الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم " فقال: " سأزيده سبعين ".
وحديث ابن عمر الذي أوردنا المطلوب منه وما جرى مجراه من سائر الروايات التي تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم التخيير من الآية الكريمة وأن العدد فيها للتحديد قد توقف في قبوله بعض الأكابر من الأئمة والنظار من أهل العلم كالقاضي أبي بكر الباقلاني الذي قال: " هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها "، وإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي والداودي أحد شراح صحيح البخاري.
* * *
(نفي التخيير عن دلالة هذه الآية)
وحجتهم في التوقف عن قبوله أن فهم التخيير في الآية يتنافى مع ما جرت عليه أساليب اللغة من أن هذا الأسلوب يجري مجرى الإخبار المقتضي للتسوية بين الاستغفار وعدمه في عدم حصول أية فائدة للمنافقين بدليل قوله في الآية (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) والإشارة تعني التعليل للإخبار المفهوم من التسوية في الآية فكأن عدم الغفران لهم -وهو الخبر المقصود من الآية- معلل بكفرهم وعدم توفيقهم إلى الحق وموتهم على الفسق والخروج عن جادة الإيمان.
* * *
(إفادة العدد سبعة)
والمعروف أيضاً أن الأعداد -ولا سيما عدد سبعة وعدد سبعين- إنما تذكر لإفادة التكثير والمبالغة لا لإفادة التحديد الذي لو زيد عليه تغير المقصود.
قال ابن الأثير في النهاية: " وقد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة فِى القرآن والحديث والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) وكقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها ".
وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: ". . . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً. . بل المراد بهذا هو المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة غاية المبالغ ".
فنسبة فهم التخيير من الآية الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأن العدد فيها للتحديد لا للتكثير مستبعدة جداً بل هي إلى المحال أقرب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أفصح من نطق بالضاد، وهو أعرف الناس بالبيان القرآني وأساليبه لأنه القيم على فهمه وإفهامه كما أريد من معانيه وحقائقه ولا يمكن أن يفهم
جميع البلغاء من أهل العناية بالبيان القرآني التسرية في الآية وينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك من فهم التخيير، وتحديد العدد ويقول:" إنما خيرني الله، وسأزيد على السبعين ".
ويزيد في بيان وجه توقف بعض النظار من أهل العلم عن قبول حديث عبد الله بن عمر ما ذكره صاحب تفسير المنار من أن " حديث معارضة عمر بطريقيه " مشكل ومضطرب من وجوه:
1 -
جعل الصلاة على ابن أبي سبباً لنزول آية النهي وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر وغزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها.
2 -
قول عمر للنبي صلى الله عليه وسلم وقد نهاك ربك أن تصلي عليه " يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي - وقوله بعده فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. . .). الخ، صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه.
3 -
قوله أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى خيّره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من " أو " فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو
غيره أصح من فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطاب الله له ولذلك أنكر بعضهم صحته.
4 -
التعارض بين رواية " فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت له " ورواية " وسأزيد على السبعين ".
5 -
التعارض بين إعطائه صلى الله عليه وسلم قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه صلى الله عليه وسلم لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه.
6 -
إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم.
ثم أورد صاحب تفسير المنار كلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بالآيات رروايات الأحاديث فيها وعلق عليه فقال: " أقول حاصل ما لخصه الحافظ من أقوال العلماء في هذه المسألة وهو من أوسع حفاظ الملة إطلاعاً أنه لا يمكن الجمع بين القرآن والحديث فيها على وجه مقبول إلا إذا فرضنا أن آية النهي عن الصلاة عليهم قد نزلت بعد الصلاة على ابن أبي وهو وإن كان خلاف ظاهر السياق لا مانع منه عقلاً، ولكن يبعد جداً أن تكون آية الاستغفار للمنافقين قد نزل صدرها أولاً ثم نزل باقيها متراخياً بعد سنة أو أكثر أي بعد الصلاة على ابن أبي، وكذا تأويل قول
عمر: " وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين " بأنه يعني بالصلاة الاستغفار، وإذا سلمنا نزول صدر آية من سياق طويل كآية براءة في سنة، ونزول باقيها في سنة أخرى على بعده، فماذا نقول في آية سورة المنافقين، وقد نزلت قبل آية براءة بأربع سنين في غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس من الهجرة، وهى أصرح في التسرية بين الاستغفار وعدمه؟.
الحق أن هذا الحديث معارض للآيتين فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البخاري. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، والفروع أكثر من الأصول فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن أحفظ حفاظهم. ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحاً، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن اطمئن قلبه لما ذكررا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن، والتماس عذر لرواة الحديث بنحو مما ذكرناه في تعارض أحاديث الدجال ". أ. هـ