المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(نسب العبيديين بإفريقية) - سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي - جـ ٣

[العصامي]

فهرس الكتاب

- ‌(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)

- ‌(مناظرة ابْن عَبَّاس للخوارج)

- ‌(التقاء الْحكمَيْنِ بدومة الجندل)

- ‌(الْآيَات فِي شَأْن عَليّ كرم الله وَجهه)

- ‌(الْأَحَادِيث فِي شَأْن أبي الحسنين كرم الله تَعَالَى وَجهه)

- ‌(ذكر أقضيته رضي الله عنه

- ‌(ذكر شَيْء مِمَّا أثر من حكمه وكلماته وأشعاره)

- ‌(خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنهما

- ‌(مَنَاقِب الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)

- ‌(صفته رضي الله عنه

- ‌(لمقصد الرَّابِع وَفِيه سَبْعَة أَبْوَاب الْبَاب الأول فِي الدولة الأموية)

- ‌(خلَافَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان)

- ‌(عهد مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد بالخلافة)

- ‌(وَفَاة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان)

- ‌(صفة مُعَاوِيَة)

- ‌(ذكر مناقبه)

- ‌(بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة)

- ‌(توجه الْحُسَيْن بن عَليّ إِلَى الْكُوفَة واستشهاده بكربلاء)

- ‌(مَنَاقِب الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ)

- ‌(ولَايَة الْوَلِيد بن عتبَة على الْحجاز وعزل عَمْرو بن سعيد)

- ‌(خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد ووقعة الْحرَّة وحصار مَكَّة)

- ‌(وَفَاة يزِيد وبيعة مُعَاوِيَة ابْنه وَملكه)

- ‌(إِظْهَار ابْن الزبير لِلْبيعَةِ)

- ‌(انْتِقَاض أَمر ابْن زِيَاد ورجوعه إِلَى الشَّام)

- ‌(بيعَة مَرْوَان ووقعة مرج راهط)

- ‌(مُفَارقَة الْخَوَارِج لِابْنِ الزبير)

- ‌(خُرُوج سُلَيْمَان بن صُرَدَ فِي التوابين من الشِّيعَة)

- ‌(خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان بعد وَفَاة أَبِيه مَرْوَان)

- ‌(وثوب الْمُخْتَار بِالْكُوفَةِ وأخباره)

- ‌(مسير ابْن زِيَاد إِلَى الْمُخْتَار وَخلاف أهل الْكُوفَة عَلَيْهِ وغلبه إيَّاهُم)

- ‌(شَأْن الْمُخْتَار مَعَ ابْن الزبير)

- ‌(مقتل ابْن زِيَاد)

- ‌(مسيرَة مُصعب إِلى الْمُخْتَار وَقَتله إِيَّاه)

- ‌(خلاف عَمْرو بن سعد الْأَشْدَق ومقتله)

- ‌(مسير عبد الْملك إِلَى الْعرَاق ومقتل مُصعب)

- ‌(أَمر زفر بن الْحَارِث بقرقيسيا)

- ‌(مقتل عبد الله بن الزبير)

- ‌(ولَايَة الْمُهلب حَرْب الْأزَارِقَة)

- ‌(ولَايَة الْحجَّاج على الْعرَاق)

- ‌(وثوب أهل الْبَصْرَة عل الْحجَّاج)

- ‌(مقتل ابْن مخنف وَحرب الْخَوَارِج)

- ‌(خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك)

- ‌(عمَارَة الْمَسْجِد النَّبَوِيّ على يَد عَامله على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز)

- ‌(وَفَاة الْحجَّاج)

- ‌(خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك)

- ‌(خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه وأرضاه)

- ‌(خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك)

- ‌(خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك)

- ‌(خلَافَة الْوَلِيد بن يزِيد)

- ‌(خلَافَة يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان)

- ‌(خلَافَة إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان)

- ‌(خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم)

- ‌(قيام أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي بالدعوة لبني الْعَبَّاس بخراسان)

- ‌(الْبَاب الثَّانِي)

- ‌(فِي الدولة العباسية)

- ‌(ذكر الشِّيعَة ومبادئ دولهم وَكَيف انساقت إِلَى العباسية من بعدهمْ إِلَى آخر دولهم)

- ‌(قصَّة الشورى)

- ‌(خلَافَة أبي الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد السفاح)

- ‌(خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور)

- ‌(الْعَهْد للمهدي وخلع عِيسَى بن مُوسَى)

- ‌(خلَافَة الْمهْدي)

- ‌(خلَافَة الْهَادِي)

- ‌(خلَافَة هَارُون الرشيد)

- ‌(خلَافَة مُحَمَّد الْأمين)

- ‌(خلَافَة الْمَأْمُون)

- ‌(خلَافَة المعتصم)

- ‌(خلَافَة الواثق بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المتَوَكل)

- ‌(خلَافَة الْمُنْتَصر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المستعين بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المعتز بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الْمُهْتَدي بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الْمُعْتَمد على الله

- ‌(خلَافَة المعتضد)

- ‌(خلَافَة المكتفي بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المقتدر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل)

- ‌(خلَافَة القاهر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الراضي بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المتقي لله)

- ‌(خلَافَة المستكفي بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الطيع بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الطائع لله)

- ‌(خلَافَة الْقَادِر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الْقَائِم بِأَمْر الله)

- ‌(خلَافَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله)

- ‌(خلَافَة المستظهر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المسترشد بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة الراشد بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة أبي عبد الله المقتفي)

- ‌(خلَافَة المستنجد بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المستضييء بِنور الله)

- ‌(خلَافَة النَّاصِر لدين الله)

- ‌(خلَافَة الظَّاهِر بِأَمْر الله)

- ‌(خلَافَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه)

- ‌(خلَافَة المستعصم بِاللَّه)

- ‌(شرح حَال التتار)

- ‌(الْبَاب الثَّالِث)

- ‌(فِي الدولة العبيدية المسمين بالفاطميين بالمغرب ثمَّ بِمصْر)

- ‌(نسب العبيديين بإفريقية)

الفصل: ‌(نسب العبيديين بإفريقية)

ثمَّ كَانَت للديلم دولة أُخْرَى واستولوا فِيهَا على النواحي وملكوا الْأَعْمَال ثمَّ سَارُوا إِلَى بَغْدَاد وملكوها وصيروا الْخَلِيفَة فِي مملكتهم من لدن المستكفي أَعْوَام الثَّلَاثِينَ والثلاثمائة إِلَى الأربعمائة وَالْخمسين فَكَانَت مدتهم مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَت من أعظم الدول ثمَّ أَخذهَا من أَيْديهم الْمُلُوك السلجوقية إِحْدَى شعوب التّرْك فَلم تزل دولتهم من لدن الْقَائِم بِأَمْر الله العباسي سنة الْأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة أَو الْخمسين إِلَى آخر الْمِائَة السَّادِسَة وَكَانَت دولتهم كَذَلِك من أعظم الدول فِي الْعَالم وتشعبت عَنْهَا دوَل لَهُم ولأشياعهم فِي النواحي وَهِي بَاقِيَة لهَذَا الْعَهْد آخذة فِي التلاشي كَمَا سنذكر كلا فِي مَحَله من بَابه الْمَعْقُود لَهُ

(نسب العبيديين بإفريقية)

