الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسلمون، ويتبركون بمكانتهم، قال ابن كثير: ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» .
أقول: يحتمل أن يكون المسجد على باب الكهف وفي هذه الحال لا يكون البناء محظورا أصلا، كما حدث لقبر رسولنا عليه الصلاة والسلام.
فائدة:
يلاحظ أنه في العصور التي كثر فيها الجهل صار كثير من المسلمين في كثير من البلدان يطلقون على أمكنة بأنها كهف أهل الكهف، والذي يبدو أن مثل هذا الاتجاه كان قديما، ومن ثم سارع ابن عباس إلى إنكاره لحظة وجوده. نقل ابن كثير عن قتادة: قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظاما فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس:(لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة) رواه ابن جرير.
أقول: في كلمة ابن عباس ردّ على ما يمكن أن يتوهّم أن أجسادهم لم يصبها البلى بعد وفاتهم.
سَيَقُولُونَ أي الناس ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ أي قولا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد، أي رميا بالخبر الخفي المغيّب، وإتيانا به بلا علم وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الظاهر أن هذه مجموع الأقوال التي ذكرت في شأنهم. حكى ثلاثة أقوال فدل أنه لا قائل برابع، ولما ضعّف القولين الأولين، ثم حكى القول الثالث، وسكت عليه أو قرّره، فإنه أشار بذلك إلى صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ هذا إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام ردّ العلم إلى الله تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، فإذا أطلعنا على أمر قلنا به، وإلا وقفنا، وهو أدب إسلامي عام في كل قضية من القضايا التي لا يكون المسلم على علم تام بها ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أي من الناس. قال ابن عباس: أنا من القليل: كانوا سبعة، وقد ساق ابن كثير مجموعة روايات إلى ابن عباس في أنه كان يقول إن عدتهم سبعة. ثم قال: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه، وبعد أن أثبت صحة هذه الروايات عنه، رد الرواية التي ذكرها
ابن إسحاق عن ابن عباس في ذكر أنهم ثمانية، وتسمية كل واحد منهم، وتسمية كلبهم ثم قال: وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب وقد قال تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي فلا تجادل أهل الكتاب وغيرهم في شأن أهل الكهف، إلا جدالا ظاهرا غير متعمّق فيه، أو جدالا سهلا لينا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة. وهكذا شأن المسلم في كل أمر من هذا القبيل، لا يجادل فيه إلا ضمن حدود وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ
أَحَداً
أي ولا تسأل أحدا من أهل الكتاب، ولا من غيرهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه، وتزيّف ما عنده، ولا سؤال مسترشد، لأن الله تعالى قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم، وهذا أدب المسلم ألا يستفتي في أمر دينه أحدا من خلق الله غير أهل العلم من المسلمين.
وقبل أن تنتهي القصة يصدر الله توجيها سببه سهو وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما سئل عن هذه القصة، على حسب رواية ابن إسحاق التي عرفنا شأنها، وبعد التوجيه يعود الكلام إلى سيرة أهل الكهف، ثم يصدر الله مجموعة أوامر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يقرر تقريرا، وكأن هذا يفيد أن الأوامر الآتية بعد القصة مرتبطة ارتباطا تاما مع القصة، فأثناء القصة يأتي توجيه، وبعد القصة تأتي توجيهات مرتبطة بالقصة، فلقد عرّفنا الله على القصة، وأعطانا دروسها ووجّهنا في شأنها، فلنر تتمة المقطع.
