الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للكافرين، وهذا المقطع الأخير يتحدث عن مواقف للكافرين، وفي ذلك كله تظهر وحدة السورة، وترابط آياتها وتكاملها. وفي المقطع الوسط يقول تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا وفي هذا المقطع تبيان للحال الذي يكونون فيه عميا وأضل سبيلا، وذلك حين الحشر حيث العمى والبكم والصمم والسير على الوجوه، فأي عمى وضلال أفظع من هذا؟ نسأل الله العافية. فالسورة إذن كما قلنا يخدم بعضها بعضا ووحدتها ظاهرة، ولكنها وحدة لا يحيط بكل أسرار الربط فيها إلا منزلها. فإذا كانت الإحاطة هذا حالها فكيف يستطيع بشر أن يأتي بمثل هذا القرآن؟؟ اللهم اشهد أننا نؤمن أن هذا الكتاب كتابك، فاختم لنا بالعفو والعافية والإيمان.
إذا اتضح هذا فلنتساءل عن محل المقطع في السياق القرآني العام:
إن المقطع يذكّر بنعمة الله على الإنسان بهذا القرآن، وكونه على ما هو عليه من التصريف من كل مثل، وكيف أن هذه النعمة يستقبلها أكثر الناس بالكفر والظلم، واستحقاقهم الجزاء العادل في الآخرة بسبب ذلك، وفي ذلك تعميق للدخول في الإسلام كله، واجتناب خطوات الشيطان، وكل هذه المعاني تفصيل لمحور هذه السورة في البقرة. والآن يأتي مقطع جديد هو الذي يظهر فيه بشكل أوضح سر ارتباط السورة بمحورها من سورة البقرة، وقبل أن نعرضه نحب أن نذكر فائدة لها علاقة بالمقطع السابق.
فائدة: [حول سبب نزول قوله تعالى وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً]
في سبب نزول قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً يذكر ابن كثير ما رواه ابن جرير عن ابن إسحاق. قال: حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبّها ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه،
فبعثوا إليه: أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدّين، وسفّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرّقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكا، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون. ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم». أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها أنهارا
كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول، حقّ هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك، وصدّقوك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما بهذا بعثت! إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي
يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك» فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة، يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوّفهم به من العذاب، فو الله لا أو من بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى به، وأنا انظر حتى تأتيها، وتأتي معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك؛ ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا، لما فاته ممّا كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. قال ابن كثير: وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة. فقال: بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة، كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس، والزبير بن العوام، أيضا عند قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
…
وبعد كلام قال:
وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، لا يشرك به شيئا، وكذلك وقع، فإن من هؤلاء