قد اخْتلف النَّاس فِي صِحَة نسب هَؤُلَاءِ العبيديين القائمين بإفريقية ثمَّ بِمصْر فَأثْبت نسبهم وَصَححهُ جمَاعَة ونفاه جمَاعَة كَثِيرُونَ قَالَ الْعَلامَة ابْن خلكان وَالْجُمْهُور على عدم صِحَة نسبهم وَأَنَّهُمْ كذبة أدعياء لَا حَظّ لَهُم فِي النِّسْبَة المحمدية أصلا فَمِمَّنْ أثبت نسبهم الْعَلامَة ابْن خلدون فِي تَارِيخه فَقَالَ نِسْبَة هَؤُلَاءِ العبيديين إِلَى أول خلفائهم وَهُوَ عبيد الله الْمهْدي بن مُحَمَّد الحبيب ابْن جَعْفَر الْمُصدق بن مُحَمَّد المكتوم بن إِسْمَاعِيل الإِمَام بن جَعْفَر الصَّادِق وَلَا عِبْرَة بِمن أنكر هَذَا النّسَب من أهل القيروان وَغَيرهم وَلَا بالمحضر الَّذِي كتب بِبَغْدَاد أَمَام الْقَادِر بِاللَّه العباسي بالقدح فِي نسبهم وَأشْهد فِيهِ أَعْلَام الْأَئِمَّة مثل الْقَدُورِيّ والصيمري وَأبي الْعَبَّاس الأبيوردي وَأبي حَامِد الأسفراييني وَأبي الْفضل النسوي وَأبي جَعْفَر النَّسَفِيّ وَمن العلويين المرتضى وَابْن البلجاني وَابْن الْأَزْرَق وزعيم الشِّيعَة أبي عبد الله بن النُّعْمَان فَهِيَ شهاده على السماع وَكَانَ ذَلِك الْقدح مُتَّصِلا فِي دولة العباسيين مُنْذُ مِائَتَيْنِ من السنين فاشياً فِي أمصارهم وأعصارهم عِنْد أعدائهم شيعَة بني الْعَبَّاس فَتَلَوَّنَ النَّاس بِمذهب أهل

ص: 541

الدولة فجازت شادتهم بذلك وَالشَّهَادَة على السماع فِي مثله جَائِزَة على أَنَّهَا شَهَادَة نفي فَلَا تعَارض شَهَادَة الْمُثبت مَعَ أَن طبيعة الْوُجُود فِي الانقياد إِلَيْهِم وَظُهُور كلمتهم حَتَّى فِي مَكَّة وَالْمَدينَة أدل شَيْء على صِحَة نسبهم وَأما من يَجْعَل نسبهم فِي الْيَهُود والنصرانية كميمون القداح فكفاه إثمَاً وسفسفة وَكَانَ شيعَة هَؤُلَاءِ العبيديين فِي الْمشرق واليمن وإفريقية وَكَانَ أصل ظُهُورهمْ بإفريقية دُخُول الْحلْوانِي وَأبي سُفْيَان من شيعتهم إِلَيْهَا أنفذهما جَعْفَر الصَّادِق وَقَالَ لَهما بالمغرب أَرض بور فاذهبا واحرثاها حَتَّى يَجِيء صَاحب الْبذر فَنزل أَحدهمَا بِبَلَد مرغة وَالْآخر بِبَلَد سَوف جمار وَكِلَاهُمَا من أَرض كتامة ففشت هَذِه الدعْوَة فِي تِلْكَ النواحي وَكَانَ مُحَمَّد الحبيب ينزل سليمَة من أَرض حمص وَكَانَ شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إِذا زاروا قبر الْحُسَيْن فجَاء مُحَمَّد بن الْفضل من عدن لاعة من الْيمن لزيارة مُحَمَّد الحبيب فَبعث مَعَه رستم بن الْحسن بن حَوْشَب من أَصْحَابه لإِقَامَة دَعوته بِالْيمن وَأَن الْمهْدي خَارج فِي هَذَا الْوَقْت فَسَار فأظهر الدعْوَة للمهدي من آل مُحَمَّد بنعوته الْمَعْرُوفَة عِنْدهم وَاسْتولى على أَكثر الْيمن وَسمي بالمنصور وابتنى حصناً بجبل لاعة وَفرق الدعاة فِي الْيمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر وَالْمغْرب وَلما توفّي مُحَمَّد الحبيب عهد إِلَى ابْنه عبيد الله وَقَالَ لَهُ أَنْت الْمهْدي وتهاجر بعدِي هِجْرَة بعيدَة فَتلقى محنَاً شَدِيدَة واتصل خَبره بِسَائِر دعاته فِي إفريقية واليمن وَبعث إِلَيْهِ أَبُو عبد الله الشيعي رجالَا من كتامة يخبرونه بِمَا فتح الله عَلَيْهِم وَأَنَّهُمْ فِي انْتِظَاره وشاع خَبره واتصل بالخليفة العباسي على المكتفي فَطَلَبه ففر من أَرض الشَّام إِلَى الْعرَاق ثمَّ لحق بِمصْر وَمَعَهُ ابْنه الآخر أَبُو الْقَاسِم غُلَاما حدثَاً وخاصته ومواليهم بعد أَن كَانَ أَرَادَ قصد الْيمن فَبَلغهُ مَا أحدث بهَا عَليّ بن الْفضل وَأَنه أَسَاءَ السِّيرَة فانثنى عَن ذَلِك واعتزم على اللحاق بِأبي عبد الله الشيعي داعيتهم بالمغرب فارتحل هُوَ وَمن مَعَه من مصر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ثمَّ خَرجُوا من الْإسْكَنْدَريَّة فِي زِيّ التُّجَّار وَجَاء كتاب المكتفي إِلَى عَامل مصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ عِيسَى النوشري بخبرهم وَالْقعُود لَهُم بالمرصاد وَكتب إِلَيْهِ بنعته وحليته فسرح

ص: 542

فِي طَلَبهمْ ثمَّ وقف عَلَيْهِم وامتحن أَحْوَالهم فَلم يقف على الْيَقِين فِي شَيْء مِنْهَا فخلى سيلهم وجد الْمهْدي فِي السّير وَكَانَت لَهُ كتب فِي الْمَلَاحِم منقولة من آبَائِهِ سرقت من رَحْلِهِ فِي طَرِيقه فَيُقَال إِن ابْنه أَبَا الْقَاسِم استردها من برقة حِين زحف إِلَى مصر ثمَّ إِن الْمهْدي أغزى ابْنه أَبَا الْقَاسِم وجموع كتامة سنة إِحْدَى وثلاثمائة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ومصر وَبعث أسطوله فِي الْبَحْر فِي مِائَتي مركب وشحنها بالأمداد وَعقد عَلَيْهَا لحباسة بن يُوسُف فسارت العساكر فملكوا برقة والإسكندرية والفيوم فَبعث المقتدر عَسَاكِر من بَغْدَاد مَعَ سُبكتكين ومؤنس الْخَادِم فتواقعوا مَعَهم مرَارًا وأجلوهم عَن مصر فَرَجَعُوا إِلَى الْمغرب ثمَّ أعَاد الْمهْدي حباسة فِي المعسكر فِي الْبَحْر سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فملكها وَسَار يُرِيد مصر فجَاء مؤنس الْخَادِم من بَغْدَاد لمحاربته فتواقعوا مَرَّات وَكَانَ الظُّهُور آخرا لمؤنس وَقتل من أَصْحَاب حباسة حوالي سَبْعَة آلَاف وَانْصَرف إِلَى الْمغرب فَقتله الْمهْدي فانتفض عَلَيْهِ لذَلِك أَخُو حباسة واسْمه عرُوبَة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من كتامة خلق كثير من كتامة والبربر فسرح إِلَيْهِ الْمهْدي مَوْلَاهُ غَالِبا فِي الجيوش فَهَزَمَهُمْ وَقتل عرُوبَة وَبني عَمه فِي أُمَم لَا تحصى ثمَّ اعتزم الْمهْدي على بِنَاء مَدِينَة على سَاحل الْبَحْر يتخذها معصماً لأهل بَيته لما كَانَ يتوقعه على الدولة من الْخَوَارِج ويحكى عَنهُ أَنه قَالَ بنيتها ليعتصم بهَا الفواطم سَاعَة من نَهَار وأراهم موقف صَاحب الْحمار بساحتها فَخرج بِنَفسِهِ يرتاد موضعا لبنائها وَمر بتونس وقرطاجنة حَتَّى وقف على مَكَانهَا جَزِيرَة مُتَّصِلَة بِالْبرِّ كصورة كف اتَّصَلت بزند فاختطها وَهِي المهدية وَجعلهَا وأدار ملكه وأدار عَلَيْهَا سوراً محكماً وَجعل لَهَا أبواباً من الْحَدِيد وزن كل مصراع مائَة قِنْطَار وابتدأ بنائها آخر سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَلما ارْتَفع السُّور رمى من فَوْقه بِسَهْم إِلَى نَاحيَة الْمغرب وَنظر إِلَى منتهاه وَقَالَ إِلَى هَذَا الْموضع يصل صَاحب الْحمار يَعْنِي أَبَا يزِيد وَأَبُو يزِيد هَذَا خارجي خرج عَلَيْهِ نهب باجة وَغَيرهَا وأحرق وَقتل الْأَطْفَال وسبى النِّسَاء وَاجْتمعَ إِلَيْهِ قبائل البربر وَاتخذ الأخبية والبيوت وآلات