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، أنّ الأدب فيما إذا عزم على شئ ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل، علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا نهي تأديب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلق كل ما يعزم عليه من فعل على مشيئة الله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أي إذا نسيت الاستثناء، أي قولك إن شاء الله، فقل ذلك عند ذكرك له، ويمكن أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء؛ تشديدا في البعث على الاهتمام بها. ويمكن أن يكون المعنى: إذا نسيت أي شئ فاذكر الله ليذكّرك المنسي وَقُلْ إذا نسيت شيئا عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لشئ آخر بدل هذا المنسي، أقرب منه رشدا، وأدنى خيرا أو منفعة، ومن ثم قال: لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً وفي الآية كلام سنراه في الفوائد. وسبب نزول هذه الآية على حسب رواية ابن إسحاق أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن
قصة أصحاب الكهف قال (غدا أجيبكم) دون أن يعلّق ذلك على المشيئة الإلهية فتأخر الوحي خمسة عشر يوما، وفي مثل هذا التأديب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ الجاهل عن التساهل في الأدب فما فوقه مع الله جل جلاله. وقد ذكر هذا الأدب في ثنايا القصة، لتبقى هذه القضية محفورة في الضمير المسلم، منبهة إياه على أن مقام محمد صلى الله عليه وسلم مقام العبودية لله، ومقام التأديب من الله، مع كل ما أنعم الله عليه، فكيف بغيره من خلق الله، وبعد هذا التنبيه يعود السياق إلى القصة:
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً هذا إخبار من الله تعالى بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة، تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين. فلهذا قال بعد الثلاثمائة وازدادوا تسعا
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أي هو أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك به لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هو وحده جل جلاله يعلم ما غاب في السموات والأرض وخفي فيهما من أحوال أهلهما أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي ما أبصره لكل موجود وأسمعه لكل موجود، فكيف يغيب عنه شيء ما لَهُمْ أي ما لأهل السموات والأرض مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي من متول لأمورهم غيره وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أي في قضائه أحدا، فهو تعالى له الخلق والأمر، الذي لا معقّب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك، ولا مشير تعالى وتقدس، دلّ هذا على أن من أنواع الشرك أن تعطى الحاكمية لغير الله، إن في الخلق أو في الأمر، فمن جعل للمادة قدرة مستقلة على الخلق والتدبير، وللتاريخ سيرا غير ما أراد الله، أو أعطى لغير الله حق التشريع، فقد أشرك. وفي ختم قصة أهل الكهف على هذه الشاكلة، من التذكير بعلمه تعالى، وسمعه وبصره، واستغنائه عن خلقه ووحدانيته في حكمه، قضاء أو أمرا، تذكير بأن ما قاله هو الحق الخالص، كيف لا وهو العليم بكل غيب، السميع لكل موجود، البصير بكل موجود.
وإذ تنتهي القصة بما رأينا تأتي الأوامر التالية:
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ تلاوة عبادة وتدبّر، وعمل وتبليغ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا مغيّر لها، ولا محرّف ولا مزيل. أو المعنى: لا يقدر أحد على تبديلها أو تغييرها، فهي كلام الله المحيط علما وبصرا وسمعا وقضاء بكل موجود
وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بالتغيير، أو لم تقل ما أوحي إليك، والصلة بين هذا الأمر وقصة أهل الكهف واضحة.
فإذ تبيّن من خلال عرض قصة أهل الكهف، أن هذا القرآن مظهر علم الله، فليتل إذن، وليتل كما أنزل، ولا تبدّل كلماته، لا تلاوة، ولا بتحميلها ما لا تحتمل؛ مراعاة لوضع ما فإن الخطأ عليه مستحيل، وإذ يفعل أحد شيئا من ذلك فإنه لا ملجأ له من عذاب الله.
وإذ تبيّن لنا من القصة كرامة المؤمن على الله، وإذ كانت القصة تدور حول فتية حبسوا أنفسهم على بعضهم، يأتي الآن الأمر الثاني آمرا بصبر النفس مع أهل الإيمان:
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ أي احبسها وثبتها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي دائبين على الدعاء في كل وقت يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يريدون رضا الله قال ابن كثير: أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه، ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو ضعفاء وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي ولا تجاوزهم عيناك تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي لا تجاوزهم عيناك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي ولا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر، أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي وكانت أعماله وأفعاله وأقواله سفها وتفريطا، وضياعا وتجاوزا للحق، لا تكن مطيعا لمثل هذا، ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه على ما هو فيه.
ثم يأتي الأمر الثالث:
فبعد أن بين أن هذا القرآن حق، وبعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعدم طاعة الغافلين وغبطتهم والتشوّف إليهم، بل عليه أن يلزم نفسه بالجلوس مع
الذاكرين، يأتي الآن الأمر:
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي وقل بأن القرآن أو الإسلام هو الحق من ربكم فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ أي جاء الحق وزاحت العلل، فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم، من الأخذ في طريق النجاة، أو في طريق الهلاك، وهو تهديد ووعيد شديدان. ثم ذكر جزاء من اختار الكفر فقال إِنَّا أَعْتَدْنا أي أرصدنا