الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِن أَبيت فاعتزلنا حَتَّى نَخْتَار لأنفسنا إِمَامًا فَإنَّا مِنْك بُرَآء فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه سِيرُوا إِلَى الْقَوْم فَإِنَّكُم تجدونهم قد عسكروا بالرملة فوَاللَّه لَا يفلت مِنْهُم عشرَة وَلَا يقتل مِنْكُم عشرَة فَأَشْرَف عَلَيْهِم وَقد عسكروا بالرملة على حسب مَا قَالَه لأَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ أَتَى عَلَيْهِم فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا سَبْعَة وَلم يقتل من أَصْحَاب على إِلَّا تِسْعَة فَقَالَ الله أكبر لقد صدق رَسُول الله
فقد أَخْبرنِي بذلك ثمَّ أَمر ينظر المخدج من بَين الْقَتْلَى وَهُوَ ذُو الثدية لحم مُجْتَمع على مَنْكِبه كثدي الْمَرْأَة عَلَيْهِ شَعرَات سود إِذا مدت اللحمة امتدت حَتَّى تحاذي بطن يَده ثمَّ تتْرك فتعود إِلَى مَنْكِبه فَلَمَّا وجدوه بَين الْقَتْلَى ثني عَليّ رضي الله عنه رجله وَنزل فَخر سَاجِدا وَمر بهم وهم صرعى فَقَالَ لقد صرعكم من غركم قَالُوا وَمن غرهم قَالَ الشَّيْطَان
(التقاء الْحكمَيْنِ بدومة الجندل)
لما كَانَ رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وصل من قبل عَليّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي أَرْبَعمِائَة أَمِيرهمْ شُرَيْح بن هَانِئ وَوصل من قبل مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أَرْبَعمِائَة كَذَلِك أَمِيرهمْ شُرَحْبِيل بن السمط فَلَمَّا تدانى الْقَوْم من الْموضع الَّذِي كَانَ الِاجْتِمَاع فِيهِ قَالَ ابْن عَبَّاس لأبي مُوسَى إِن عليا لم يرض بك حكما لفضل عنْدك والمقدمون عَلَيْك كَثِيرُونَ وَإِنَّمَا النَّاس أَبَوا غَيْرك وَإِنِّي أَظن لشر يُرَاد بهم وَقد ضم داهية الْعَرَب مَعَك فمهما نسيت فَلَا تنس أَن عليا بَايعه الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلَيْسَت فِيهِ خصْلَة تباعده عَن الْخلَافَة وَلَيْسَ فِي مُعَاوِيَة خصْلَة تقربه من الْخلَافَة وَكَانَ مُعَاوِيَة قد وصّى عمرا فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله إِن أهل الْعرَاق قد أكْرهُوا عليا على أبي مُوسَى وَإِن أهل الشَّام راضون بك وَقد ضم إِلَيْك رجل طَوِيل اللِّسَان قصير الرَّأْي فأجد الحز وطبق الْمفصل وَلَا تلقه بِرَأْيِك كُله فَلَمَّا اجْتمعَا قَالَ عَمْرو لأبي مُوسَى تكلم وَلَا تقل إِلَّا خيرا فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل تكلم أَنْت فَقَالَ عَمْرو مَا كنت لأَفْعَل وَلَا أقدم نَفسِي عَلَيْك وَلَك حُقُوق
كلهَا وَاجِبَة السنك وصحبتك رَسُول الله
وَأَنت حقيق فَتكلم أَبُو مُوسَى فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر الْحَدث الَّذِي حل بِالْإِسْلَامِ ثمَّ قَالَ يَا عَمْرو هَلُمَّ إِلَى أَمر يجمع الله بِهِ الألفة ويلم الشعث وَذَات الْبَين فجزاه عَمْرو خيرا ثمَّ قَالَ عَمْرو إِن للْكَلَام أولاًَ وآخراً وَمَتى تنازعنا الْكَلَام خطباً لم يبلغ آخِره حَتَّى ينسى أَوله فَاجْعَلْ مَا كَانَ من كَلَام يتصادق عَلَيْهِ فِي كتاب يصير إِلَيْهِ أمرنَا قَالَ أَبُو مُوسَى فَاكْتُبْ فَدَعَا عَمْرو بِصَحِيفَة وَغُلَام لَهُ كَاتب فَتقدم إِلَيْهِ أَن يبْدَأ بِهِ أَولا دون أبي مُوسَى لما أَرَادَ من الْمَكْر ثمَّ قَالَ لَهُ بِحَضْرَة الْجَمَاعَة اكْتُبْ فَإنَّك شَاهد علينا وَلَا تكْتب شَيْئا يَأْمُرك بِهِ أَحَدنَا حَتَّى تستأمر فِيهِ الآخر فَإِذا أَمرك فَاكْتُبْ وَإِذا نهاك عَنهُ فانته حَتَّى يجْتَمع رَأينَا اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ فلَان وَفُلَان فَكتب وَبَدَأَ بِعَمْرو فَقَالَ لَهُ عَمْرو لَا أم لَك تقدمني قبله كَأَنَّك جَاهِل حَقه فَبَدَأَ باسم أبي مُوسَى عبد الله بن قيس وَكتب تقاضيَا على أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى الْآيَة ثمَّ قَالَ عَمْرو نشْهد أَن أَبَا بكر خَليفَة رَسُول الله عمل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ وَقد أدّى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُوسَى اكْتُبْ ثمَّ ذكر فِي عمر مَا ذكر فِي أبي بكر ثمَّ قَالَ اكْتُبْ وَإِن عُثْمَان ولي هَذَا الْأَمر باجتماع الْمُسلمين وشورى من أَصْحَاب رَسُول الله
وَرَضي عَنْهُم وَإنَّهُ كَانَ مُؤمنا فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَيْسَ هَذَا مِمَّا قعدنا لَهُ فَقَالَ عَمْرو وَالله لَا بُد أَن يكون مُؤمنا أَو كَافِرًا فَقَالَ أَبُو مُوسَى مُؤمنا فَقَالَ عَمْرو فمره يكْتب فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ فَكتب فَقَالَ عَمْرو ظَالِما قتل أَو مَظْلُوما فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل قتل مَظْلُوما قَالَ عَمْرو أَو لَيْسَ قد جعل الله لوَلِيّ الْمَظْلُوم سُلْطَانا يطْلب بدمه قَالَ أَبُو مُوسَى بلَى قَالَ عَمْرو فعلى ذَلِك قَاتله يقتل أَيْنَمَا وجد قَالَ أَبُو مُوسَى نعم قَالَ عَمْرو فَهَل تعلم لعُثْمَان وليا أقرب من مُعَاوِيَة قَالَ لَا قَالَ عَمْرو أفليس لمعاوية أَن يطْلب قَاتله حَيْثُ وجد حَتَّى يقْتله أَو يعجزه قَالَ أَبُو مُوسَى بلَى قَالَ عَمْرو قل لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ فَأمره أَبُو مُوسَى فَكتب فَقَالَ عَمْرو فَإنَّا نُقِيم الْحجَّة الْبَيِّنَة أَن عليا
قتل عُثْمَان قَالَ أَبُو مُوسَى هَذَا أَمر قد حدث فِي الْإِسْلَام وَإِنَّمَا اجْتَمَعنَا لغيره فَهَلُمَّ إِلَى أَمر يصلح الله بِهِ أَمر أمة مُحَمَّد