ص: 543

الْحَرْب وَأهْدى إِلَيْهِ رجل حمارا أَشهب وَكَانَ يركبه وَبِه لقب وَكَانَ يلبس جُبَّة صوف قَصِيرَة ضيقَة الكمين وَهُوَ أَبُو يزِيد بن مخلد بن كيداد وَكَانَ جده كيداد من أهل قسطيلية من بلد توزر وَكَانَ يخْتَلف إِلَى بِلَاد السودَان بِالتِّجَارَة وَبهَا ولد وَلَده أَبُو يزِيد الْمَذْكُور ثمَّ أَمر أَن ينحت فِي الْجَبَل دَار لإنشاء السفن تسع مائَة سفين ويخبأ فِي أرْضهَا أهراء الطَّعَام ومصانع اللمياه وَبنى فِيهَا الْقُصُور والدور فكملت سنة سِتّ وثلاثمائة فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ الْيَوْم أمنت على الفواطم ثمَّ جهز ابْنه أَبَا الْقَاسِم بالعساكر إِلَى مصر مرّة ثَانِيَة سنة سبع وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة ثمَّ سَار وَملك الجيزة والأشمونين وَكَثِيرًا من الصَّعِيد وَكتب إِلَى أهل مَكَّة بِطَلَب الطَّاعَة فَلم يُجِيبُوهُ إِلَيْهَا وَبعث المقتدر مؤنساً الْخَادِم فِي العساكر فَكَانَت بَينه وَبَين أبي الْقَاسِم عدَّة وقعات ظهر فِيهَا مؤنس وَأصَاب عَسْكَر أبي الْقَاسِم الْجهد من الغلاء والوباء فَرجع إِلَى إفريقية وَكَانَت مراكبهم قد وصلت من المهدية إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي ثَمَانِينَ أسطولَا مددَاً لأبي الْقَاسِم ثمَّ توفّي عبيد الله الْمهْدي فِي ربيع سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَولي بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد وَيُقَال نزار ولقب الْقَائِم بِأَمْر الله فَعظم حزنه على أَبِيه حَتَّى يُقَال إِنَّه لم يركب سَائِر أَيَّامه إِلَّا مرَّتَيْنِ وَكثر الثوار عَلَيْهِ فِي النواحي فسير إِلَيْهِم وَأَخذهم واستباح أَمْوَالهم وديارهم وحاصر الأدارسة مُلُوك الرِّيف وَدخل الْمغرب وحاصر فاس واستنزل عاملها أَحْمد بن بكر ثمَّ بعث عسكراً إِلَى مصر مَعَ خادمه زيران فملكوا الْإسْكَنْدَريَّة فَجَاءَت عَسَاكِر الإخشيد من مصر فأزعجوهم عَنْهَا فَرَجَعُوا إِلَى الْمغرب ثمَّ توفّي الْقَائِم أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبيد الله الْمهْدي صَاحب إفريقية بعد أَن عهد إِلَى وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَقَامَ بعده وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَقَامَ بعده وَلَده إِسْمَاعِيل بعهده إِلَيْهِ وتلقب بالمنصور هَذَا مَا ذكره ابْن خلدون ثمَّ اسْتمرّ فِي ذكر تعدادهم وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى آخِرهم العاضد لدين الله وَأما غير مَا ذكره ابْن خلدون فِي شَأْنهمْ فَقَالَ بِهِ جماعات كَثِيرُونَ مِنْهُم الإِمَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه دوَل الْإِسْلَام وَنَصه اعْلَم أَن مبدأ أَمرهم ومنشأ خبرهم أَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله القداح لِأَنَّهُ كَانَ يعالج الْعُيُون

ص: 544

بالقدح فتبصر ابْن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قدم إِلَى سليمَة وَكَانَ لَهُ بهَا ودائع وأموال من ودائع جده عبد الله القداح فاتفق أَن جرى بِحَضْرَتِهِ ذكر النِّسَاء فوصفت لَهُ امْرَأَة يَهُودِيّ حداد مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا وَهِي فِي غَايَة الْحسن وَالْجمال وَله مِنْهَا ولد يماثلها فِي الْجمال فَتَزَوجهَا وأحبها وَحسن موضعهَا مِنْهُ وَأحب وَلَدهَا فَعلمه الْعلم وَصَارَت لَهُ نفس عَظِيمَة وهمة كَبِيرَة وَكَانَ الْحُسَيْن يدعيِ أَنه الوصِي وَصَاحب الْأَمر والدعاة بالمغرب واليمن يكاتبونه وَلم يكن لَهُ ولد فعهد إِلَى الْيَهُودِيّ ابْن الْحداد ربيبه وَأَعْطَاهُ الْأَمْوَال وَأمر أَصْحَابه بِطَاعَتِهِ وخدمته وَقَالَ إِنَّه الإِمَام الرضي وزوجه ابْنة عَمه وَهُوَ جدهم عبيد الله فتلقب بالمهدي وَوضع لنَفسِهِ نسبا هُوَ عبيد الله بن الْحسن بن عَلِي بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب فَلَمَّا توفّي الْحُسَيْن قَامَ بعده الْمهْدي هَذَا فَلَمَّا انتشرت دَعوته أرسل إِلَيْهِ داعيه بالمغرب بِمَا فتح الله عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَأَنَّهُمْ ينتظرون قدومه إِلَيْهِم فشاع خَبره عِنْد النَّاس أَيَّام المكتفي العباسي عَليّ بن المعتضد فَطَلَبه فهرب هُوَ وَولده نزار الملقب بالقائم وَهُوَ يومئذٍ غُلَام ومعهما خاصتهما ومواليهما فَلَمَّا وصلا إِلَى إفريقية أحضر الْأَمْوَال مِنْهَا واستصحبها مَعَه فوصل إِلَى رقادة فِي الْعشْر الْأَخير من شهر ربيع الأول سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَنزل فِي قصر من قُصُورهَا وَأمر أَن يدعى لَهُ فِي الْخطْبَة فِي جَمِيع تِلْكَ الْبِلَاد وَجلسَ يَوْم الْجُمُعَة للمبايعة وأحضر النَّاس بالعنف ودعاهم لمذهبه فَمن أجَاب أحسن إِلَيْهِ وَمن أَبى حَبسه فاستمر على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه نزار وتلقب بالقائم بِأَمْر الله تَعَالَى وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه إِسْمَاعِيل وتلقب بالمنصور انْتهى مَا ذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ قَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة الْمَنْصُور هَذَا وَذكر أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَرْوذِيّ قَالَ خرجت مَعَ الْمَنْصُور بن الْقَائِم بن الْمهْدي العبيدي صَاحب

