التنافر بين قلبي زينب وزيد بن حارثة)

- ‌(الله المزوِّج وجبريل الشاهد)

- ‌(الخير العام في كل من زواج زييد بن حارثة بزينب بنت جحش وطلاقه لها)

- ‌(آية آخرى في عتاب التحذير)

- ‌(المنع المحرم وغير المحرم)

- ‌(التحليل والتحريم خاص بالله)

- ‌(ما يدل عليه تصدير الآية بندائه بوصف النبوة)

- ‌(ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه)

- ‌(موئل العتاب من هذه الآية)

- ‌(قصة نزول عبس وتولى)

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌(قصة نزول عبس وتولى)

ثم تلطف الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم إظهاراً لحفاوته به وإعلاء لمقامه بما زاد في تأديب الزوجات الطاهرات متمشياً مع أسلوب الزجر والتهديد فقال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أي جامعات للكمال في إسعاده صلى الله عليه وسلم حساً ومعنى فلا يعصين له أمراً، ولا يخالفن له نهياً، يعملن على إسعاده وإدخال السرور عليه بما يفرغ قلبه عن حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم وهو تبليغ رسالته وتعليم أمته وإعطاؤها الأسوة الحسنة به لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس.

* * *

(قصة نزول عبس وتولى)

ومن آيات هذا البحث من النوع الثالث من أنواع العتاب صدر سورة عبس وهو قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)).

وقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه الأعمى -وهو ابن أم مكتوم وأشهر الأقوال في اسمه أنه عبد الله القرشي العامري وهو من سابقي المهاجرين- يطلب الهداية والعلم منه صلى الله عليه وسلم،

ص: 304

وهو ينادي -كما في موطأ الإمام مالك رحمه الله " يا محمد استدنني " وفي رواية الترمذي " يا رسول الله أرشدني " وفي بعض الروايات " يا رسول الله علمني مما علمك الله ".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغولاً يتحدث في شأن رسالته والدعوة إلى الله تعالى مع صناديد قريش وأعيانها الذين ذكر المفسرون منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف أو أخاه أبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب.

وكان ابن أم مكتوم ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهير ويشبه أن يكون أنه لم يعرف اشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم بدعوتهم إلى الله تعالى.

وقد اتفق جمهور المفسرين على أن فاعل " عبس وتولى " هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعوا على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في ابن أم مكتوم.

وأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفاً برسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة.

ص: 305

وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول صلى الله عليه وسلم من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.

ثم قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) في هذه الآية تذكير له صلى الله عليه وسلم بأن ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من التقطيب والإعراض -بسبب قطع الأعمى لحديثه المستمر مع من يدعوه إلى الله تعالى- ليس من سجيته الكريمة صلى الله عليه وسلم، ولا مما يصلح أن يكون منه صلى الله عليه وسلم لما ينبغي أن يقابل به الأعمى طالب الهداية من التلطف والرأفة والرحمة به وبكل من جاء يطلب هداية الله تعالى ويسمع آياته، ويتعلم منه صلى الله عليه وسلم مما علمه الله تعالى، ولا سيما إذا كان في حال ابن أم مكتوم في عذره بالعمى الذي حجب عنه من كان يتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله لم يسمع الحديث لأن المتعارف في أحاديث هؤلاء الكبراء أن تكون أقرب إلى الهمس منها إلى الجهارة.

وإبراز تزكية الأعمى ابن أم مكتوم - في أسلوب الترجي فيه إشعار بأنه لم يكن إذ ذاك مسلماً، ولا سيما إذا انضم إلى هذا ما ورد في موطأ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - من قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم " يا محمد استدنني ".

وقد ذهب السهيلي -في الروض الأنف- إلى ترجيح عدم إيمانه حين جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده القوم فقال: ". . مع أنه -أي الأعمى- لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) الآية، ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. . وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل في الإيمان من قبل -والله أعلم- وإنما دخل فيه

ص: 306

بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله رضي الله عنه:" استدنني يا محمد " ولم يقل استدنني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكي عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، (ولعل) تعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي والله أعلم ".

أما قوله تعالى (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فهو معطوف على قوله " يزكى " الواقع خبراً لحرف الرجاء " لعل " فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله " لعله يزكى " يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان وهذا قول ابن زيد حيث فسر " يزكى " بـ " يسلم " -كما نقله الطبري عنه- الذي يدل على أنه- حسب تفسيره- لم يكن قد أسلم بعد.

ولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلي في اختياره عدم إيمانه حين مجيئه.

وقوله " أَوْ يَذَّكَّرُ " أي بعد إيمانه يتذكر ما علم عن دلائل الإيمان وبراهينه ما عسى أن يكون قد غاب عنه أو نسيه.

أما قوله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)) فهذا من قبيل البدء في المقابل بعد الانتهاء من طرف الحديث الأول.

