الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخرابها ليزهّد في الميل إليها، وليبعد عن الرسوب بسببها. فقال وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها من هذه الزينة صَعِيداً أي أرضا ملساء جُرُزاً أي يابسا لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة. والمعنى: يعيدها بعد عمارتها خرابا بإماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار، وغير ذلك، أي وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شئ عليها هالكا صعيدا لا ينبت ولا ينتفع به.
كلمة في السياق: [حول صلة مقدمة السورة بالمحور وبقصة أصحاب الكهف]
بدأت السورة بالحمد، ووصفت الكتاب ببعض أوصافه، وعللت حكمة إنزاله وهي التبشير والإنذار، وخصّت المتخذين لله ولدا بإنذار خاص، ثم نهت رسول الله صلّى
الله عليه وسلّم عن الحزن على من لم يؤمن، ثم ذكّرت بحكمة تزيين الحياة الدنيا، وأن ذلك للاختبار، وأن الرسوب والسقوط هو في حسن العمل وسوئه. ثم بيّنت مآل الحياة الدنيا.
فإذا تذكرنا أن محور السورة هو قوله تعالى من سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وأن هذا المحور آت في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان. إذا تذكّرنا هذا ندرك أن مقدّمه سورة الكهف التي مرّت معنا تناسب هذا كله، وقد أوصلت المقدمة إلى حكمة تزيين الحياة الدنيا وهي الاختبار، فإذ يقول الله في سورة البقرة زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
…
نفهم أنّه من السقوط أن تكون الحياة الدنيا مزيّنة لإنسان. ولذلك فسّر النسفي أن حسن العمل الذي هو علامة النجاح في الاختبار هو: (الزهد فيها وترك الاغترار بها). ومن ثم نعلم من المقدمة أن الإيمان والعمل الصالح، والزهد في الدنيا من معالم الإسلام، وأن اتباع القرآن كله هو الاستقامة وهو الإسلام، وأن من خطوات الشيطان الكفر ونسبة الولد إليه، وتزيين الحياة الدنيا. وبعد هذه المقدمة تأتي قصة أهل الكهف. فما الصلة بينها وبين ما قبلها وبين السياق العام؟
1 -
لقد قص الله علينا حكمة الإعثار على أهل الكهف فقال: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها فالحكمة في حادثة أهل الكهف التدليل على البعث بعد الموت، فإذ كانت الآخرة حقا فزينة الحياة الدنيا لا قيمة
لها، وينبغي أن ينجح المسلمون في الاختبار، فالقصة نموذج على نجاح مجموعة في اختبار الحياة الدنيا هم الفتية.
2 -
إذا تذكرنا محور السورة من البقرة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا نلاحظ أن قصة أهل الكهف تحدد لنا نوعا من مواقف الكافرين من المؤمنين وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وفي قصة أهل الكهف نوع فوقية لأهل الإيمان على أهل الكفر وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وفي قصة أهل الكهف ذكر نوع من رزق الله عباده وهو الهداية والرحمة.
3 -
وإذا تذكّرنا أن آية المحور واردة في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله، فإن قصة أهل الكهف نموذج على نوع من الدخول في الإسلام كله، باعتزال الكفر وأهله إذا لم يكن أمن على إيمان وإسلام. إذ المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في الحديث:«يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» . قال ابن كثير: ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها؛ لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.
فقصة أهل الكهف تخدم سياق السورة، والسياق الكلي للقرآن بشكل واضح، وأثناء الكلام عن تفسير القصة سنرى بعض الأمور المتعلقة بالسياق. ونلاحظ أنه بعد ذكر قصة أهل الكهف تأتي مجموعة أوامر ونواه، وتقريرات تبني على قصة أهل الكهف، وهي مرتبطة بمقدمة سورة الكهف، كما هي مرتبطة بمحور سورة الكهف من سورة البقرة.
رأينا أن للآيات الأولى والأخيرة من سورة الكهف صلة بالعصمة من الدّجال الذي يعتبر الأستاذ الندوي أن قيم الحضارة الحالية تشبه القيم الدجالية، ومن ثمّ يتحدث عن هذه الحضارة ومرتكزاتها، وعن محلّ هذه الآيات في وصفها والعلاج منها، قال الأستاذ النّدوي: (مفتاح شخصية الدجّال الذي تفتح به أغلاقها، وتعرف به أعماقها، وتتميز به عن سائر دعاة الشر والإفساد، والكفر والإلحاد، هو لقب «الدجّال» الذي غلب عليه، فهو شعاره الذي يعرف به، والدجل والتدجيل، هو القطب الذي تدور حوله شخصيته، ودعواته، وأعماله، وتصرفاته.