ص: 545

إفريقية يَوْم هزم أَبَا يزِيد الْخَارِجِي فسايرته وَبِيَدِهِ رمحان فَسقط أَحدهمَا مرَارًا فمسحته وتفاءلت لَهُ فَأَنْشَدته من // (الطَّوِيل) //

(فأَلقَتْ عَصَاها واسْتَقَرَّ بِهَا الَّنوى

كَمَا قَرَّ عَيْنًا بالإيابِ المُسافِر)

فَقَالَ هلا قلت مَا هُوَ خير من هَذَا وأصدق {وَأَوحَينا إِلىَ مُوسَى أَن ألقِ عَصاك فَإِذا هيَ تَلقَفُ مَا يأفكوُنَ فَوَقَعَ الحقَّ وَبطلَ مَا كَانُوا يعَمَلُونَ فَغُلِبوُا هُنَالِكَ وَاَنقَلَبوُا صاغِريِن} الْأَعْرَاف 117 119 فَقلت يَا مَوْلَانَا أَنْت ابْن رَسُول الله قلت مَا عنْدك لما عنْدك من الْعلم وَكَانَ الْمَنْصُور شجاعاً رابط الجأش فصيحاً بليغَاً يرتجل الْخطب ارتجالا وَتُوفِّي بمدينته الَّتِي بناها وسماها المنصورية انْتهى مَا ذكره ابْن خلكان وإفريقية بِكَسْر الْهمزَة وَالْفَاء الساكنة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة بعْدهَا مثناة تحتية فقاف مَكْسُورَة فمثناة تحتية مُشَدّدَة إقليم عَظِيم بِبِلَاد الْمغرب افْتتح فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه معد الملقب بالمعز بن إِسْمَاعِيل الملقب بالمنصور بن نزار الملقب بالقائم بن عبيد الله الملقب بالمهدي هَذَا الْمعز أول من ملك مصر من العبيديين أرسل عَبده جوهراً الرُّومِي الصّقليّ أرْسلهُ من إفريقية بِلَاد الْمغرب لأخذ بِلَاد مصر عِنْد اضْطِرَاب جَيشِهَا بعد موت كافور الإخشيدي فَلم يجتمعوا عَلَيْهِ فَأرْسل بَعضهم إِلَى الْمعز يستنجد بِهِ فَأرْسل مَوْلَاهُ جوهراً هَذَا فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة فوصل إِلَى الْقَاهِرَة فِي شعْبَان فِي مائَة ألف مقَاتل وَمَعَهُ من الْأَمْوَال ألف وَمِائَتَا صندوق وَقيل خَمْسمِائَة صندوق فانزعج النَّاس وَأَرْسلُوا يطْلبُونَ إِلَيْهِ الْأمان فآمنهم فَلم يرض الْجَيْش بذلك وبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الْأمان لأَهْلهَا ودخلها يَوْم الثُّلَاثَاء لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان فشق مصر وَنزل فِي مَكَان الْقَاهِرَة الْيَوْم وَأسسَ من ليلته القصرين وخطب يَوْم الْجُمُعَة

ص: 546

الْآتِيَة وَقطع الدُّعَاء لبني الْعَبَّاس ودعا لمَوْلَاهُ الْمعز وَذكر الْأَئِمَّة الاثْنَي عشر وَأذن بحي على خير الْعَمَل وَكَانَ يظْهر الْإِحْسَان إِلَى النَّاس وَيجْلس كل يَوْم سبت مَعَ الْوَزير جَعْفَر بن الْفُرَات واجتهد فِي تَكْمِيل الْقَاهِرَة وَفرغ من جَامعهَا سَرِيعا وَهُوَ الْجَامِع الْأَزْهَر الْمَشْهُور وَأرْسل أميرَاً من أمرائه يُسمى جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام فَأَخذهَا لسَيِّده الْمعز ثمَّ قدم مَوْلَاهُ الْمعز فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وصحبته توابيت آبَائِهِ فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي شعْبَان مِنْهَا تَلقاهُ أَعْيَان مصر فَخَطب النَّاس هُنَاكَ خطْبَة بليغة ارتجالَا ذكر فِيهَا فَضلهمْ وشرفهم وَقد كذب وَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد أغاث الرعايا بهم وبذويهم حكى ذَلِك قَاضِي بِلَاد مصر وَكَانَ جَالِسا إِلَى جَانِبه ثمَّ إِنَّه سَأَلَهُ هَل رَأَيْت خَليفَة أفضل مني فَقَالَ القَاضِي لم أر أحدا من الخلائف سوى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أحججت فَقَالَ نعم قَالَ وزرت قبر النَّبِي

قَالَ نعم قَالَ وقبر أبي بكر وَعمر قَالَ فتحيرتُ مَاذَا أَقُول ثمَّ نظرت فَإِذا ابْنه قَائِم مَعَ كبار الْأُمَرَاء فَقلت شغلني رَسُول الله

عَنْهُمَا كَمَا شغلني أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن السَّلَام على ولي الْعَهْد ونهضت إِلَيْهِمَا فَسلمت عَلَيْهِمَا وَرجعت فانفسح الْمجْلس إِلَى غير هَذَا المجال ثمَّ سَار من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي الْيَوْم الْخَامِس من رَمَضَان من هَذِه السّنة فَنزل بالقصرين ثمَّ كَانَت أول حُكُومَة انْتَهَت إِلَيْهِ أَن امْرَأَة كافور الإخشيدي تقدّمت إِلَيْهِ فَذكرت لَهُ أَنَّهَا كَانَت أودعت رجلا من الْيَهُود الصواغ قبَاء من لُؤْلُؤ منسوج بِالذَّهَب وَأَنه جَحدهَا ذَلِك فَاسْتَحْضرهُ وَقَررهُ فَجحد الْيَهُودِيّ ذَلِك وَأنْكرهُ فَأمر عِنْد ذَلِك الْمعز أَن تحفر دَاره وَأَن يسْتَخْرج مَا فِيهَا فوجدوا القباء قد جعله فِي جرة وَدَفنه فسلمه الْمعز إِلَيْهَا فتقدمت إِلَيْهِ وعرضته عَلَيْهِ فَأبى أَن يقبله مِنْهَا ورده عَلَيْهَا فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ الْحَاضِرُونَ من مُؤمن وَكَافِر وَقد ثَبت فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله

قَالَ إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَفِي بعض التواريخ أَنه سُئِلَ فِي ذَلِك الْمجْلس عَن نسبه فاستل سَيْفه إِلَى نصفه بيمناه وَقبض قَبْضَة من الذَّهَب بيسراه فَقَالَ هَذَا نسبي وَهَذَا حسبي وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك

ص: 547

وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة عملت الروافض الْبِدْعَة الشنعاء يَوْم عَاشُورَاء بِبَغْدَاد من تَعْلِيق المسوح ونثر النتن فِي الْأَسْوَاق وَخُرُوج النِّسَاء سافرات الْوُجُوه والنهود يَنحن على الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَوَقعت فتْنَة عَظِيمَة بَين أهل السّنة وَالرَّوَافِض وكلا الْفَرِيقَيْنِ قَلِيل عقل بعيد من السداد وَذَلِكَ أَن جمَاعَة من أهل السّنة أركبوا امْرَأَة جملا وسموها عَائِشَة وَتسَمى بَعضهم بطلحة وَالزُّبَيْر وَقَاتل مقَاتل أَصْحَاب عَليّ بن أبي طَالب فَقتل من الْفَرِيقَيْنِ خلق كثير وعاثت العيارون فِي الْبَلَد بِالْفَسَادِ ونهبت الْأَمْوَال وَقتل الرِّجَال ثمَّ أَخذ جمَاعَة مِنْهُم فَقتلُوا وصلبوا فسكنت الْفِتْنَة قَالَ الْعَلامَة ابْن الْأَثِير فِي كَامِله لما اسْتَقر الْمعز الفاطمي فِي الديار المصرية وتأطد ملكه سَار إِلَيْهِ الْحُسَيْن بن أَحْمد القرمطي الأحسائي قَالَ ابْن عَسَاكِر وَبَقِيَّة نسبه ابْن أبي سعيد الْحسن بن بهْرَام وَيُقَال الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن يُوسُف بن كودر كار يُقَال أصلهم من الْفرس قَالَ وَيعرف الْحُسَيْن هَذَا بالأعصم وَكَانَ قد تغلب على دمشق سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده الأحساء بعد سنة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق فِي سنة سِتِّينَ وَكسر جَيش جَعْفَر بن فلاح أول من نَاب بِالشَّام عَن الْمعز الفاطمي ذكر لَهُ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر أشعاراً حَسَنَة رائقة فائقة فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَى جَعْفَر بن فلاح قبل الْحَرْب بَينهمَا وَهُوَ هَذِه الأبيات من // (الْبَسِيط) //

(أَلحَرْبُ ساكِنَةٌ والخيلُ صَافِنَهٌ

والسِّلْمُ مبتَذَلٌ والظّلِ مَمْدُودُ)

(فإنْ أنبتُمْ فَمقْبُولٌ إِنَابِتُكُمْ

وَإِنْ أبيتُمْ فَهَذا الكُورُ مَشْدُودُ)

(على ظهورِ المَطَايا أَو يَرِدْنَ بِها

دِمَشْقَ وَالْبَابُ مَهْدُومٌ ومَرْدُودُ)

(إِني امرُؤٌ لَيْسَ من شَأْنِي وَلَا أَرَبِي

طَبْلٌ يَرِنُّ وَلَا نَايٌ وَلَا عُودُ)

(ولَا اعْتِكَافٌ علَى خمرٍ ومجْمَرَةٍ

وذاتِ دَل لهَا دَلٌّ وتفنيدُ)

(وَلَا أَبيتُ بَطِينَ البَطْنِ من شِبَعِ

وَلِي رفيقٌ خميصُ البَطْنِ مَهْجُودُ)

(وَلَا تَسَامَتْ بِيَ الدُّنْيَا إِلَى طَمَعٍ

يَوْمًا وَلَا غرَّنِي مِنْهَا المَوَاعيدُ)

ص: 548

وَمن شعره أَيْضا قَوْله من // (الْكَامِل) //

(يَا سَاكِنَ البَلَدِ المَنِيعِ تَعزُّزًا

بِقِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ وَكُهُوفِهِ)

(لَا عِزَّ إِلاِّ لِلْعَزِيزِ بِنَفْسِهِ

وَبِخَيْلِهِ وَبِرَجْلِهِ وَسُيُوفِهِ)

ثمَّ فِي هَذَا الْعَام وَهُوَ عَام ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة سَار إِلَى مصر فِي جَيش كَبِير من أَصْحَابه والتقى مَعَه أَمِير الْعَرَب بِبِلَاد الشَّام وَهُوَ حسان بن الْجراح الطَّائِي فِي عرب الشَّام بكاملهم فَلَمَّا سمع بِهِ الْمعز الفاطمي سقط فِي يَده لكثرتهم فَكتب إِلَى القرمطي يستميله وَيَقُول لَهُ إِن دَعْوَة آبَائِك إِنَّمَا كَانَت لآبائي قَدِيما فدعوتنا وَاحِدَة وَيذكر فَضله وَفضل آبَائِهِ فَرد لَهُ الْجَواب قَوْله من // (الْكَامِل) //

(زَعَمتْ رِجَالُ العُرْبِ أَنِّي هِبْتُهَا

فَدَمِى إذَنْ مَا بَينْهَا مَطْلُولُ)

(يَا مِصْرُ إنْ لَمْ أَسْقِ أَرْضَكِ مِنْ دَمٍ

يَرْوِى ثَرَاكِ فَلَا سَقَانِي النِّيلُ)

وصل كتابك الَّذِي كثر تَفْصِيله وَقل تَحْصِيله وَنحن سائرون على أَثَره وَالسَّلَام فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى أَطْرَاف مصر عاثوا قتلا ونهباً وَفَسَادًا وحار الْمعز مَاذَا يفعل لِكَثْرَة من مَعَ القرمطي وَضعف جَيْشه عَن مقاومته فَعدل إِلَى المكيدة والخديعة فراسل حسان بن الْجراح أَمِير الْعَرَب ووعده بِمِائَة ألف دِينَار فَأرْسل إِلَيْهِ حسان أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِمَا التزمت فِي أكياس وَأَقْبل بِمن مَعَك فَإِذا الْتَقَيْنَا انهزمتُ بِمن معي فَأرْسل إِلَيْهِ الْمعز بِمِائَة ألف فِي أكياس وَلكنهَا زغل أَكْثَرهَا ضرب النّحاس وَألبسهُ ذَهَبا وَجعله فِي أَسْفَل الأكياس وَوضع فِي رُءُوس الأكياس الدَّنَانِير الْخَالِصَة وَلما بعثها إِلَيْهِ ركب فِي أَثَرهَا بجيشه فَالتقى النَّاس فَلَمَّا تواجه الْفَرِيقَانِ ونشبت الْحَرْب بَينهمَا انهزم حسان بن الْجراح بالعرب فضعف جَانب القرمطي وَقَوي عَلَيْهِ الْمعز الفاطمي فَكَسرهُ وانهزمت القرامطة بَين يَدَيْهِ فَرَجَعُوا إِلَى أَذْرُعَات فِي أذلّ حَال وَبعث الْمعز فِي آثَارهم بعض الْأُمَرَاء فِي عشرَة آلَاف فَارس ليحسم مَادَّة القرامطة وَلما أرسل جَوْهَر الْقَائِد الرُّومِي الصّقليّ رَسُولا إِلَى سَيّده الْمعز الفاطمي بإفريقية يبشره بِفَتْح الديار المصرية وَإِقَامَة الدعْوَة وَالْخطْبَة لَهُ بهَا فَرح فرحَاً شَدِيدا وامتدحه الشُّعَرَاء فَكَانَ مِمَّن امتدحه شاعره مُحَمَّد بن هَانِئ الأندلسي بالقصيدة الْمَشْهُورَة وَهِي من // (الطَّوِيل) //

(تَقُولُ بَنو العباسِ هَلْ فُتِحَتْ مِصْرُ

فَقُلْ لبني العباسِ قَدْ قُضِي الأَمْرُ)

ص: 549

(وَقد جَاوَز الإسكندريةَ جَوْهَرٌ

تطالِعُهُ البُشْرى ويَقْدُمُهُ النَّصْرُ)

(وَقد أَوْفدَتْ مِصْرٌ إليهِ وُفودَهَا

وَزِيدَ على المعقودِ مِنْ جسرِهَا جِسْرُ)

(فَمَا جَاء هَذَا اليومُ إلَاّ وَقَدْ غَدَتْ

وأيْدِيكُمُ مِنْهَا ومِنْ غَيرِها صِفْرُ)

(فَلَا تُكْثِرُوا ذمَّ الزمَانِ الَّذِي خلا

فذلِك عصْرٌ قد تَقصَّى وّذَا عَصْرُ)

