الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب» . وروى الإمام أحمد .. عن رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب» قال شعبة فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده .. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إليّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا» .
وروى الحافظ أبو بكر البزار .. عن الأغر أبي مسلم- وهو الكوفي- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» .
وروى يحيى بن المعلى بسنده: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحج- أو سورة الكهف- فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» . وروى الإمام أحمد .. عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء، أن قوموا مغفورا لكم، قد بدّلت سيئاتكم حسنات» .
وروى الطبراني .. عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية فخرج يلتمسهم، فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال:«الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم» .
كلمة في السياق: [حول صلة المقطع الأول بمحور السورة وبالسياق القرآني العام]
لاحظنا أن مقدمة سورة الكهف انتهت بقوله تعالى:
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
ثم جاءت قصة أهل الكهف لتعطي نموذجا على من أحسن عملا، ولتقيم الدليل على أن الآخرة الباقية آتية. ثم جاءت الأوامر التي تأمر بلزوم أهل الآخرة، وعدم التطلّع إلى الجلوس مع غيرهم تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثم جاءت الآيتان الأخيرتان لتبين أن الذين ينجحون في الاختبار هم الذين اجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح.
فالمقطع الذي مرّ معنا كله مترابط في خدمة الآيتين اللتين ختمت بهما مقدمة سورة الكهف.
فإذا تذكّرنا أن سورة الكهف محورها زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا .. فإننا نلاحظ أن قصة أهل الكهف، والآيات بعدها، تحرير للمسلم من الإخلاد لزينة الحياة الدنيا،
والركون إلى أهلها، فمن خلال الاقتداء بأهل الكهف، ومن خلال صبر النفس مع أهل الإيمان، ومن خلال النهي عن التطلع لمجالسة أهل الدنيا، والنهي عن طاعة الغافلين، والأمر بقول الحق، ومن خلال التذكير بجزاء المؤمنين والكافرين، يتحرر المؤمن من السقوط في حمأة تزيين الحياة الدنيا.
وإذا تذكرنا أن هذا كله في خدمة الأمر ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً فإننا نلاحظ أن القصة تخدم موضوع الدخول في الإسلام كله؛ إذ تقص علينا قصة النموذج الذي ترك كل شئ من أجل دين الله. ثم تأتي الأوامر بتلاوة القرآن، وبالكون مع أهل الإيمان وبإعلان الحق، كفر من كفر وآمن من آمن، وكلها تخدم موضوع الدخول في الإسلام كله، عدا عن كونها أجزاء من الإسلام يجب التزامها، لأن الله أمرنا بالدخول في الإسلام كله.
فإذا اتضح هذا، عرفنا كيف أن سورة الكهف لها سياقها الخاص المترابط والمرتبط بالسياق القرآني العام.
والآن فلنلاحظ ما يلي:
يرد الآن أمران كل منهما بصيغة وَاضْرِبْ* وكلا الأمرين فيه مثل مرتبط بموضوع الحياة الدنيا، ثم تأتي آيات لها علاقة في الموضوع نفسه؛ ومن ثم فإن ارتباط المقطع اللاحق بمحور سورة الكهف من البقرة واضح. وسنتعرض له فيما بعد. ونحب هنا أن نتحدث عن السياق الخاص لسورة الكهف:
أوصلت مقدمة سورة الكهف إلى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
ثم جاءت آية: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً والتي معناها: لا تحسب أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذا قيست بآيات الله العظمى كتزيين الأرض أو إماتة كل شئ عليها، ثم جاء في سياق القصة نهي. وبعد القصة جاءت أوامر.
ثم يأتي الآن في المقطع اللاحق قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ..
ثم يأتي قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا ..
فالسياق الخاص لسورة الكهف يتوجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يضع قصة أهل الكهف في محلها من آيات الله، وأن يعلق أموره على مشيئة الله. ثم تأتي الأوامر بتلاوة القرآن، والصبر مع أهل الإيمان، وترك أهل الطغيان، وإعلان كلمة الحق. ثم يؤمر عليه الصلاة والسلام بضرب الأمثال عن الدنيا وأهلها، وعن الآخرة وأهلها. فالسياق يربي على كل ما من شأنه الزهد في الدنيا. فقصة أهل الكهف تزهّد في الدنيا، وتلاوة القرآن تلاوة صحيحة تزهّد في الدنيا، والجلوس مع أهل الذكر يزهّد في الدنيا، وترك أهل الدنيا يساعد على الزهد في الدنيا، وإعلان كلمة الحق يساعد على قطع علائق أهل الدنيا، وأن يضرب الإنسان الأمثال لغيره في التزهيد بالدنيا فهذا يزهده في الدنيا، وأن يتمعّن هو في المثل فهذا يزهده في الدنيا. فإذا تذكرنا ما قلناه من قبل:
أن القسم الأول من سورة الكهف هو تفصيل لقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وأن ما بعد ذلك تفصيل لما بعدها، وكل ذلك في خدمة حيّز المحور، يكون ما ذكرناه هنا تدليلا على ما أشرنا إليه من قبل. فلنر المقطع الثاني من السورة:
***