الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرها لما ناله من ضرب وأذى. وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله، فهو مستثنى من الأحكام التي لها علاقة بالمرتدين وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي طاب به نفسا واعتقده فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
ذلِكَ أي الغضب والعذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي ولأن سنته أنه لا يهدي القوم الكافرين ما داموا مختارين للكفر
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها
لا جَرَمَ أي لا بد أي حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
ثم بيّن الله عز وجل أن هؤلاء الذين أكرهوا على الكفر إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله سيغفر لهم فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي بالعذاب والإكراه على الكفر ثُمَّ جاهَدُوا المشركين بعد الهجرة وَصَبَرُوا على الجهاد إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ بهم يوم معادهم، يغفر
لهم ما كان منهم من التكلم بكلمة الكفر تقية، رحيم لا يعذبهم على ما قالوا في حالة الإكراه
يَوْمَ أي إن الله لغفور رحيم لهم يوم تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها أي يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره ليس أحد يحاجّ عن أحد، لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي تعطى جزاء عملها من خير أو شر وافيا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر.
وهكذا بينت هاتان الآيتان أن علامة عدم اطمئنان القلب بالكفر عند الإكراه هو الهجرة والجهاد إذا تيسرت ظروف ذلك.
وقبل أن نكمل تفسير المجموعة الثالثة نحب أن نذكر كلمة حول السياق ثمّ نتابع التفسير.
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة النحل هو التذكير باليوم الآخر في معرض الأمر بالدخول في
الإسلام كله، والنهي عن اتباع خطوات الشيطان، وعملية الدخول في الإسلام ترتبط بها قضية الإكراه على ترك الإسلام، فإذا حدث فما الحكم وما المخلص؟. كما ترتبط بها قضية الردة، فإذا حدثت فما العقوبة؟.
وقد جاءت هذه المجموعة مبينة لهذه القضايا، ومبينة من هم الذين عندهم استعداد للردة وهم الكاذبون. فصلة المجموعة بمحور السورة من البقرة واضح. وبمناسبة الكلام عن الفتنة، والإكراه على ترك الإسلام، يضرب الله مثلا لهؤلاء الذين يفتنون الناس عن دينهم، ويبين ما هو جزاؤهم. فلنعد إلى التفسير:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً أي: من القتل والسبي مُطْمَئِنَّةً أي:
لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً أي واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل بلد فَكَفَرَتْ أي فكفر أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ أي بنعمه فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي بدّلهم بحاليهم الأوليين خلافهما: الجوع بدل الرزق الرغد، والخوف بدل الأمن بِما كانُوا يَصْنَعُونَ أي بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم
وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ جاحدين نعمة الله عليهم بهدايتهم إلى دينه على يد الرسول صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ أي أخذهم العذاب في حال تلبسهم بالظلم، جعل الله هذه القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته، ويمكن أن يكون المراد بهذه القرية قرية من قرى الأولين كانت هذه حالها فضربها الله مثلا. والأكثرون على أنها مكة، ضربت مثلا لكل من يفتن المؤمنين ويكذّب رسل الله، والجوع الذي أصابهم وجد يوم دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع كسني يوسف، والخوف الذي أصابهم بسبب سرايا الرسول صلى الله عليه وسلم وجيوشه، والعذاب الذي نزل بهم هو ما أصابهم يوم بدر، والعبرة لعموم اللفظ كما نعرف، فهذا المثل في هذا المقام تحذير لمن يرتد، ولمن يفتن المسلمين عن دينهم، ولمن يكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
***