ص: 307

ويراد بالمستغني إما شخص، أو أشخاص على حسب ما جاء في روايات أسباب النزول، ففى بعضها أنه الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه أمية بن خلف، وفي بعضها أنه عظيم من عظماء المشركين ولم يسمه، وفي بعضها ناس من وجهاء المشركين منهم أبو جهل وعتبة.

والتعبير بقوله " استغنى " فيه دلالة على الجحود استكباراً وعناداً وتعالياً بما في الأيدي من نشب الدنيا.

ثم قال تعالى (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أن هذا المستكبر المستغي المعاند الذي عرف الحق فلم يقبل عليه ولم يقبله، وقد عرفت ذلك من سابق حاله معك فأنت تتصدى له وتتعرض لدعوته، وتحرص على إسلامه وهو- في مقابل إعراضه واستغنائه- أحق بالإعراض والتولي ممن جاءك يسعى لطلب الهداية والإيمان.

ثم قال تعالى في حق هذا المستغني عن الإيمان والهداية مع الإقرار بحقيتهما: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) بياناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن التزكي والتطهر بقبول الإيمان والهداية لا يتوقف على الأشخاص ومكانتهم في هذه الحياة الدنيا من الثراء والتفاخر بكثرة الأولاد والأموال والإعتزاز بالقبلية وكثرة الاتباع والأعوان.

ثم قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي لطلب الإيمان والهداية أو لطلب الإزدياد في العلم بما أنزل الله من أحكام الشريعة، (وَهُوَ يَخْشَى) أي يخاف من الله تعالى، ومن عذابه (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي بالحديث مع المستغني المستكبر المعاند حرصاً على دخوله الإسلام طمعاً في أن يسلم

ص: 308

بإسلامه اتباعه، مع أن الإقبال على الذي جاء يسعى وهو يخشى أحق وأولى لمجيئه راغباً، ولا سيما أن الله تعالى ذكره بوصف جعله عذراً له في مناداته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبه الهداية وفي أحقيته بالترفق به والإحسان إليه بحسن الاستقبال.

هذا هو رأي جمهور المفسرين من السلف والخلف في فهم هذه الآيات الكريمة.

وقد حكى الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الداودي شارح البخاري أن فاعل (عبس)" هو الكافر " الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يرتض الحافظ هذا القول فوصفه بالغرابة لعدم اختلاف السلف -كما قال- في أن فاعل عبس هو النبي صلى الله عليه وسلم ".

وقد نقل القاضي عياض هذا القول -في الشفاء- عن أبي تمام.

وقد رده شارحا الشفاء الشهاب الخفاجي وعلى القاري في شرحيهما فقال الشهاب -في رده-: " وهو قول -أي القول بأن فاعل عبس هو الكافر- في غاية الضعف بعيد عن السياق، والذي عليه المفسرون أنه النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 309

وقال علي القاري في رده هذا القول: " وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كاد في مقام النزاع أن يكون مخالفاً للإجماع ".

وظاهر الآيات يرد قول الداودي، لأن سياقها ظاهره الإخبار عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يحدّث بعض عظماء المشركين حين جاءه الأعمى يطلب الهداية والتعليم، ويؤيد هذا أن ضمير الخطاب في قوله تعالى (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) متعين لأن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وليس أبو تمام الشاعر ممن يعرف بين علماء التفسير أو الحديث بشيء وإنما هو رجل شاعر حكيم في شعره، ولا ندري من أين استقى هذا الرأي، ولا يدخل في دائرة العقول أن يكون الداودي شارح صحيح البخاري قد أخذ هذا القول عنه ".

ص: 310

ثم بيّن الله تعالى أن الهداية والإيمان ليست مرتبطة بالأشخاص وحالاتهم من فقر وضر أو ثراء ومكانة في الحياة الدنيا فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12)). وإنما هي تذكرة ينتفع بها من في قلوبهم استعداد لقبول الهداية، ولو كانوا من أهل الفقر والضر.

وهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ختم الله تعالى به الآيات ليبين لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه في رسالته الخاتمة للرسالات الإلهية لا ينبغي له أن يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كل من تشرف بإتباعها.

ْولا شك أن أهل الفقر والضر في الناس أكثر عدداً من أهل الثراء والمعافاة.

وأهل الضر والفقر هم أحوج إلى المواساة والترفق بهم لإدخالهم فِي حظيرة الإيمان ليكون الإيمان عدتهم على تحمل شدائد الحياة والصبر على نوائبها لما في الإيمان من رضى بالله تعالى وقضائه والتسليم بشرائعه وأحكامه.

ص: 311

وفي هذه الآية ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية- التي عليه صلى الله عليه وسلم أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصاً على إيمانهم- فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغ رسالته ونهجه صلى الله عليه وسلم في إيصالها إلى جميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

* * *

ص: 312