فَقَالَ عَمْرو وَمَا هُوَ قَالَ أَبُو مُوسَى قد علمت أَن أهل الْعرَاق لَا يحبونَ مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام لَا يحبونَ عليا فَهَلُمَّ نخلَعهما ويستخلف عبد الله ابْن عمر وَكَانَ زوج بنته فَقَالَ عَمْرو وَيفْعل ذَلِك عبد الله قَالَ أَبُو مُوسَى نعم إِذا حمله النَّاس عَلَيْهِ فعزم عَمْرو إِلَى كل مَا مَال إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى فصوبه فَقَالَ عَمْرو هَل لَك فِي سعد وَعدد جمَاعَة فَأبى أَبُو مُوسَى إِلَّا عبد الله بن عمر فَجعل عَمْرو الصَّحِيفَة بعد أَن ختماها تَحت قدمه وَقَالَ أَرَأَيْت إِن رَضِي أهل الْعرَاق بِعَبْد الله بن عمر وأباه أهل الشَّام أنقاتلهم قَالَ لَا فَإِن رَضِي أهل الشَّام بِهِ وأباه أهل الْعرَاق أنقاتل أهل الْعرَاق قَالَ لَا قَالَ عَمْرو وَأما إِذا رَأَيْت الصّلاح فِي هَذَا الْأَمر وَالْخَيْر للْمُسلمين فَقُمْ واخطب النَّاس واخلع صاحبينا جَمِيعًا وَتكلم باسم هَذَا الرجل الَّذِي يسْتَخْلف فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل أَنْت قُم فاخطب فَأَنت أَحَق بذلك فَقَالَ عَمْرو مَا أحب أَن أتقدمك وَمَا قولي وقولك للنَّاس إِلَّا قَول وَاحِد فَقُمْ راشداً فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّا نَظرنَا فِي أمرنَا فَرَأَيْنَا أقرب مَا يحضرنا فِي الْأَمْن وَالصَّلَاح وَلم الشعث وحقن الدِّمَاء وَجمع الألفة خلعنا عليا وَمُعَاوِيَة وَقد خلعت عليا كَمَا خلعت عمامتي هَذِه ثمَّ أَهْوى إِلَى عمَامَته فحولها عَن رَأسه واستخلفنا رجلَا صحب رَسُول الله
بِنَفسِهِ وَصَحب أَبوهُ النَّبِي فبرز فِي سابقته وَهُوَ عبد الله بن عمر فأطراه فَرغب النَّاس فِيهِ ثمَّ نزل فَقَامَ عَمْرو فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن أَبَا مُوسَى قد خلع عليا وَأخرجه من الْأَمر الَّذِي يطْلب وَهُوَ أعلم بِهِ أَلا وَإِنِّي قد خلعت عليا مَعَه وَأثبت مُعَاوِيَة عَليّ وَعَلَيْكُم وَإِن أَبَا مُوسَى قد كتب فِي الصَّحِيفَة أَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما شَهِيدا وَأَن لوَلِيِّه سُلْطَانا يطْلب بدمه وَله طاعتنا وبيعتنا
على الطّلب بِدَم عُثْمَان فَقَالَ أَبُو مُوسَى كذب عَمْرو لم اسْتخْلف مُعَاوِيَة وَلَكنَّا خلعناه وعلياً فَقَالَ عَمْرو بل كذب أَبُو مُوسَى قد خلع عليا وَلم يخلع مُعَاوِيَة قلت وَرَأَيْت وَجها آخر فِي كَيْفيَّة ذَلِك ذكره المطرزي شَارِح المقامات فِي شرحها فَقَالَ إِن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ لأبي مُوسَى بعد أَن أظهر لَهُ عَمْرو الْمُوَافقَة على تَوْلِيَة عبد الله بن عمر وَصوب رَأْيه فِي ذَلِك قُم فاخلع عليا ثمَّ انْزِلْ فَإِذا نزلت قُمْت أَنا فخلعت صَاحِبي مُعَاوِيَة وأقمت عبد الله بن عمر كَمَا أَشرت فَإِن تَكُ وثبة من الشِّيعَة قوبلت بهَا دُونك فَلَمَّا قَامَ عَمْرو بعد أبي مُوسَى فعل مَا فعل ثمَّ نزل قَائِلا إِن الله تَعَالَى يَقُول {وَمَن قُتِلَ مَظلُومُاً فَقد جَعلنا لِوليهِ سُلطانَاً فَلا يسرِف فِي القَتل إنهُ كاَنَ مَنصُوراً} الْإِسْرَاء 33 وَوجدت فِي مروج الذَّهَب وَجها آَخر فِي ذَلِك هُوَ أَنَّهُمَا لما اتفقَا على خلع عَليّ ومعاويةّ اتفقَا على أَن يجعلا الْأَمر شُورَى بعد ذَلِك يخْتَار النَّاس لَهُم رجلا صَالحا يصلح فَفعل عَمْرو مَا فعل وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا مُوسَى قَالَ لَهُ حِينَئِذٍ لعنك الله غدرت وفجرت إِنَّمَا مثلك كَمثل الْكَلْب ثمَّ ركله فَأَلْقَاهُ لجنبه على الأَرْض وارتحل أَبُو مُوسَى وَلحق بِمَكَّة حَيَاء وَلم يعد إِلَى الْكُوفَة وَقد كَانَ بهَا أَهله وَولده وآلى أَلا ينظر إِلَى وَجه عَليّ أبدا مَا بَقِي وَمضى عَمْرو وَسعد بن أبي وَقاص إِلَى بَيت الْمُقَدّس قَالَ المَسْعُودِيّ قَالَ ابْن عَبَّاس يُخَاطب أَبَا مُوسَى من // (الوافر) //)
(أَبَا موسَى بُليتَ وكُنْت شَيخا
…
قريبَ الْعَفو مخزونَ اللسانِ)
(وَمَا عَمْرو صفاتكَ يَا بْنَ قيسٍ
…
فيا للِه مِنْ شيخٍ يماني)
)
فأمسيت العشيةَ ذَا اعتذارٍ
…
ضعيفَ الرأْيِ منكوب الْجنان)
(فغضَّ الكفَّ من ندمٍ وماذا
…
يَرُدُّ عليكَ عضُّكَ للبنانِ)
وَفِي مثل هَذَا الْمَعْنى يَقُول خُزَيْمَة بن مَالك الْأَسدي من // (الْبَسِيط) //
(لَو كَانَ للقومِ رأيٌ يُعْصَمُونَ بِهِ
…
عِنْدَ الخطوبِ رمُوْكُمْ بِابْن عباسِ)
(لكنْ رموكمْ بِوغَدٍ مِنْ ذَوي يمَنِ
…
لم يدر مَا ضرْبُ أخْمَاسٍ بأَسْداسِ)
وَلما انْصَرف الْفَرِيقَانِ من حَيْثُ كَانَا إِلَى حَيْثُ جَاءَ دخل عَمْرو بن الْعَاصِ سترا لَهُ وَلم يَأْتِ مُعَاوِيَة فَأرْسل مُعَاوِيَة يَدعُوهُ فَقَالَ عَمْرو إِنَّمَا كنت آتِيك إِذْ كَانَت لي إِلَيْك حَاجَة فَأَما إِذا كَانَت الْحَاجة إِلَيْنَا فَأَنت أَحَق أَن تَأْتِينَا فَعلم مُعَاوِيَة مَا قد دفع إِلَيْهِ فخمر الرَّأْي وأعمل الْحِيلَة فَأمر بِطَعَام كثير يصنع ثمَّ دَعَا الْخَاصَّة ومواليه فَقَالَ لَهُم إِنِّي سأغدوا إِلَى هَذَا فَإِذا دَعَوْت بِالطَّعَامِ قدمُوا موَالِيه وَأَهله فليجلسوا قبلكُمْ فَإِذا شبع الرجل مِنْهُم فَقَامَ فليجلس رجل مِنْكُم مَكَانَهُ فَإِذا خَرجُوا وَلم يبْق فِي الْبَيْت غَيْركُمْ فأغلقوا الْبَاب واحذروا أَن يدْخل مِنْهُم أحد إِلَّا أَن آمركُم وغدَا عَلَيْهِ مُعَاوِيَة وَعَمْرو جَالس على فرشه فَلم يقم لَهُ عَنهُ وَلَا دَعَاهُ إِلَيْهِ فجَاء