الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السفر، وشدائد الرحلة مما يتطلب أهبة واستعداداً كبيراً.
الوجه الثاني: قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ) وكَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ معناه عدم إرادته لخروجهم مع المؤمنين لئلا يفسدوا عليهم حالهم في تصميمهم على الجهاد في سبيل الله، وترحيبهم بالاستشهاد أملاً في رضا الله تعالى، ونشراً لدينه، ونصراً لرسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثالث: قوله (فَثَبَّطَهُمْ) وهذا تصوير لعدم إرادة الله خروجهم بعدم أخذهم الأهبة والاستعداد للخروج فقذف في قلوبهم الوهن والتكاسل دون إعداد العدة للخروج، ثم ختم ذلك بقوله (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم بالقعود، فكأنه قول الله تعالى، وهو مؤكد في المعنى لقوله (فَثَبَّطَهُمْ).
* * *
(خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي)
ثالثاً - قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)).
وهذه الآيات كسابقتها تظهر أن الإذن لهؤلاء المنافقين بالقعود كان صحيحاً من وجوه أيضاً:
الوجه الأول: قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وهذه جملة شرطية صريحة في بيان ما انطوت عليه أنفسهم من العمل المفسد للمجتمع الإسلامي، وإيقاع الخبال فيه، والفتن التي تذهب بقوة الجيش وتوهن عزائمه.
والتعبير بقوله (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) المقتضي لوجود أصل الخبال في جمهرة المسلمين إنما يقصد إلى بعض ضعفاء الإيمان الذين يسمعون إلى قول المنافقين، ويتأثرون به في ضعف عزائمهم، ورعب قلوبهم، وخوفهم من ملاقاة العدو، وهم المقصودون بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ).
الوجه الثاني: قوله (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ومعنى هذا أن الله تعالى يصف هؤلاء المنافقين بأنهم سراع الحركة والتوثب بين جماعات المسلمين لإلقاء الأكاذيب والمفتريات تخذيلاً لهم، وفتنة لأنفسهم لصرفهم عن معالي أمور الجهاد، ثم أكد هذا الأمر بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي أن هذه المجتمعات الكبيرة المتعددة الأفراد والطوائف، المتعرضة لأشق ما يتعرض له المجاهدون لا تخلو عن ضعاف النفوس الذين يفرقرن بمجرد سماع الإشاعات والأكاذيب، فإذا سمعوا من المنافقين أكاذيبهم فى افتراءاتهم تخاذلوا عن جهادهم ومواقفتهم للعدو في صفوف المؤمنين.
ثم ختم الله تعالى بما يسجل أظلم الظلم على هؤلاء المنافقين، وقد تضمن ذلك وعيداً شديداً لهم على ما أضمروا في أنفسهم من إحداث الفتن بين المؤمنين، والإبهام في الوعيد أشد من التصريح به.
الوجه الثالث: قوله (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)). وهذا بيان لما جبل عليه هؤلاء المنافقون من إحداث الفتن، وإشاعة المخاوف بين المجتمع الإسلامى، فذكر الله تعالى أن هذا ديدنهم وعادتهم من قبل، ففد أحدثوا قبل ذلك عظائم الفتن في المجتمع الإسلامى، كالذي كان منهم في غزوة بني المصطلق وأمثالها، ولكن الله تعالى أوبقهم في موبقاتهم، وأوقعهم فيما دبروه لإفساد مجتمع المؤمنين.
وهذا هو المراد بقوله (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ) أي نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من خلص المؤمنين، وكان المنافقون أكره الناس لهذا النصر، وأبغضهم لا يرون بين المؤمنين من توافق وألفة ومحبة وإخاء.
الوجه الرابع: قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)).وهذا تسجيل عليهم بأنهم مردوا على الكذب، ومرنوا على الفتن، ولما أخبروا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم متوجه إلى تبوك لغزو الروم وفي الروم جمال لنسائهم، وثروات في بلادهم لعلها تطمعهم فِي الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هي عادتهم في حب الدنيا - تعللوا في ترك الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ليس لهم فيه عذر. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: " يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ " قال جد: أتأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو معرض عنه -