(أَفِى الجيشِ كنتُمْ تمْتَرُونَ رُوَيْدكُم

فَهَذَا القَنَا العرّاصُ والعسْكَرُ المجْرُ)

(وَقد أَشْرفتْ خيلُ الإِلهِ طَوَالِعًا

عَلَى الدِّينِ والدُّنيا كَمَا طَلَعَ الفجْرُ)

(وَذَا ابْنُ رسولِ الله يطلُبُ وَتْرَهُ

وكَانَ حَرٍ ألَاّ يَضِيعَ لَهُ وَتْرُ)

(ذَرُوا الوِرْدَ فِي مَاءِ الفُرَاتِ لِخيلِهِ

فَلَا الضَّحْلُ مِنْهُ تمنَعُونَ وَلَا الغَمْرُ)

(أفِى الشمسِ سكٌّ أِنها الشمسُ بعْدَ مَا

تَجلَّتْ عِيَانّا ليسَ مِنْ دونِها سِتْرُ)

(وَما هِيَ إِلَّا آيةٌ بعدَ آيةٍ

ونذرٌ لكم إِنْ كَانَ تُغِنيكُمُ النٌّ ذْرُ)

(وكونُوا حَصِيدًا خامِدِينَ أوِ ارْعَوُوا

إِلَى ملِكٍ فِي كَفِّه الموتُ والنَّشْرُ)

(أَطِيعُوا إِمَامًا للأئمةِ فَاضِلاً

كمَا كَانَتِ الأَعْمَالُ يَفْضُلُهَا البرُّ)

(رِدُوا سَاقياً لَا تُنْزِفُونَ حِيَاضَهُ

جموعاً كَمَا لَا تُنْزِفُ الأبْحُرَ الذَّرُّ)

(فَإِن تَتْبَعُوهُ فَهْوَ مَوْلاكُمُ الَّذِي

لهُ بِرَسُولِ الله دُونَكُمُ الفَخْرُ)

(وإلَاّ فبُعْدًا للبَعِيدِ فَبَيْنَهُ

وبينَكُمُ مَا لَا يُقرِّبهُ الدَّهْرُ)

(أَفِى ابْنِ أَبى السِّبْطينِ أمْ فِي طليقِكُمْ

تَنَزَّلتِ الآياتُ والسُّوَرُ الغُرُّ)

(بَنِى نتلةٍ مَا أَوْرَثَ الله نتلة

وَمَا ولدَتْ هَلْ يَسْتَوِي العَبْدُ والحُرُّ)

(وَأَنَّى بِهذَا وَهْيَ أعْدَتْ بلُؤْمِها

أَبَاكُمْ فإيَّاكُمْ ودَعْوى هِيَ الكُفْرُ)

(ذَرُوا النَّاسَ رُدُّوهُمْ إِلَى مَنْ يَسُوسُهُمْ

فمَا لكُمُ فِي الأَمْرِ عُرْفٌ وَلَا نُكْرُ)

(أسرتُمْ قُرُومًا بالعراقِ أعِزةَّ

فَقَدْ فُكَّ من أعناقِهِمْ ذلِك الأَسْرُ)

(وَقد بَزَّكُمْ أيَّامَكُمْ عَصَبُ الهُدَى

وَأَنْصَارُ دِينِ اللهِ والبيضُ والسُّمْرُ)

(وَمُقْتَبِلٌ أَيَّامَهُ مُتَهلِّلٌ

إِلَيْهِ الشَّبابُ الغَضُّ والزَّمَنُ النَّضْرُ)

(أَدَارَ كَمَا شَاءَ الوَرَى وتَحَيَّزَتْ

على السبعةِ الأَفْلَاكِ أُنْمُلُهُ العَشْرُ)

(أَتَدْرُونَ مَنْ أزكى البريةِ مَنْصِباً

وأفضلُهَا إِنْ عُدِّدَ البَدْوُ والحَضْرُ)

(تعالَوْا إِلى حكامِ كُلِّ قبيلةٍ

فَفِى الأَرْضِ أَقْيَالٌ وأندِيَةٌ زُهْرُ)

(وَلَا تَعْدِلُوا بالصِّيدِ مِنْ آلِ هاشمٍ

وَلَا تَتْرُكوا فِهْراً وَمَا جمعتْ فِهْرُ)

ص: 550

(فجيئوا بمَنْ ضمَّتْ لُّؤىُّ بنُ غالبٍ

وجِيئوا بِمن ضمَّتْ كنانَةُ والنّضْرُ)

(وَلَا تَذرُوا عُلْيا مَعدِّ وعِزَّهَا

ليُعْرفَ منكُمْ مَنْ لَهُ الحقُّ والأَمْرُ)

(ومِنْ عَجَبِ أَن اللسانََ جَرَى لَهُمْ

بذكرٍ عَلَى حينَ انْقَضَوْا وانْقَضَى الذِّكْرُ)

(فَبَادُوا وعَفَّى الله آثارَ مُلْكِهِمْ

فَلَا خَبَرٌ تلقَاهُ عنهُمْ وَلَا خُبْرُ)

(أَلَا تلكمُ الأرْضُ الأَرِيضَةُ أَصْبحَتْ

وَمَا لِبنِى العباسِ عرضهَا ختر)

(فَقَدَ دَالَتِ الدُّنيَا لآلِ محمدٍ

وقدْ جرَّرَتْ أذيالَهَا الدولةُ البِكْرُ)

(وردَّ حقوقَ الطالبيِّينَ مَنْ زكَتْ

صنائِعُهُ فِي آلِهِ وزَكَا الذُّخْرُ)

(مُعِزُّ الهُدَى والدينِ والرَّحِمِ الَّتِي

بِهِ اتَّصلَتْ أسبَابُهَا ولَهُ الشُّكْرُ)

(مَنِ انَتاشَهُمْ فِي كلِّ شرقٍ ومغربٍ

فبُدِّلَ أَمْناً ذَلِكَ الخَوْفُ والذُّعْرُ)

(وكُلُّ إماميِّ يَجيءُ كَأَنَّمَا

على يَدِهِ الشِّعْرَى وَفي وجْهِهِ البَدْرُ)

(وَلما تولَّتْ دولةُ النَّصْبِ عَنْهُمُ

تولى العَمَى والجَهْلُ واللُّؤمُ والغَدْرُ)

(حقوقٌ أتَتْ من دونِهَا أَعصُرٌ خَلَتْ

فَمَا رَدَّهَا دَهْرٌ عليهِمْ وَلَا عَصْرُ)

(فجرَّدَ ذُو التَّاجِ المقاديرَ دونَهَا

كَمَا جُرِّدَتْ بيضٌ مضارِبُها حُمْرُ)

(وأنقذَها مِنْ بُرْثُنِ الدهرِ بعدَمَا

تواكَلَها الفرْس الْمُنِيب والهَصْرُ)

(وأجْرَى على مَا أنزل اللَّهُ قَسْمَهَا

فَلمْ يَنْخَرِمْ فيهَا قليلٌ وَلَا كُثْرُ)

(فدونَكُمُ يَا آلَ بَيْتِ محمَّدٍ

صَفَتْ بمعزِّ الدِّينِ حَمْأَتُها الكُدْرُ)

(فقدْ صارَتِ الدُّنْيَا إليكُمْ مَصِيرَهَا

وَصَار لَهُ الحمْدُ المُضَاعَفُ والأَجْرُ)

(أمامٌ رأيتُ الدينَ مُرْتَبِطًا بِهِ

فَطَاعَتُه فَوْزٌ وعِصْيَانه خُسْرُ)

(أرَى مَدْحَهُ كالمدحِ لله إِنَّه

قُنُوتٌ وَتَسْبِيحٌ يُحَطُّ بِهِ الوِزْرُ)

(هُوَ الوَارِثُ الدُّنْيَا ومَنْ خُلِقَتْ لَهُ

مِنَ النَّاسِ حَتَّى يلتقي الْقطر والقطْرُ)

(وَمَا جَهِلَ المنصورُ فِي المَهْدِ فَضْلَهُ

وَقد لاحَتِ الأعْلَامُ والسِّمة البُهْرُ)

(رَأَى أَنْ يُسَمَّى مالكَ الأرضِ كلِّها

فلمَّا رَآهُ قَالَ ذَا الصَّمَدُ الوَتْرُ)

(وَمَا ذَاكَ أخذٌ بالفَرَاسَةِ وَحْدَهَا

وَلا أَنه فِيها إِلَى النُّطْقِ مُضْطَرُّ)

(ولكنَّ مَرْجُوّاً مِنَ الأَثَرِ الَّذِي

تَلَقّاهُ عَنْ حَبْرٍ ضَنِينٍ بِهِ حبْرُ)

(وكنزاً مِنَ العِلْمِ الرُّبُوبِيِّ إِنه

هوَ العِلْمُ حقَّا لَا العِيَافَةُ والزَّجْرُ)

(فبشِّرْ بِهِ البيتَ المحرَّمَ عاجِلاً

إذَا أَوْجَفَ التَّطْوَافُ بالناسِ والنَّفْرُ)

ص: 551

(وَهَا فَكَأَنْ قَدْ زارَهُ وتجانفَ

بِهِ عنْ قصورِ المُلْكِ طيبَة والسرُّ)

(هلِ البيتُ بَيْتُ الله إلَاّ حَرِيمُه

وهَلْ لِغريبِ الدارِ عَنْ دارِهِ صَبْرُ)

(مَنَازِلُهُ الأُولَى اللَّواتِى يَشُقْنَهُ

فليْسَ لَهُ عنهنَّ مَعْدًى وَلَا قصْرُ)

(وحيثُ تلقَّى جَدُّه القدسَ وانتحتْ

لَهُ كلماتُ اللَّهِ والسرُّ والجَهْرُ)

(فَإِن يَتَمنَّ البيتُ تلكَ فَقَدْ دنَتْ

مواكِبُها والعُسْرُ مِنْ بعدِه اليُسْرُ)

(ألستَ ابنَ بانِيهِ فَلَو جِئْتهُ انجلتْ

غواشِيهِ وابْيَضَّتْ مناسِكُه الغُبْرُ)

(حبيبٌ إلَى بطحاءِ مَكَّة موسِمٌ

تحيي مَعَدًّا فيهِ مَكَّةُ والحِجْرُ)

(هناكَ تضئُ الأرضُ نورَاً وتلتقِى

دُنُوًّا فَلَا يََسْتَبْعِد السَّفَرَ السَّفْرُ)

(وتُدْرَى فروضٌ الحجِّ مِنْ نَاقِلَاتِهِ

ويمْتَازٌ عِنْد الأمَّةِ الخَيْرُ والشَّرُّ)

(وشهدتُّ لَقَدْ أعززْتَ ذَا الدّيِنَ عِزّةً

خَشِيتُ لَهَا أَن يَسْتَبِدَّ بكَ الكِبْرُ)

(وأميضتَ عزماً ليسَ يعْصيكَ بَعْدَهُ

مِنَ الناسِ إِلَّا جاهِلٌ بك مُغْترُّ)

(فَلم يَبْقَ إِلَّا البُرْدُ تترى وقَدْ نأََى

عليكَ بِهِ أَقْصى مواعيدِه شهْرُ)

(وَمَا ضَرَّ مِصرًا حينَ ألقتْ قِيَادَهَا

إِليك أمُدَّ النيلُ أم غَالَهُ الجَزْرُ)

(وَقد حُبِّرتْ فيهَا لَك الخُطَبُ الَّتِي

بدَائِعُها نَظَمٌ وألفاظُها نثْرُ)

(فَلم يُهْترَقْ فيهَا لِذِى ذِمَّةٍ دمٌ

حَرامٌ وَلم يُحْملْ على مُسْلِم إِصْرُ)

(غَدَا جَوْهَرٌ فيهَا غَمَامَةَ رَحْمَةٍ

يَقِى جَانِبَيْها كُلّ حادثةٍ تعْرُو)

(كأَنِّى بِهِ قَدْ سَارَ فِي القومِ سِيرَةً

سَواء إِذَا مَا حلَّ فِي الأرضِ وَالْقَطْرُ)

(وَمن أَيْن تَعْدُوهُ وسيلةُ مِثلِهَا

وقَدْ قُلِّصتْ فِي الحربِ عَن ساقِه الأُزْرُ)

(وثقَّف تثقيفَ الرُّديْنِيِّ قبْلهَا

وَمَا الطَّرْفُ إِلَّا أَن يُهَذِّبهُ الضُّمْرُ)

(وليسَ الَّذِي يَأْتِي بأوَّلِ مَا كفَى

فشُدَّ بِهِ مُلْكٌ وسُدَّ بِه ثَغْرُ)

(فَمَا بمداهُ دُونَ عِزِّ تخلُّفٌ

وَمَا بِخُطَاه دونَ صَالِحةٍ بَهْرُ)

(سننْت لهُمْ فِيهِ من العَدْلِ سُنّةً

هىَ الآيةُ الْكُبْرَى وبُرْهانها السِّحْرُ)

(على مَا خلا من سنةِ الوَحْيِ مَا خَلا

فَأَذْيَالُهَا تَضْفُو عليهِمْ وتَنْجَرُّ)

(وأوصيتَهُ فيهم بِرفْقِكَ مُرْدِفًا

بجودِكَ معقوداً بِهِ عندَكَ البِرُّ)

(وَصَاةً كَمَا أوصى بهِ اللَّه رُسْلَهُ

ول يْسَ بأُذْنٍ أنتَ مُسْمِعُهَا وَقْرُ)

(وثبَّتَّهَا بالكُتْبِ فِى كُلِّ مُدْرَجٍ

كأَنَّ جميعَ الخيرِ فِي طَيِّه سَطْرُ)

ص: 552

(يَقُولُ رجالٌ شاهَدُوا يومَ حُكْمِهِ

بِذا تَعْمُرُ الدُّنْيَا وَلَوْ أنَّها قَفْزُ)

(بذَا لَا ضِيَاعٌ حَلَّلُوا حرماتِهَا

وَأَقْطَاعَها واسْتُصْفِىَ السَّهْلُ والوَعْرٌ)

(فحسْبُكُمُ يَا أهلَ مِصْرٍ بعَدْلِهِ

دَلِيلا على العَدْلِ الَّذِي عَنهُ يَفْتَرُّ)

(فذاكَ بيَانٌ واضحٌ عَن خليفةٍ

كثيرُ سِوَاهُ عِنْد مَعْرُوفه نَزْرُ)

(رَضِينا لكُمْ يَا أهل مصرٍ بِدَوْلةٍ

أطيلَ لَنَا فِي ظلِّها الأمْنُ والوَفْرُ)

(لكُمْ أسْوَةٌ فِينَا قَدِيما فلَمْ يكُنْ

بأحوالِنَا عنكُمْ غِطَاءٌ ولَا سِتْرُ)

(وهَلْ نحنُ إلَاّ مَعْشَرٌ من عُفَاتِهِ

لَنا الصافِناتُ الجُرْدُ والعَسْكرُ الدّثْرُ)

(فكيفَ مَوَالِيهِ الذِينَ كأنَّهُمْ

سَمَاءٌ على الغافِينَ أَمْطَارُها التِّبْرُ)

(لَبِثْنَا بِهِ أيَّامَ دهرٍ كَأَنَّمَا

بِهَا وَسَنٌ أَوْ مَالَ ميْلاً بهَا السُّكْرُ)