مُعَاوِيَة فَجَلَسَ على الأَرْض واتكأ على نَاحيَة الْفراش وَذَلِكَ أَن عمرا كَانَ عِنْد نَفسه أَنه ملك الْأَمر وَإِلَيْهِ التصريف حَيْثُ يَشَاء بندب الْخلَافَة من يرى فَخرج بَينهمَا كَلَام كثير فَكَانَ فِيمَا قَالَه عَمْرو لمعاوية هَذَا لكتاب وَأَشَارَ إِلَى صَحِيفَته التحاكم بَينه وَبَين أبي مُوسَى السَّابِق ذكرهَا عَلَيْهِ خَاتمِي وخاتمه قد أقرّ بِأَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما وَأخرج عليا من هَذَا الْأَمر وَعرض عَليّ رجَالًا هم لهَذَا الْأَمر أهل وَبِهَذَا الْأَمر إِلَيّ اسْتخْلف عَلَيْهِ من شِئْت فقد أَعْطَانِي أهل الشَّام عَهدهم ومواثيقهم على الرِّضَا بِمن أختاره فجَاء مُعَاوِيَة وضاحكه وداعبه يحوله عَمَّا كَانَ فِيهِ ثمَّ قَالَ يَا أَبَا عبد الله هَل من غداء فَقَالَ عَمْرو أما شَيْء يسع مَا ترى فَلَا وَالله فَقَالَ مُعَاوِيَة هَلُمَّ غدائي فجيء بِالطَّعَامِ الْمعد فَوضع فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أَبَا عبد الله ادْع مواليك وَأهْلك فَدَعَاهُمْ فَقَالَ عَمْرو فَادع أَصْحَابك ومواليك قَالَ نعم يَأْكُل أَصْحَابك أَولا ثمَّ يجلس هَؤُلَاءِ بعد فَجعلُوا كلما قَامَ رجل من أَصْحَاب عَمْرو جلس مَوْضِعه رجل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة حَتَّى لم يبْق من أَصْحَاب عَمْرو وَاحِد فَقَامَ الَّذِي وَكله بِالْبَابِ فأغلقه فَقَالَ لَهُ عَمْرو فعلتها فَقَالَ نعم وَالله بيني وَبَيْنك أَمْرَانِ أَيهمَا شِئْت فعلت قَالَ مَا هما قَالَ الْبيعَة أَو قَتلك لَيْسَ وَالله غَيرهمَا قَالَ عَمْرو فَأذن لغلامي وردان أَسْتَشِيرهُ وَأنْظر رَأْيه قَالَ مُعَاوِيَة
لَا ترَاهُ وَالله وَلَا يراك إِلَّا قَتِيلا أَو على مَا قلت لَك قَالَ عَمْرو فأوف إِذن بطعمة مصر قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فاستوثق كل مِنْهُمَا من صَاحبه وأحضر مُعَاوِيَة الْخَواص من أهل الشَّام وَمنع أَن يدْخل مَعَهم من حَاشِيَة عَمْرو أحد قَالَ لَهُم عَمْرو قد رَأَيْت أَن أبايع مُعَاوِيَة فَلم لم أر أحدا أقوى على هَذَا الْأَمر مِنْهُ فَبَايعهُ أهل الشَّام وَانْصَرف مُعَاوِيَة إِلَى منزله خَليفَة قَالَ الْعَلامَة الْبَيْهَقِيّ من كتاب المحاسن عَن عَمْرو بن الْأَصَم قَالَ حَدثنَا رجل من بني هَاشم فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير أَلا أحَدثك بفضائل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب قَالَ نعم قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حضرت مجْلِس مُحَمَّد ابْن عَائِشَة بِالْبَصْرَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رجل من وسط الْحلقَة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن من أفضل أَصْحَاب رَسُول الله
فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعد الْعشْرَة مَا عدا عليا فَقلت فَأَيْنَ عَليّ فَقَالَ مَا هَذَا تَسْأَلنِي عَن أَصْحَاب رَسُول الله
أَو عَن نَفسه قَالَ بل عَن أَصْحَابه فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول {فَقُل تعَالَوا نَدع أَبْنَائِنَا وأبنائكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ} آل عمرَان 61 فَكيف يكون أَصْحَابه مثل نَفسه وَعَن عَطاء كَانَ لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ موقف من رَسُول الله
يَوْم الْجُمُعَة إِذا خرج أَخذ بِيَدِهِ فَلَا يخطو خطْوَة إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ هَذَا عَليّ ابْتغى مرضاتك فارض عَنهُ حَتَّى يصعد الْمِنْبَر وروى أَبُو عُثْمَان قَاضِي الرّيّ عَن الْأَعْمَش عَن سعيد بن جُبَير قَالَ كَانَ عبد الله بن عَبَّاس يحدث على شَفير زَمْزَم وَنحن عِنْده فَلَمَّا قضى حَدِيثه قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا بن عَبَّاس إِنِّي رجل من أهل الشَّام رَأَيْتهمْ يتبرءون من عَليّ ويلعنونه فَقَالَ ابْن عَبَّاس لعنهم الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهيناً ألبعد قرَابَته من رَسُول الله
أَو أَنه لم يكن أول ذكران الْعَالمين إِيمَانًا بِاللَّه وَرَسُوله وَأول من صلى وَركع وَعمل بأعمال الْبر قَالَ الشَّامي إِنَّهُم وَالله مَا يُنكرُونَ من قرَابَته وسابقته غير أَنهم يَزْعمُونَ أَنه قتل
النَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس ثكلتهم أمهاتهم إِن عليا أعرف بِاللَّه وَرَسُوله وبحكمهما مِنْهُم فَلم يقتل إِلَّا من اسْتحق الْقَتْل فَقَالَ يَا بن عَبَّاس إِن قومِي جمعُوا لي نَفَقَة وَأَنا رسولهم إِلَيْك وأمينهم لَا يسعك أَن تردني بِغَيْر حَاجَتي فَإِن الْقَوْم هالكون فِي حَقه فَفرج عونهم فرج الله عَنْك فَقَالَ ابْن عَبَّاس يَا أَخا الشَّام إِن مثل عَليّ بن أبي طَالب فِي هَذِه الْأمة فِي عمله وفضله كَمثل العَبْد الصَّالح الَّذِي لقِيه مُوسَى عليه السلام حِين انْتهى إِلَى سَاحل الْبَحْر فَقَالَ {هَل أَتبعك على أَن تُعلِمَنِ مِمَا علمتَ رُشداً} الْكَهْف 66 قَالَ الْعَالم {إنَك لَن تستَطِيعَ معي صبرا وَكَيف تصبِر} الْكَهْف 67 68 الْآيَة فَلَمَّا خرق السَّفِينَة لم يصبر مُوسَى وَترك مَا ضمن لَهُ من ترك السُّؤَال فِي خرق السَّفِينَة وَقتل الْغُلَام وَإِقَامَة الْجِدَار وَكَانَ الْعَالم أعلم بِمَا يَأْتِي من مُوسَى وَكبر على مُوسَى الْحق واعظم إِذْ لم يكن يعرفهُ وَهُوَ نَبِي مُرْسل فَكيف أَنْت يَا أَخا أهل الشَّام وَأَصْحَابك إِن عليا لم يقتل إِلَّا من كَانَ يسْتَحق الْقَتْل وَإِنِّي أخْبرك أَن رَسُول الله
