الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَيْئاً فَرِيًّا أمرا عظيما يا أُخْتَ هارُونَ أي: شبيهة هارون في العبادة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك قال علي بن أبي طلحة قيل لها: يا أُخْتَ هارُونَ أي أخي موسى وكانت من نسله. كما يقال للتميمي يا أخا تميم. وللمضري يا أخا مضر».
أقول: ولم يزل النصارى يشوّشون على قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ.
وفي ذلك يروي الإمام أحمد والترمذي ومسلم والنسائي عن المغيرة بن شعبة قال:
وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يحتمل أن لها أخا اسمه هارون، ويحتمل أنهم سموها بذلك لقبا.
9 - [تعليق النسفي على ما أمرت به مريم عليها السلام من القول]
قال النسفي تعليقا على ما أمرت به مريم من القول: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا: وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها، ولئلا تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب، وما قدع سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض.
10 - [حديث حول الإيمان بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه]
في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنّ الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .
11 - [ما قيل بمناسبة قوله تعالى وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ]
عند قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ يذكر ابن كثير ما رواه ابن جرير عن وهيب بن الورد مولى مخزوم قال: «لقى عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له:
يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده» وقد قال العلماء في قوله الله تعالى وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ أن بركته هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.
12 - [كلام ابن كثير بمناسبة آية فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ]
بمناسبة قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال ابن كثير: (أي
اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصمّمت طائفة منهم- وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر، وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: بل هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين. وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. روى عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع، فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال هو ابن الله وهم النسطورية. فقال الاثنان:
كذبت. ثم قال أحد الاثنين: قل فيه. فقال: هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا وظهر على المسلمين. فذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
مِنَ النَّاسِ
(آل عمران: 21) وقال قتادة: وهم الذين قالوا الله:
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابا. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريبا من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم، أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى بن مريم عليه السلام اختلافا متباينا، فقالت كل شرذمة فيه قولا، فمائة تقول فيه قولا، وسبعون تقول فيه قولا آخر، وخمسون تقول شيئا آخر، ومائة وستون تقول شيئا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمّموا عليه، فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدّمهم ونصرهم، وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرّفوا دين المسيح، وغيّروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها: بلاد الشام، والجزيرة، والروم. فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة،