الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا نجد أن السورة بدأت بتبيان أن استعجال العذاب شرك، ثم بينت أن الرسل بعثوا بالتوحيد، ثم بدأت تقرر أدلة التوحيد إجمالا وتفصيلا لا من خلال ظاهرة الخلق وظاهرة العناية، إذ كل شئ مسخّر للإنسان، فمن الذي فعل هذا كله إلا الله الواحد الأحد.
وَالْأَنْعامَ أي الإبل والبقر والغنم والماعز خَلَقَها فليس ثم خالق غيره لَكُمْ فِيها دِفْءٌ من أصوافها وأوبارها وأشعارها تلبسون وتفترشون وغير ذلك وَمَنافِعُ في نسلها ودرّها وَمِنْها تَأْكُلُونَ لحما
وَلَكُمْ فِيها زيادة على ما مرّ جَمالٌ فالمتعة في النظر إليها نعمة كذلك حِينَ تُرِيحُونَ أي وقت رجوعها من المرعى فإنّها تكون أمدّه خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. قال النسفي: (منّ الله تعالى بالتجمل بها، كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، لأن الرعيان إذا روّحوها بالعشي، وسرّحوها بالغداة، تزيّنت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع).
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي أحمالكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.
والمعنى وتحمل الإبل أحمالكم إلى بلد لم تكونوا واصلين إليه لو لم تخلق الإبل إلا بجهد ومشقة، لأنكم ستضطرون أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم في الحج والعمرة والغزو والتجارة، وما جرى مجرى ذلك، فخفّف الله عنكم بأن خلقها لكم تستعملونها أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلق هذه، ويسّر لكم الاستفادة منها، وكما خلق لكم الأنعام فقد خلق لكم غيرها
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها للركوب وللزينة وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ للركوب والزينة، ويدخل في ذلك السيارات والطيارات والقطارات والسفن وغير ذلك.
[نقل: لصاحب الظلال حول قوله تعالى وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.: (يعقّب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال، وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة.
ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة، فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة، وخارج حدود الزمان الذي يظلهم، فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى، يريد الله للناس أن يتوقعوها فيتسع تصورهم وإدراكهم، ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد، أو حين تكتشف، فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها. ولا يقولوا: إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها.
إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها، ومقدرات الحياة كلها، ومن ثم يهيئ القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخّض عنه القدرة، ويتمخض عنه العلم، ويتمخض عنه المستقبل. استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة.
ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان. وستجدّ وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان. والقرآن يهيئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ).
…
وفي وسط الحديث عن نعم الله المادية على الإنسان نبّه على الطرق المعنويّة الدينية إذ هي أعلى أنواع النعم، وكثيرا ما يقع في القرآن مثل هذا إذ يعبر بك السياق من أمر حسي إلى أمر معنوي مناسب، ثم يعود السياق إلى ما كان عليه وذلك أسلوب في التربية آثاره جليلة وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ قال الزجاج:(معناه وعلى الله تبيين الطريق الواضح المستقيم، والدعاء إليه بالحجج). والسبيل القصد هو الطريق المستقيم والخط المستقيم هو أقرب بعد بين نقطتين وَمِنْها جائِرٌ أي ومن الطرق حائد مائل زائغ عن الاستقامة. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، فطريق الحق بيانه على الله وكل طريق إلا طريقه ظالمة مائلة زائفة زائغة حائدة لا توصل إليه فهي مضيعة، والأعمال فيها مردودة ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته فقال: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي لخلق فيكم الهداية كما بيّنها لكم، ولكنه أمضى فيكم سنته وأقام عليكم الحجة.
ثم يعود السياق إلى تعداد النعم الحسيّة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ قال ابن كثير: وهو العلو ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا وَمِنْهُ شَجَرٌ أي وأخرج لكم منه شجرا فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون أنعامكم
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ أي بالمطر إذ الأنهار والعيون والآبار كل ذلك أصله مطر الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ بأن يخرجها من الأرض بهذا الماء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي دلالة. وحجة على وجوده ووحدانيته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته وعنايته وإرادته، أما الذين لا يتفكرون فهؤلاء وحدهم الذين لا يرون، فمن تفكّر رأى، وإن هؤلاء الذين يلحدون مصيبتهم أنهم لا يتفكرون، ولا يشعرون أنهم لا يتفكرون بل يظنون أنفسهم أنهم مفكرون،
ثمّ عدّد الله نعما عظيمة وجسيمة أخرى على هذا الإنسان: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ للسكن والإبصار وغير ذلك وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كل منهما يؤدي وظيفته في المساعدة على صلاحية الحياة للاستمرار وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ لخدمة هذا الإنسان، إن الكرة الأرضية جزء من المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية جزء من المجرّة، والمجرّة جزء من هذا الكون الواسع، فالنجوم تخدم وجود هذا الإنسان على الأرض بأشكال شتى، ومن ذلك اهتداء الإنسان في ظلمات البر والبحر بها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي لدلالات واضحات وليس آية واحدة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لقوم عندهم عقل يحكّمونه فيعرفون الظاهرة وما تدلّ عليه، وذكر العقل بعد ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم للإشارة على أن الدلالة في هذه على القدرة أبهر والشهادة فيها على الكبرياء والعظمة أبين ومن ثمّ فيكفي أن يكون للإنسان عقل حتى يعرف الله بذلك
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي وما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وسهل وجبل وغير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ لكل ألوانه الكثيرة التي تثير إحساسات الشعور بالجمال والمتعة والتفكير عند الإنسان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ آلاء الله ونعمه فيشكرونها، ونلاحظ في أكثر من مكان في هذه الآيات أن الله يمنّ على الإنسان بما خلق مما يثير إحساسات المشاعر الجمالية التي هي نعمة من نعمه تعالى، فإن يخلق كل شئ للإنسان، وأن يخلق هذا الإنسان بحيث يستفيد من هذا الكون بكل أنواع الاستفادة من الإحساس بجماله إلى غير ذلك، فهذا كله يدل على الله بشكل قطعي، وتفصيلات هذا في كتابنا (الله جل جلاله
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
العظيم المتلاطم الأمواج المخيف، يمنّ الله على عباده بتذليله وتيسيره لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا فلحم حيواناته أكثر أنواع اللحوم طراوة وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً كاللؤلؤ والمرجان تَلْبَسُونَها أي تلبسها نساؤكم لكم، وإنّما يتزيّن من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم وَتَرَى الْفُلْكَ أي السفن مَواخِرَ فِيهِ أي جواري تجري فيه جريا، وتشق الماء شقا وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بالتجارة والتصدير والاستيراد وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله على ما أنعم عليكم به
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لئلا تضطرب، ومن المعروف الآن في علم الجيولوجيا أنه لولا الجبال لكانت تمزقات القشرة الأرضية والبراكين والزلازل من الكثرة بحيث تستحيل الحياة وَأَنْهاراً أي وجعل فيها أنهارا وَسُبُلًا أي طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي إلى مقاصدكم
وَعَلاماتٍ أي وجعل فيها علامات وهي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من جبل وغير ذلك وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي وبالنجم خصوصا هم يهتدون، وهل المراد
به نجم واحد فيكون نجم القطب، أو كل جنس النجم فيكون المراد كل النجوم؟ المرجح الثاني، وهداية الإنسان في صحرائه وبحره وأرضه بواسطة النجم شئ معروف على تفاوت بين الناس في هذا الموضوع، ومن المعلوم أن الدول البحرية تصدر كتبا سنوية ليستطيع البحارة بواسطة آلات معينة أن يعرفوا مكانهم من خلال مواقع النجوم في اللحظة التي هم فيها
أَفَمَنْ يَخْلُقُ وهو الله كَمَنْ لا يَخْلُقُ كغيره ممّن سمّوهم آلهة أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفون أن العبادة لا تنبغي إلا له إقرارا وشكرا،
ثم نبّه على كثرة نعمه وإحسانه فقال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تضبطوا عددها، ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تستطيعوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنّما أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيها على أن ما وراءها لا ينحصر ولا يعدّ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لعذّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنّه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، قال ابن جرير في ذلك: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة، وهكذا قررت الآيات وحدانية الله من خلال تقرير أنه الخالق وحده، وأنّه هو الذي سخّر كل شئ لصالح الإنسان، فقامت الحجة على وجوده بذلك، وعلى استحقاقه وحده العبادة شكرا له.