كَانَ عِنْد أم سَلمَة زَوجته إِذْ أقبل عَليّ يُرِيد الدُّخُول فَنقرَ نقراً خَفِيفا فَعرف النَّبِي
نقره فَقَالَ يَا أم سَلمَة قومِي فافتحي الْبَاب فَقَالَت يَا رَسُول الله من ذَا الَّذِي يبلغ خطره أَن أستقبله بمحاسني فَقَالَ يَا أم سَلمَة إِن طَاعَتي طَاعَة الله عز وجل قومِي فافتحي فَإِن بِالْبَابِ رجلا لَيْسَ بالخرق وَلَا بالنزق وَلَا بالعجل فِي أمره يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يَا أم سَلمَة إِن تفتحي الْبَاب لَهُ فَلَنْ يدْخل حَتَّى يخفي عَلَيْهِ الْوَطْء فَلم يدْخل حَتَّى غَابَتْ عَنهُ وخفي عَلَيْهِ الْوَطْء فَلَمَّا لم يحس لَهَا حَرَكَة دفع الْبَاب وَدخل فَسلم على النَّبِي
فَرد عليه السلام وَقَالَ يَا أم سَلمَة هَل تعرفين هَذَا قَالَت نعم هَذَا عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ رَسُول الله
نعم هَذَا عَليّ سيط لَحْمه بلحمي وَدَمه بدمي وَهُوَ مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي يَا أم سَلمَة هَذَا عَليّ سيد الْمُؤمنِينَ وأمير الْمُسلمين وَمَوْضِع سري وَعلمِي وبابي الَّذِي الرَّأْي إِلَيْهِ وَهُوَ الْوَصِيّ على أهل بَيْتِي والأخيار من
أمتِي وَهُوَ أخي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ معي فِي السناء الْأَعْلَى اشهدي يَا أم سَلمَة أَن عليا يُقَاتل النَّاكِثِينَ والقاسطين والمارقين قَالَ ابْن عَبَّاس وقتلهم لله رضَا وللأمة صَلَاح وَلأَهل الضَّلَالَة سخط فَقَالَ الشَّامي يَا بن عَبَّاس من الناكثون قَالَ الَّذين بَايعُوا عليا بِالْمَدِينَةِ ثمَّ نكثوا فَقَاتلهُمْ بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ أَصْحَاب الْجمل وَأما القاسطون مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه والمارقون أهل النهران وَمن مَعَهم فَقَالَ الشَّامي يَا بن عَبَّاس مَلَأت صَدْرِي نورا وَحِكْمَة وفرجت عني فرج الله تَعَالَى عَنْك أشهد أَن عليا مولَايَ وَمولى كل مُؤمن ومؤمنة وَكتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أما بعد فَلَو علمنَا أَن الْحَرْب تبلغ منا ومنك مَا بلغت لم نحثها بَعْضًا على بعض وَإِنَّا وَإِن كُنَّا قد غلبنا على عقولنا بَقِي لنا مِنْهَا مَا نروم بِهِ مَا مضى ونصلح مَا بَقِي وَقد كنت سَأَلتك الشَّام على أَنه لَا يلْزَمنِي لَك طَاعَة وَأَنا أَدْعُوك الْيَوْم إِلَى مَا دعوتك إِلَيْهِ أمس فَإنَّك لَا ترجو من الْبَقَاء إِلَّا مَا أَرْجُو وَلَا تخَاف من الْقَتْل إِلَّا مَا أَخَاف وَقد وَالله بردت الأحقاد وَذَهَبت الأدغال وَنحن بَنو عبد منَاف وَلَيْسَ لبعضها على بعض فضل يستذل بِهِ العَبْد ويسترق بِهِ حر وَالسَّلَام فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب من عَليّ بن أبي طَالب إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر فِيهِ أَنَّك لَو علمت أَن الْحَرْب تبلغ منا ومنك مَا بلغت لم نحثها بَعْضًا على بعض فَإنَّا وَإِيَّاك نلتمس مِنْهَا غَايَة لم ندركها بعد وَأما طَلَبك مني الشَّام فَلم أكن لأعطيك الْيَوْم مَا منعتك أمس وَأما استواؤنا فِي الْخَوْف والرجاء فلست أمضي على الشَّك مني على الْيَقِين وَلَيْسَ أهل الشَّام على الدُّنْيَا بأحرص من أهل الْعرَاق على الْآخِرَة وَأما قَوْلك إِنَّا بَنو عبد منَاف فَلَيْسَ أُميَّة كهاشم وَلَا حَرْب كَعبد الْمطلب وَلَا أَبُو سُفْيَان كَأبي طَالب وَلَا الطليق كالمهاجر وَلَا الْمُبْطل كالمحق وَفِي أَبينَا فضل النُّبُوَّة الَّتِي قتلنَا بهَا الْعَزِيز وبعنا بهَا الْحر وَالسَّلَام ثمَّ كتب مُعَاوِيَة إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة عَامل عَليّ على مصر وَأما بعد فَإنَّك يَهُودِيّ ابْن يَهُودِيّ وَإِن ظفر أحب الْفَرِيقَيْنِ إِلَيْك عزلك واستبدل بك وَإِن ظفر أبغضهما إِلَيْك نكل بك وقتلك وَكَانَ أَبوك أوتر قوسه وَرمى غَرَضه فَأكْثر الحز وَأَخْطَأ الْمفصل قلت هَذَا من مُعَاوِيَة يُشِير بِهِ إِلَى منع أَبِيه سعد بن عبَادَة عَن بيعَة أبي بكر ثمَّ عَن بيعَة عمر وطمعه أَن يكون هُوَ الْخَلِيفَة وَجمع قومه الْخَزْرَج فِي ذَلِك حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَى سَقِيفَة بني سَاعِدَة كَمَا تقدم ذكر ذَلِك عِنْد ذكر خلَافَة أبي بكر الصّديق فخذله قومه وأدركه يَوْمه فَمَاتَ فِي حوران ضريراً فَكتب إِلَيْهِ قيس أما أَنْت فوثني ابْن وَثني دخلت فِي الْإِسْلَام كرها وَخرجت مِنْهُ طَوْعًا لم يتَقَدَّم إيمانك وَلم يحدث نفاقك وَكَانَ أبي أوتر قوسه وَرمى غَرَضه فشعب بِهِ من لم يبلغ عقبه وَلَا تَنْشَق غباره وَنحن أنصار الدّين الَّذِي مِنْهُ خرجت وأعداء الدّين الَّذِي فِيهِ دخلت وَلما صرف عَليّ رضي الله عنه قيس بن سعد عَن مصر وَولي مَكَانَهُ مُحَمَّد بن أبي بكر كتب مُحَمَّد إِلَى مُعَاوِيَة من مُحَمَّد بن أبي بكر إِلَى الغاوي مُعَاوِيَة بن صَخْر أما بعد فَإِن الله بعظمته وسلطانه خلق خلقه بِلَا عَبث مِنْهُ وَلَا ضعف فِي قُوَّة وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى خلقهمْ وَلكنه خلقهمْ عبيدا وَجعل مِنْهُم غوياً ورشيداً وشقياً وسعيداً اخْتَار على علم وَاصْطفى وانتخب مِنْهُم مُحَمَّد
فانتخبه بِعِلْمِهِ واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه وَبَعثه رسولَا ودليلا فَكَانَ أول من أجَاب وأناب وأذعن وَصدق وَأسلم وَأَخُوهُ وَابْن عَمه عَليّ بن أبي طَالب صدقه بِالْغَيْبِ المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه بِنَفسِهِ كل هول وَحَارب حربه وَسَالم سلمه فَلم يبرح مبتذلَا لنَفسِهِ سَاعَات اللَّيْل بالخوف والخشوع والخضوع حَتَّى برز شارقاً لَا نَظِير لَهُ مِمَّن اتبعهُ وَلَا مقارب لَهُ فِي فعله وَقد رَأَيْتُك تنَال مِنْهُ وَأَنت أَنْت وَهُوَ هُوَ أصدق النَّاس نِيَّة وأفضلهم
ذُرِّيَّة وَخير النَّاس زَوْجَة وَأفضل النَّاس ابْن عَم أَخُوهُ الساري بِنَفسِهِ يَوْم مُؤْتَة قلت يُرِيد بِهِ جَعْفَر الطيار رضي الله عنهما وَعَمه سيد الشُّهَدَاء يَوْم أحد وَأَبوهُ الذاب عَن رَسُول الله
وَعَن حوزته وَأَنت اللعين ابْن اللعين لم تزل أَنْت وَأَبُوك تبغيان لرَسُول الله
الغوائل وتجتهدان فِي إطفاء نور الله وتجمعان على ذَلِك الجموع وتبذلان فِيهِ الْأَمْوَال وتؤلبان عَلَيْهِ الْقَبَائِل على ذَلِك مَاتَ أَبوك وَعَلِيهِ خَليفَة والشهيد عَلَيْك من تدني ولجأ إِلَيْك من بَقِيَّة الْأَحْزَاب ورؤساء النِّفَاق وَالشَّاهِد لعَلي أنصاره الَّذين ذكرهم بفضله وَأثْنى عَلَيْهِم من الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فهم مَعَه كتائب وعصائب يرَوْنَ الْحق فِي أَتْبَاعه والشقاء فِي الْخلَافَة فَكيف بك لَك الويل تعدل نَفسك بعلي وَهُوَ وَارِث رَسُول الله
ووليه وَأَبُو وَلَده وَأولى النَّاس بِهِ اتبَاعا وأقربهم بِهِ عهدَاً يُخبرهُ بسره ويطلعه على أمره وَأَنت عدوه فتمتع فِي دُنياك مَا اسْتَطَعْت بباطنك وليمددك ابْن العَاصِي فِي غوايتك فَإِن أَجلك قد انْقَضى وكبرك قد دهى ثمَّ تبين لَك لمن تكون الْعَافِيَة الْعليا وَاعْلَم أَنَّك إِنَّمَا تكايد رَبك الَّذِي أمنت كَيده ويئست من روحه فَهُوَ لَك بالمرصاد وَأَنت مِنْهُ فِي غرَّة وَالسلام على من اتبع الْهدى فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة من مُعَاوِيَة بن أبي صَخْر إِلَى الزاري على أَبِيه مُحَمَّد بن أبي بكر أما بعد فقد أَتَانِي كتابك تذكر فِيهِ مَا الله أَهله فِي عَظمته وقدرة سُلْطَانه وَمَا اصْطفى بِهِ رَسُول الله
مَعَ كَلَام كثير فِيهِ لَك تَضْعِيف ولأبيك فِيهِ تعسيف وَذكرت فضل عَليّ بن أبي طَالب وَقدم سوابقه وقرابته من رَسُول الله
ومواساته إِيَّاه فِي كل هول وَخَوف فَكَانَ احتجاجك عَليّ وعيبك لي فضل غَيْرك لَا بِفَضْلِك فَأَحْمَد رَبًّا صرف هَذَا الْفضل عَنْك وَجعله فِي غَيْرك فقد كُنَّا وَأَبُوك مَعًا نَعْرِف فضل عَليّ وَحقه لَازم لنا مبرز علينا فَلَمَّا اخْتَار الله لنَبيه مَا عِنْده وَأتم لَهُ مَا وعده وَأظْهر دَعوته وأفلج حجَّته وَقَبضه إِلَيْهِ كَانَ أَبوك وفاروقه أول من
انتزع حَقه وَخَالفهُ عَن أمره على ذَلِك اتفقَا واتسقا ثمَّ إنَّهُمَا دَعْوَاهُ إِلَى بيعتهما فَأَبْطَأَ عَنْهُمَا وتلكأ عَلَيْهِمَا فهما بِهِ الهموم وأرادا بِهِ الْعَظِيم ثمَّ إِنَّه بَايع لَهما وَسلم إِلَيْهِمَا فأقاما لَا يشركانه فِي أَمرهمَا وَلَا يطلعانه على سرهما حَتَّى قبضهما الله تَعَالَى ثمَّ قَامَ ثالثهما عُثْمَان فهدى هديهما وَسَار سيرتهما فعبته أَنْت وَصَاحِبك حَتَّى طمع فِيهِ الأقاصي من أهل الْمعاصِي فطلبتما لَهُ الغوائل وأظهرتما عداوتكما حَتَّى بلغتما فِيهِ مناكما فَخذ حذرك يَا بن أبي بكر وَقس شبرك بفترك فَإنَّك تقصر أَن توازي أَو تَسَاوِي من يزن حلمه الْجبَال وَلَا تلين على قسر قناته وَلَوْلَا فعل أَبِيك من قبل مَا خَالَفنَا ابْن أبي طَالب ولسلمنا إِلَيْهِ وَلَكنَّا رَأينَا أَبَاك فعل بِهِ ذَلِك من قبلنَا فأخذنا بِمثلِهِ فعب أَبَاك بِمَا بدا لَك أَو دع وَالسَّلَام على من أناب كَذَا ذكره المَسْعُودِيّ وَهُوَ من كبار الْجَمَاعَة كَذَا أورد هَذِه الْمُكَاتبَة وَمد بهَا بَاعه فقبح الله من كَانَ اختراعه ثمَّ وَجه مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى مصر فِي أَرْبَعَة آلَاف مَعَه مُعَاوِيَة بن خديج وَأَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وَفَاء لعَمْرو بِمَا وعده وَكَانَ عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي بكر والياً من جِهَة عَليّ فاقتتلا فظفر عَمْرو بِمُحَمد وَوضع فِي جيفة حمَار وأحرق فِيهَا قيل وضع حَيا وَقيل بعد قَتله فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فسر وَبلغ عليا فَحزن أَشد حزن على مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ ولى على الأشتر مَالك بن الْحَارِث النَّخعِيّ وَبَعثه إِلَيْهَا فِي جَيش مَكَان مُحَمَّد بن أبي بكر فَمَاتَ بِالطَّرِيقِ وَيُقَال إِن مُعَاوِيَة دس إِلَى دهقان أَن يسمه فسمه فِي شربة عسل فَمَا اسْتَقر فِي جَوْفه حَتَّى هلك فَأتى من كَانَ مَعَه على الدهْقَان وَمن كَانَ مَعَه وَإنَّهُ لما بلغ مُعَاوِيَة الْخَبَر قَالَ لله جنود مِنْهَا الْعَسَل ذكر وَفَاته قَالَ ابْن خلكان سَببهَا أَنه اجْتمع من بَقِي من الْخَوَارِج فتذكروا أَصْحَاب النهروان وترحموا عَلَيْهِم وَقَالُوا مَا نصْنَع بِالْبَقَاءِ بعدهمْ وَقَالَ غَيره سَببهَا أَنه لما طَال النزاع بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة تعاقدوا على قتل عَليّ وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ فَانْتدبَ لذَلِك ثَلَاثَة نفر عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي والبرك بن عبد الله التَّمِيمِي وَعَمْرو بن بكر التَّمِيمِي أَيْضا فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن ملجم أَنا لكم
بعلي وَقَالَ البرك أَنا لكم بِمُعَاوِيَة وَقَالَ عَمْرو أَنا لكم بِعَمْرو بن الْعَاصِ واتعدوا أَن يكون الْقَتْل لَيْلَة السَّابِع عشر من رَمَضَان وَكَانَ اجْتِمَاعهم لهَذَا التعاقد بِمَكَّة فَسَار عبد الرَّحْمَن إِلَى عَليّ بِالْكُوفَةِ وَسَار البرك بن عبد الله إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام وَسَار عَمْرو بن بكر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر فَلَمَّا دخل ابْن ملجم الْكُوفَة عَازِمًا على ذَلِك وَكَانَ قد اشْترى سَيْفا بِأَلف دِينَار وسقاه السم حَتَّى نفضه وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يَأْتِي عليا فيستحمله فيحمله وينشد عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا رَآهُ من // (الوافر) //
(أُريدُ حَيَاتهُ ويُريدُ قَتْلِي
…
عذَيري من خَلِيلي من مُرادِ)
ثمَّ يَقُول هَذَا وَالله قاتلي قيل فَمَا يمنعك مِنْهُ قَالَ إِنَّه لم يقتلني بعد وَقيل لَهُ إِن ابْن ملجم يسم سَيْفه وَقَالَ إِنَّه سيقتلك قتلة تَتَحَدَّث بهَا الْعَرَب فَبعث إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ تسم سَيْفك قَالَ لعدوي وعدوك فخلي عَنهُ وَقَالَ مَا قتلني بعد وَعَن عبد الله بن مُطِيع قَالَ خَطَبنَا عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لتخضبن هَذِه من هَذِه فَقَالَ النَّاس أعلمناه لَنَتِرَنهُ ولَنَترن عشيرته قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه أَن يقتل بِي غير قاتلي وَقعت عين ابْن ملجم على قطام امْرَأَة رائعة جميلَة كَانَت ترى رَأْي الْخَوَارِج كَانَ على قتل أَبَاهَا وأخاها بالنهروان فَخَطَبَهَا ابْن ملجم فَقَالَت لَهُ آلَيْت أَلا أَتزوّج إِلَّا على مهر لَا أُرِيد سواهُ ثَلَاثَة آلَاف وَعبد وقينة وَقتل عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ ابْن ملجم وَالله لقد قصدت قتل عَليّ بن أبي طَالب وَمَا أقدمني هَذَا الْمصير غَيره وَلَكِن لما رَأَيْتُك آثرت تزويجك قَالَت لَيْسَ إِلَّا بِالَّذِي قلت لَك قَالَ لَهَا يغنيني أَو يُغْنِيك قتل عَليّ وَأَنا أعلم أَنِّي إِذا قتلته لم أفلت قَالَت إِن قتلته ونجوت فَهُوَ الَّذِي أردْت ويهنيك الْعَيْش مني وَإِن قتلت فَمَا عِنْد الله خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَقَالَ لَهَا لَك مَا اشْترطت فَقَالَت سألتمس من يشد ظهرك فَبعثت إِلَيْهِ بِابْن عَم لَهَا يدعى وردان بن مخالد فأجابها وَلَقي ابْن ملجم شبيب بن بَحر الْأَشْجَعِيّ فَقَالَ يَا شبيب هَل لَك فِي شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تساعدني على
قتل عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ثكلتك أمك لقد جِئْت شَيْئا إمراً كَيفَ تقدمُ على ذَلِك قَالَ إِنَّه رجل لَا حرس لَهُ وَيخرج إِلَى الْمَسْجِد منفردَاً دون من يَحْرُسهُ ننتظره حِين يخرج إِلَى الْمَسْجِد فنكمن لَهُ فِي الْمَسْجِد فَإِذا خرج إِلَى الصَّلَاة قَتَلْنَاهُ فَإِن نجونا نجونا وَإِن قتلنَا سعدنا بِالذكر فِي الدُّنْيَا وَالْجنَّة فِي الآخرةَ فَقَالَ لَهُ وَيلك إِن عليا ذُو سَابِقَة فِي الْإِسْلَام مَعَ النَّبِي
وَالله مَا ينشرح قلبِي لقَتله قَالَ وَيلك إِنَّه حكم الرِّجَال فِي دين الله وَقتل إِخْوَاننَا الصَّالِحين فنقتله بِبَعْض من قتل فَلَا تَشكن فِي دينك فَأَجَابَهُ وأْقبلا حَتَّى دخلا على قطام وَهِي معتكفة فِي الْمَسْجِد الْأَعْظَم فِي قبَّة ضربتها لنَفسهَا فدعَتْ لَهُم وَأخذُوا أسيافهم وجلسوا أَمَام السدة الَّتِي يخرج مِنْهَا عَليّ وَكَانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي شهر رَمَضَان الَّذِي قتل فِيهِ يفْطر لَيْلَة عِنْد الْحسن وَلَيْلَة عِنْد الْحُسَيْن وَلَيْلَة عِنْد عبد الله بن جَعْفَر وَلَا يزِيد على ثَلَاث لقم وَيَقُول أحب أَن ألْقى الله وَأَنا خميص وَلما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِي صبيحتها أَكثر الْخُرُوج وَالنَّظَر إِلَى السَّمَاء وَجعل يَقُول وَالله مَا كذبت وَلَا كذبت وَإِنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي وعدت فَلَمَّا خرج إِلَى صحن الدَّار قَاصِدا الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد إِذا أوز يَصِحن فِي وَجهه فطردوهن فَقَالَ دعوهن فَإِنَّهُنَّ نوائح فَخرج إِلَى الصَّلَاة من بَاب السدة فبدره شبيب فَضَربهُ فأخطأه وضربه ابْن ملجم على مَوضِع الصلع من رَأسه وَقَالَ الحكم لله يَا عَليّ لَا لَك وَلَا لأصحابك فَقَالَ عَليّ فزت وَرب الْكَعْبَة لَا يفوتكم الْكَلْب فَشد النَّاس عَلَيْهِ من كل جَانب فَحمل ابْن ملجم عَلَيْهِم بِسَيْفِهِ فاخرجوا لَهُ وتلقاه الْمُغيرَة بن نَوْفَل بقطيفة فَرمى بِهِ عَلَيْهِ ثمَّ احتمله فَرمى بِهِ الأَرْض وَجلسَ على صَدره ثمَّ أوثقوه وَأما شبيب فهرب خَارِجا من بَاب كِنْدَة وَلما أَخذ عبد الرَّحْمَن قَالَ عَليّ احْبِسُوهُ فَإِن مت فَاقْتُلُوهُ وَلَا تمثلوا بِهِ وَإِن لم أمت فَالْأَمْر إِلَيّ فِي الْعَفو وَالْقصاص أخرجه أَبُو عمر وَكَذَا فِي الرياض قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ بَقِي عَليّ يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم السبت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد وَقيل
توفّي من يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ الفتك بِهِ لَيْلَة سبع عشرَة فِي رَمَضَان كوقعة بدر وَقيل صبيح لَيْلَة ثَالِث عشرَة وَقيل لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت وَقيل بقيت وَقيل لثمان عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ ذكر هَذَا كُله ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق من // (الطَّوِيل) //
(فَلم أر مهْرًا سَاقه ذُو سماحةٍ
…
كمهْرِ قطام بَين عربٍ وأَعْجُمِ)
(ثلاثةُ آلافٍ وعَبْدٌ وقنينةٌ
…
وضرْبُ عليِّ بالحسامِ المصمم)
(فَلَا مهْرٌ اغْلى مِنْ عليِّ وَإِن علا
…
وَلَا فَتْكٌ الأَّ دونَ فتكِ ابنِ ملجمِ)
وغسله الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله بن حعفر وَمُحَمّد ابْن الْحَنَفِيَّة يصب المَاء وروى هَارُون بن سعد أَنه كَانَ عِنْد عَليّ مسك أوصى أَن يحنط بِهِ وَقَالَ إِنَّه من حنوط رَسُول الله
أخرجه الْبَغَوِيّ وَصلى عَلَيْهِ الْحسن وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَقيل سبعا وَقيل تسعا وَقيل إِن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أوصى أَن يخفى قَبره لعلمه أَن الْأَمر يصير إِلَى بني أُميَّة فَلم يَأْمَن أَن يمثلوا بقبره وَقد اخْتلف فِي قَبره فَقيل فِي زَاوِيَة الْجَامِع بِالْكُوفَةِ وَقيل بالرحبة من الْكُوفَة وَقيل بقصر الْإِمَارَة مِنْهَا وَقيل بنجف الْحيرَة فِي المشهد الَّذِي يزار بِهِ الْيَوْم وَأَصَح مَا قيل إِنَّه مدفون بقصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ قَالَ الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه قَالَ شريك نَقله ابنُهُ الْحسن يُرِيد بِهِ الْمَدِينَة فَكَانَ فِي مَسِيرهمْ مَا أخرج ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ لما قتل عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه حملوه ليدفنوه عِنْد رَسُول الله
فَبَيْنَمَا هم فِي مَسِيرهمْ لَيْلًا إِذْ ند الْجمل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَلم يدروا أَيْن ذهب وَلم يقدروا عَلَيْهِ فَلذَلِك يَقُول أهل الْعرَاق هُوَ فِي السَّحَاب وَقيل إِن الْبَعِير الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَقع فِي بِلَاد طَيئ فَأَخَذُوهُ ودفنوه انْتهى مَا قَالَه السُّيُوطِيّ
وَقَالَ الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان الْكُبْرَى التَّحْقِيق أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يعرف قَبره على الْحَقِيقَة قلت ذكر ابْن خالكان أَن الرشيد خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فَانْتهى بِهِ إِلَى مَوضِع قبر على الْمَشْهُور الْآن بالمشهد فَأرْسل فهودا على الصَّيْد فتبعت الصَّيْد إِلَى مَكَان الْقَبْر ووقفت الفهود عِنْده وَلم تتقدم إِلَى الصَّيْد فَعجب هَارُون الرشيد من ذَلِك فجَاء رجل من أهل الْحيرَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت إِن دللتك على قبر ابْن عمك عَليّ بن أبي طَالب أَلِي عنْدك ملزمة قَالَ نعم قَالَ هَذَا قَبره فَقَالَ لَهُ الرشيد من أَيْن عَلمته قَالَ كنت أجيء مَعَ أبي فيزوره وَأَخْبرنِي أبي أَنه كَانَ يَجِيء مَعَ جَعْفَر الصَّادِق رضي الله عنه فيزوره وَأَن جعفرا كَانَ يَجِيء مَعَ أَبِيه مُحَمَّد الباقر فيزورهُ وَكَانَ الباقر يَجِيء مَعَ أَبِيه زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن فيزوره وَكَانَ الْحُسَيْن أعلمهم بمَكَان الْقَبْر فَأمر الرشيد بِأَن يحْجر على الْموضع وَكَانَ أول النَّاس وضع فِيهِ ثمَّ تزايدت الْأَبْنِيَة فِيهِ فِي أَيَّام مُلُوك السامانِية وَأَيَّام بني حمدَان وتفاقمت بِزِيَادَة فِي أَيَّام مُلُوك الديلم بني بويه قَالَ وعضد الدولة مِنْهُم هُوَ الَّذِي أظهره ظهوراً عَظِيما وَعمر المشهد عمَارَة حَسَنَة وَأوصى أَن يُدفن هُنَاكَ فَدفن قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ سُئِلَ عَليّ وَهُوَ على مِنْبَر الْكُوفَة عَن قَوْله تَعَالَى {رِجال صدقُوا أُولَئكَ مَا عَاهَدُوا لله عَلَيْهِ فَمِنهُم مَن قضى نَحبَهُ ومِنهُم مَن ينْتَظر} الْأَحْزَاب 23 فَقَالَ للهم اغْفِر هَذِه الْآيَة نزلت فِي وَفِي عمي حَمْزَة وَفِي ابْن عمي عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَأَما عُبَيْدَة فَقضى نحبه شَهِيدا يَوْم بدر وَأما حَمْزَة فَقضى نحبه شَهِيدا يَوْم أحد وَأما أَنا فأنتظر أشقاها يخضب هَذِه من هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لحيته وَرَأسه عهد عَهده إِلَيّ حَبِيبِي أَبُو الْقَاسِم
وَلما أُصِيب دَعَا الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ لَهما أوصيكم بتقوى الله وَلَا تبغيا الدُّنْيَا وَإِن بغتكما وَلَا تبكيا على شَيْء زوى مِنْهَا عنكما وقولا الْحق وارحما الْيَتِيم وَأَعْيُنًا الضَّعِيف واصنعا للآخرة وكونا للظالمين خصمَاً وللمظلوم أنصاراً وأعطوا لله وَلَا تأخذكم فِي الله لومة لائم ثمَّ نظر إِلَى وَلَده مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ لَهُ هَل حفظت مَا أوصيت بِهِ أخويك قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ أوصيك بِمثلِهِ ثمَّ قَالَ أوصيك بتوقير أخويك لعظم حَقّهمَا عَلَيْك وَلَا تُؤثر أمرا دونهمَا ثمَّ قَالَ