وقد اتسمت الحضارة المادية في العهد الأخير بالتدجيل في كل شئ، والتلبيس على
الناس، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وتمويه الحقائق، وإطلاق الأسماء البراقة الخلابة للعقول على غير مسمياتها، وبكثرة الاختلاف بين الظاهر والباطن، والأول والآخر، والنظريات العلمية، والتجارب العملية، وهذا شأن الشعارات والفلسفات، التي حلت محل الأديان، وسحرت النفوس والعقول، والكلمات التي أحاطت بها هالات التقديس والتمجيد، وحل حبها، واحترامها في قرارة النفوس، وحبات القلوب، وأصبح الشك في قدسها، أو النقاش في كرامتها، ومكانتها علامة للرجعية وإنكارا للبداهة، والمشهود المحسوس، وقد التبس الأمر بذلك على كبار الأذكياء، ونوابغ العلماء، فأصبحوا يتغنون بهذه الشعارات والفلسفات، ويدعون إليها في إيمان وحماس، من غير تمحيص لنية أصحابها وإخلاصهم، أو شجاعة في تحديد نجاحها وإخفاقها في مجال العمل والتطبيق والمقارنة الصحيحة المحايدة، بين ما كسبته الإنسانية والأمم الضعيفة وبين ما خسرته من سلطان هذه الشعارات وتحت رايتها، من السعادة الحقيقية والحقوق الفطرية، وهذا كله من قوة التدجيل وسحره، وقد سرت هذه الروح «الدجلية المدلسة» في هذه الحضارة، لسيرها على خط معارض لخط النبوة: الإيمان بالآخرة، والإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر الكون، وقدرته المطلقة، واحترام شريعته وتعاليمه، والاعتماد الزائد على الحواس الظاهرة والشغف الزائد، بما يعود على الإنسان باللذة البدنية والمنفعة العاجلة، والغلبة الظاهرة، وهي النقطة التي تدور حولها سورة الكهف، وما جاء فيها من قصص وعبر.
وقد كان مع الأسف للمسيحية المحرّفة، وهي التي قادت الحضارة في أوربا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن، ولليهودية الثائرة الموتورة دور متشابه- رغم الخلاف الجذري في العقيدة- في توجيه المدنية إلى المادية الرعناء، المجردة من الروح وتعاليم الأنبياء، والتأثير في مصير الإنسانية على حد سواء، فقد بدأت الشعوب المسيحية التي تحررت من رق الكنيسة والبابوات، وضعفت صلتها- إذا لم نقل تقطعت كليّا- بالمسيحية السمحة، المؤسسة على التوحيد الخالص، فاتجهت اتجاها ماديا عنيفا، أصبح يهدد العالم، ومصير الإنسانية بالاكتشافات العلمية الحديثة، والمخترعات المدمرة المبيدة، وفقدان التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير،
والصناعة والأخلاق.
وقد ساهم اليهود في العهد الأخير- لأسباب يعود بعضها إلى خصائص النسل والدم، وبعضها إلى التعليم والتربية، وبعضها إلى الغايات السياسية، والمشاريع القومية- بأكبر قسط في العلم والفن، والاكتشافات والاختراع، وفي السيطرة على
هذه الحضارة، وتملك زمامها، وتوجيهها في صالحهم، والتأثير في الأدب والتربية، والسياسة والفلسفة، والتجارة والصحافة، ووسائل التوعية والإعلام، حتى أصبحوا العنصر الفعال الرئيسي في قيادة الحضارة الغربية التي ظهرت في بيئة مسيحية، وفي حضانة شعوب آمنت بالمسيح، واحتضنت اسمه هذا العهد الطويل، ويبدو للناظر المتعمق في الحوادث الأخيرة، والمطّلع على مدى نفوذ اليهودية العالمية في المجتمع الغربي، أن هذه الحضارة وما تحوي عليه من علم وفن، ستبلغ نهايتها السلبية، وتصل إلى ذروتها في قوة التدمير، والهدم والإفساد، والتلبيس والتدجيل، على أيدي اليهود الذين مكّن لهم الغرب المسيحي- بغفلة منه وجهل بمراميهم البعيدة وطبيعتهم الحاقدة- كل تمكين، وأتاح لهم كل فرصة لم يكونوا يحلمون بها قبل قرون، وكانت في ذلك أكبر محنة للإنسانية، وأكبر خطر على العالم، فضلا عن العرب، الذين يكتوون بنارهم، فضلا عن المنطقة المحدودة التي يجري فيها هذا الصراع الحاسم.
