الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والإنسان عليها، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثابتة تجعلها متزنة غير مضطربة وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ أي مقدر بقدر فهو موزون بميزان الحكمة لا تصلح فيه زيادة ولا نقصان بحيث لا يطغى نوع على نوع أو على بقية الأنواع، أو جنس على جنس أو على بقية الأجناس
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض مَعايِشَ أي ما يعاش به والمعايش جمع معيشة وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ أي وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين من الأنعام والدواب
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي وما من شئ ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي وما نعطيه إلا بمقدار معلوم على حسب المشيئة والحكمة البالغة والرحمة
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قال ابن كثير: (أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر .. ) وقال النسفي: (وأرسلنا الرياح حوامل بالسحاب لأنها تحمل في جوفها كأنها لاقحة بها من لقحت الناقة حملت
…
). وفي الفوائد عودة على هذا الموضوع. فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي فجعلناه لكم سقيا بأن أنزلناه لكم عذبا منتفعا به وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أي أنتم لستم بقادرين على أن تملكوا خزائنه وتعطوه، أو أنتم لستم قادرين حتى على خزنه. قال ابن كثير:(ويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء الله تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون والآبار والأنهار، وغير ذلك ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم).
أقول: ويحتمل معنى آخر يذكره المفسرون كما سنرى في سورة الفرقان، وهو أن مجموع الماء الموجود في الأرض لا يزيد ولا ينقص، ومن ثم فحبس هذا الماء على الأرض وفي جوّها ما كان ليكون لولا أن الله جعل هذه الأرض على ما هي عليه، فالآية قد يراد بها هذا، أي وما أنتم بحابسين هذا الماء على الأرض وجوها حتى لا يفر من جو الأرض، ولكن الله هو الذي فعل لكم ذلك. وبهذا انتهت المجموعة.
نقل: [لصاحب الظلال حول آيات الله في السماء]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ.
قال صاحب الظلال:
(والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها. وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها في مدارها وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة،
جلاله) عن هذه الظواهر وغيرها بالتفصيل هناك. ولا نرى أن نسهب في هذه وشاهدة بالدقة، وشاهدة بالإبداع الجميل: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ.
وهي لفتة هنا إلى جمال الكون، فليست الضخامة وحدها، وليست الدقة وحدها إنما الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعا، وينشأ من تناسقها جميعا.
وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم، توصوص بنورها ثم يبدو كأنما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد ..
ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهوم، كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد.
إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه، ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة: وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ.
ومع الزينة الحفظ والطهارة: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ لا ينالها ولا يدنسها ولا ينفث فيها من شره ورجسه وغوايته. فالشيطان موكل بهذه الأرض وحدها، وبالغاوين من أبناء آدم فيها. أما السماء- وهي رمز للسمو والارتفاع- فهو مطرود عنها مطارد لا ينالها ولا يدنسها. إلا محاولة منه ترد كلما حاولها: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ.
وما الشيطان؟ وكيف يحاول استراق السمع؟ وأي شئ يسترق؟ كل هذا غيب من غيب الله، لا سبيل لنا إليه إلا من خلال النصوص. ولا جدوى في الخوض فيه، لأنه لا يزيد شيئا في العقيدة؛ ولا يثمر إلا انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه، وبما يعطله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة. ثم لا يضيف إليه إدراكا جديدا لحقيقة جديدة.
فلنعلم أن لا سبيل في السماء لشيطان، وأن هذا الجمال الباهر فيها محفوظ، وأن ما ترمز إليه من سمو وعلى مصون لا يناله دنس ولا رجس، ولا يخطر فيه شيطان، وإلا طورد فطرد وحيل بينه وبين ما يريد).