لَهما سيفكما وَابْن أبيكما أوصيكما بِهِ فَإِنَّهُ أخوكما وَقد علمتما أَن أَبَاكُمَا يُحِبهُ ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى أَن قبض كرم الله وَجهه وَعَن هشيم مولى الْفضل لما مَاتَ عَليّ قَامَ الْحُسَيْن وَمُحَمّد ابْن الحنيقة إِلَى ابْن ملجم فقطعاه عضوا عضوَاً وسملا عَيْنَيْهِ بمسمار حَدِيد حمى وَلم يتأوه فَلَمَّا جودل قطع لِسَانه فصاح فَقيل لَهُ فَقَالَ وَالله مَا صياحي جزع من الْمَوْت لَكِن خشيت أَن تمر بِي سَاعَة من الدُّنْيَا لَا أذكر الله فِيهَا وَلما أَرَادوا فعل ذَلِك نهاهما الْحسن عملا بِوَصِيَّة وَالِده فَلم يمتثلا لشدَّة حزنهما ثمَّ جعل فِي قوصرة وأوقد النَّار وأحرقت جيفته أم الْهَيْثَم بنت الْأسود النخعية وَقيل بل أَمر الْحسن بِضَرْب عُنُقه فَضربت وَمن أغرب مَا سمعته قَول عمرَان بن حطَّان بن ظبْيَان السدُوسِي الْبَصْرِيّ أحد رُءُوس الْخَوَارِج يمدح ابْن ملجم قَاتل الإِمَام عَليّ كرم الله واجهه وسود وجهيهما // (من الْبَسِيط) //
(يَا ضرْبَةً مِنْ تقىٍّ مَا أرادَ بهَا
…
إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العرشِ رِْضوَانَا)
(إنِّي لأَذْكُوُهُ يَوْمًا فأحسبُهُ
…
أوفى البريةِ عِنْد الله ميزانَا)
(أكْرم بقومٍ بطونُ الطيرِ قبرهُمُ
…
لم يخلطُوا دينَهُمْ بغياً وعدوانَا)
قَالَ الذَّهَبِيّ لما بلغ شعره هَذَا عبد الْملك بن مَرْوَان أَدْرَكته الحمية فَنَذر دَمه فَوضع عَلَيْهِ الْعُيُون فَلم تحمله أَرض وَكَانَ سنّ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ خمسَاً وَسِتِّينَ سنة ذكر ذَلِك أَبُو بكر أَحْمد بن الدارع فِي كتاب مواليد أهل الْبَيْت وَلم يذكرهُ غَيره وَقيل سبع وَخَمْسُونَ وقيِل ثَمَان وَخَمْسُونَ وَقيل ثَلَاث وَسِتُّونَ وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ صحب النَّبِي
بِمَكَّة ثَلَاث عشر سنة وَعمر إِذْ ذَاك اثْنَتَا عشر سنة ثمَّ هَاجر فَكَانَ مَعَه بِالْمَدِينَةِ عشر سِنِين ثمَّ عَاشَ من بعده ثَلَاثِينَ سنة وَمِمَّا رثي بِهِ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول أَبُو الْأسود الدؤَلِي // (من الوافر) //
(أَلا يَا عيْنُ ويحكِ أَسْعدينَا
…
أَلا تَبْكِين امِيرَ المؤمنينا)
(تبْكي أم كُلْثُوم عليهِ
…
بعبرتها وقدْ رأَتَ اليَقينَا)
(أَلا قُلْ للخوارِجِ حيثُ كَانُوا
…
فَلَا قَرَّتْ عيونُ الحاسدينا)
(أَفِي شَهْرِ الصيامِ فَجَعْتُمُونا
…
بخيرِ الناسِ طُرًّا أجمعينَا)
(قتلُمْ خَيْر منْ ركبَ المطايا
…
وذَلَّلها ومنْ ركِبَ السفينَا)
(ومنْ لبِسَ النعالَ ومنْ حذاها
…
ومَنْ قَرَأَ المثانِي والمبينَا)
(وكُلّ مناقبِ الخيراتِ
…
وَحب رسولِ ربِّ العالمينا)
(لقد علمتْ قريشٌ حيْثُ كانَتْ
…
بأنَّكَ خيرهُهُمْ حسباً ودِينا)
(إِذا استقبلْتَ وجَهَ أبي حُسَيْنٍ
…
رَأَيْت البدْرَ فوقَ الناظِرِينا)
(وكنَّا قبل مقلتِهِ بخيْرٍ
…
نرى مَوْلَى رسولِ الله فِينَا)
(يُقيم الحقَّ لَا يرتابُ فِيهِ
…
ويعدلُ فِي العدا والأقربينا)
(وَلَيْسَ بكاتِم علمَاً لديْهِ
…
وَلم يخلقْ من المتسخِّرِينا)
(كأنَّ الناسَ إِذْ فقدوا عليا
…
نعامٌ حارَ فِي بَلَدٍ سبينَا)
(فَلَا تشمتْ مُعَاوِيَة بْنَ حربٍ
…
فَإِن بقيةَ الخلفاءِ فِينَا)
وَقَالَ أَبُو بكر بن حَمَّاد يرثي عليا كرم الله وَجهه وَيرد على عَدو الله عمرَان بن حطَّان قَوْله فِي عدوا الله ابْن مُلجم // (من الْبَسِيط) //
(قلْ لابنِ ملجمَ والأقدارُ غالبةُ
…
هدمْتَ ويْلكَ للإسلامِ أركانا)
(قتلتَ أفضَلَ مَنْ يمشي على قَدمٍ
…
وأولَ الناسِ إسلاماً وإيمانا)
(وأعلَمَ الناسِ بالإسْلامِ ثُمَّ بِمَا
…
سَنَّ الرسولُ لنا شرعا وتبيَانَا)
(صِهْرَ النبيِّ ومولاه وناصِرَهُ
…
أضحَتْ مناقبه نورا وبرهانا)
(وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رغْمِ الحسودِ لَهُ
…
مكانَ هارونَ من مُوسى بن عِمْرَانا)
(وكَانَ فِي الحربِ سَيْفا مَاضِيا ذَكَرًا
…
ليثاً إِذَا لقِيَ الأقرانُ أقرانا)
(ذكَرْتُ قاتلَهُ والدمْعُ منحدرٌ
…
فقلْتُ سبحانَ ربِّ الناسِ سبحانَا)
(إنَّي لأحسبُهُ مَا كانَ من بَشَرٍ
…
يخْشَى المعادَ ولكنْ كَانَ شيْطانا)
(أشقَى مُرَاد إِذا عدَّت قبائلها
…
وأخْسَر الناسِ عِنْد الله ميزنا)
(كعاقِرِ الناقةِ الأُولي التِي جلَبَت
…
على ثمودٍ بأرضِ الحجرِ خُسْرَانا)
(قد كانَ يخبرُهُمْ أنْ سوفَ يخضبها
…
قبْلَ المنيةِ أزمانَا فأزمانا)
(فَلَا عَفا اللُه عَنهُ مَا تحملَهُ
…
وَلَا سَقَى قَبْرَ عمرانَ بْنِ حِطَّانا)
(لقولهِ فِي شقي ظلّ مجتَرماً
…
وَقَالَ مَا قَالَه ظلْمًا وعُدْوانا)
(يَا ضربَة مِن تقِيِّ مَا أرادَ بهَا
…
إِلَّا ليبلُغَ مِنْ ذِي العرشِ رِضْوانا)
(بل ضربةٌ مِنْ غويِّ أورثتْهُ لظى
…
فسوْف يلقى بِها الرحمنَ غضْبَانا)
(كَأَنَّهُ لم يردْ قصدا بضربتِهِ
…
إِلَّا لِيَصْلَى عذَاب الخُلْدِ نيرانا)
وَقَالَ الصفي الْحلِيّ يمدح عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وكرم وَجهه // (من الْخَفِيف) //
(جُمِعَتْ فِي صفائِكَ الأضدادُ
…
فَلهَذَا عَرَّتْ لَك الأندادُ)
(زاهِدٌ حاكمٌ علمٌ شجاعٌ
…
ناسكٌ فاتكٌ فقيرٌ جوادُ)
(هِمَمٌ مَا جُمِعْن فِي بشَرٍ قطْطُ
…
وَلَا حازَ مثلَهُنَّ العبادُ)
(خلقٌ يخجل النسيمَ مِن اللطْفِ
…
وبأسٌ يذوبُ مِنْهُ الجمادُ)
(فلِهذا تعمّّقَتْ فيكَ أقوامٌ
…
بأقوالِهِمْ فزانُوا وزادُوا)
(وغلتْ فِي صفاتِ فضلِك يَاسِينٌ
…
وحماميمٌ هَل أَتَى ثمَّ صادُ)
(ظهرتْ مِنْك للورَى مكرماتُ
…
فأقرَّتْ بفضلِكَ الحسادُ)
(إِن يكذب بهَا عداكَ فقَدْ كَذْذبَ
…
مِنْ قبلُ قوْمُ لوطٍ وعادُ)
(أنتَ سرُّ النبيِّ والصنو وَابْن الْعمِّ
…
والطهْرُ والأخُ المستجادُ)
(لَو رأَى مثلَكَ النبيُّ لآخاهُ
…
وإلَاّ لأخطأَ الإنتقادُ)
(وبكُمْ بَاهل النبيَّ وَلم يُلْف
…
لكُمْ خامسٌ سواهُ يُرَادُ)
(كنتَ نفسَاً لَهُ وعِرْسُكَ وابناكَ
…
لديْهِ النساءُ والأولادُ)
(جلَّ معناك أَن يحيطَ بِهِ الشِّعْرُ
…
ويحْصِي صفاتِك التَّعْدادُ)
(إِنَّمَا اللُه عنكُمُ أذهبَ الرجْسَ
…
فردََّتْ بغيظها الحسادُ)