لذلك نرى أن لهذه السورة اتصالا وثيقا بالمسيحية واليهودية، فقد تعرّضت للعقيدة المسيحية في مفتتحها، وهكذا تبتدئ السورة الكريمة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً.
وقد كانت السمة البارزة الثانية للحضارة التي نشأت في حضانة المسيحيين، وشبّت وترعرعت تحت رعايتهم، الشغف الزائد بهذه الحياة المحدودة الفانية. والحرص على تمديدها وتزيينها، والمبالغة في إجلالها وتفخيم شأنها، والاتجاه إلى نفي كل ما وراءها، من مثل وقيم وخيرات ونعم، والاقتصار على التنافس في السيطرة على أسبابها وطاقاتها وذخائرها، وهي النقطة التي تلتقي عليها اليهودية معها- رغم ما بينهما من عداء وتناقض- فقد تجرّدت التوراة عن ذكر عالم الآخرة، والحياة الآخرة، والحث على الاستعداد لها، وصرف القوى والمواهب إلى نيل السعادة فيها، وإثارة الحنين والأشواق إلى نعمائها وطيباتها، والإشارة إلى قصر هذه الحياة الدنيا وتفاهتها، وذم حب العلو، والإفساد فيها، والتزهيد في زخارفها ومتاعها القليل، وحطامها الزائل، تجردت عن كل هذه المعاني تجردا يثير العجب، ولا يعقل عن الكتب السماوية المنزلة من الله،
وروحها وطبيعتها، فلا عجب إذا كان تاريخ اليهود تاريخ التنافس على المادة والنهامة للثروة، والكفاح للسيادة (السلالة) والكبرياء القومي، وقد تجلّى ذلك بوضوح في كل ما نسب إليهم من كتب دينية مقدسة، أو صدر عن أقلامهم وقرائحهم من أدب وشعر، وقصص وملاحم، ونبوات وكهانات، أو أثر عنهم من بطولات ومغامرات وحروب وثورات، أو عرف عنهم من إبداعات واختراعات، أو عزي إليهم من أفكار وفلسفات، فإن أندر شئ في كل ذلك، هو الرقة والتواضع، وهضم النفس وإنكار الذات، والاستهانة بالحياة الدنيا، والشوق إلى لقاء الله، والحنين إلى الآخرة، والرحمة بالإنسانية على اختلاف طبقاتها، وأجناسها وأوطانها.
ولذلك ثنى الله تبارك وتعالى الإنكار على عقيدة الشرك وعقيدة الابنية أو الوالدية التى تبنتها المسيحية، وتولت كبرها، والإنكار على عبادة هذه الحياة، واتخاذ دارها المحل والقرار، والانصراف إليها عن كل ما سواها، ونوه بقصر هذه الحياة، وتداعي هذا الأساس الذي تقوم عليه، فقال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
وأعاد هذا الإنكار والتشنيع على عبّاد الحياة الدنيا ومنكري الآخرة، أو الغافلين عنها، في أواخر السورة فقال: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
وهكذا أحاطت عقيدة الآخرة، وعقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر هذا الكون، وقدرته المطلقة المسيطرة على كل شئ، بأول هذه السورة وآخرها، وبجميع جوانبها، وهي عقيدة نفسية، وعقلية، وطبيعية، تأباها المادية التي لا تعتمد إلا على الحس والمشاهدة والتجربة، والمنفعة العاجلة، واللذة البدنية، والسيادة القومية أو العنصرية، وتتنصل عنها وتحاربها بكل قوة ووسيلة، فجاءت هذه السورة تشتمل على مادة تستأصل جذور المادية التي قدر الله أن يكون المسيحيون أكبر مربيها ودعاتها، والمشرفين عليها، في رحلة التاريخ الطويلة، ثم يتولى قيادتها اليهود الذين حاربوا المسيح منذ أول عهده، ونافسوا المسيحية في جميع عهودها، وعلى أيديهم تبلغ هذه المادية ذروتها الأخيرة، وفي بقاياهم المشتتين ولأمثالهم يظهر الدجّال الذي يكون أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد، والتدجيل والتلبيس، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تلاوة هذه السورة، والمحافظة على أوائلها- أو خواتيمها- تعصم من فتنته، وهكذا كانت بين بداية هذه السورة ونهايتها مناسبة لطيفة لا تخفى على الناظر المتأمل، ولمجموع
السورة صلة وثيقة، وعميقة بفتنة الدجّال الذي يظهر في وقته).