(فيا مَلِكًا هَدْيُ المَلَائِكِ هَدْيُه

ولكنَّ بحْرَ الأْنبياءِ لَهُ بَحْرُ)

(وَيَا رَازِقًا من كفِّهِ نَشَأ الحيَا

وإلَاّ فَمِن~ أسْرارِهِ يَنْبُعُ البَحْرُ)

(أَلَا إِنَّمَا الأيَّامُ أيامُكَ الَّتِي

لِىَ الشَّطْرُ من نَعْمَائِها وَلكَ الشَّطْرُ)

(لَك الشَّطْرُ مِنْهَا مَالِكَ المجْدِ والعُلَا

وَيبْقى لَنا مِنْها الحَلُوبةُ والدَّرُّ)

(لقَدْ جدتِّ حَتَّى لَيْسَ لِلمَالِ طَالِبٌ

وأَعطيْتَ حَتَّى مَا لمُنْفِسة قَدْرُ)

(فلَيْسَ لِمَنْ لَا يرتقِى النجمَ هِمَّةٌ

وليسَ لِمَنْ لَا يَسْتَفِيدُ الغِنَى عُذْرُ)

(وَدِدتُّ لجيلٍ قد تقدَّم عصرهُمْ

لوِ استأخَرُوا فِي حلْبَةِ العُمْرِ أَو كَرُّوا)

(وَلوْ شهِدُوا الأيامَ والعَيْشُ بَعْدَهُمْ

حَدَائِقُ والآمَالُ مُونِقةُ خُضْرُ)

(فَلَوْ سَمِعَ التثويبَ مَنْ كانَ رِمَّةً

رُفَاتًا وَلَبَّى الحىَّ مَنْ ضَمَّهُ أبقر)

(لنادَيُت منْ قَدْ مَاتَ حَى بِدَوْلةٍ

تُقَامُ بِهَا المَوْتَى وَيُرْتَجَعُ العُمْرُ)

انْتَهَت قلت قَوْله بني نتلة يُشِير إِلَى بني الْعَبَّاس لِأَن نتلة أم الْعَبَّاس وَقد أفحش فَرمى بني الْعَبَّاس بالْكفْر وَالرّق والعبودية فَلَا قوةَ إِلَّا بِاللَّه وَكَانَ هَذَا مُحَمَّد بن هَانِئ شاعرَاً محبوباً مقرباً عِنْد الْمعز استصحبه مَعَه من بِلَاد القيروان وَتلك النواحي حِين توجه إِلَى الديار المصرية فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وُجد مُحَمَّد بن هَانِئ مقتولَا مجدلَا على حافة الْبَحْر وَذَلِكَ فِي رَجَب وَقد كَانَ شَاعِرًا مطبقاً قوي النّظم إِلَّا أَنه كفره غير وَاحِد من الْعلمَاء فِي مبالغاته فِي مدائحه

ص: 553

للمعز خُصُوصا فَمن ذَلِك قَوْله فِيهِ قبحهما الله تَعَالَى من // (الْكَامِل) //

(مَاشِئْت لَا مَا شاءتِ الأَقْدارُ

فاحْكُمْ فأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ)

وَهَذَا خطأ كثير وَكفر كَبِير وَقَالَ أَيْضا قبحه الله وأخزاه وفض فَاه من // (مجزوء الْكَامِل) //

(وَلَطَالَمَا زَاحَمْت تَحْتََ

رِكَابِهِ جِبْرِيلَا)

وَمن ذَلِك قَوْله قَالَ ابْن الْأَثِير وَلم أر ذَلِك فِي ديوانه من // (مخلع الْبَسِيط) //

(حَلَّ بِرقَّادَةَ المَسِيحُ

حلَِّبهَا لآدَمٌ ونُوحُ)

(حلَّ بِها الله ذُو المَعَالِي

فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ رِيحُ)

قَالَ ابْن الْأَثِير وَقد شرع بعض المتعصبين لَهُ فِي الِاعْتِذَار عَنهُ قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه وَهَذَا الْكَلَام إِن صَحَّ عَنهُ فَلَيْسَ عَنهُ اعتذار لَا فِي الدَّار الْآخِرَة وَلَا فِي هَذِه الدَّار قَالَ فِي الأرج المسكي فَصَارَت الْخطْبَة الإسلامية على قسمَيْنِ فَمن بَغْدَاد إِلَى حلب وَسَائِر ممالك الشرق إِلَى أَعمال الْفُرَات يُخطب فِيهَا للمطيع العباسي وَمن حلب إِلَى بِلَاد الْمغرب مَعَ الْحَرَمَيْنِ الشريفين يخْطب فِيهَا للمعز العُبَيدي هَذَا وَتُوفِّي الْمعز فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه نزار الملقب بالعزيز ابْن الْمعز الفاطمي العبيدي بُويِعَ بعد موت أَبِيه الْمعز وَقَامَ بتدبيره الْقَائِد جَوْهَر غُلَام وَالِده وَكَانَ يَدعِي التنجيم فَكتب لَهُ من // (مخلع الْبَسِيط) //

(بِالظُّلمِ والجَوْرِ قَدْ رَضِينَا

وََلَيْسََ بالْكُفْرِ والحَمَاقَهْ)

(إِنْ كُنْتَ أُعْطِيت عِلْمَ غيْبٍ

بيِّنْ لَنَا كاتِب البِطاقَهْ)

كَانَ الْعَزِيز هَذَا قد استزور رجَلين أَحدهمَا نَصْرَانِيّ اسْمه عِيسَى بن نسطورس وَالْآخر يَهُودِيّ اسْمه مِيشَا فعز بسببهما أهل تينك الملتين فِي ذَلِك

ص: 554

الزَّمَان على الْمُسلمين حَتَّى كتبت إِلَيْهِ امْرَأَة قصَّة فِي حَاجَة فَقَالَت فِيهَا بِالَّذِي أعز النَّصَارَى بِعِيسَى بن نسطورس وَالْيَهُود بميشا وأذل الْمُسلمين بك إِلَّا مَا كشفت عَن ظلامتي فَعِنْدَ ذَلِك أَمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا وَأخذ من النَّصْرَانِي ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار كَذَا ذكره ابْن السُّبْكِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ ابْن خلكان أَكثر أهل الْعلم بِالنّسَبِ لَا يصححون نسب الْمهْدي عبيد الله جد خلفاء مصر حَتَّى إِن هَذَا الْعَزِيز فِي أول مَا تولى صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَوجدَ هُنَالك ورقة مَكْتُوب فِيهَا هَذِه الأبيات من // (السَّرِيع) //

(إِنَّا سمِعْنا نَسباً مُنْكرًا

يُتْلى عَلَى المِنْبرِ فِي الْجامِع)

(إِنْ كُنْتَ فِميمَا تدَّعِى صَادِقًا

فاذْكُرْ أَباً بعْدَ الأبِ السَّابعِ)

(وَإِنْ تُرِدْ تحْقِيقَ مَا قُلْتهُ

فانْسُبْ لنَا نفْسك كالطَّائِعِ)

(أَوْ لَا دعِ الْأنْسابَ مسْتُورةً

وادْخُلْ بِنا فِى النَّسبِ الواسِعِ)

(فَإنَّ أَنْسَابَ بنِى هاشِمٍ

يقْصُرُ عنْها طَمَعُ الطَّامِعِ)

وَتُوفِّي الْعَزِيز فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَكَانَت مدَّته إِحْدَى وَعشْرين سنة ثمَّ قَامَ بعده ابْنه مَنْصُور الملقب بالحكم بِأَمْر الله بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَهُوَ صَاحب الْجَامِع الَّذِي هُوَ دَاخل بَاب النَّصْر فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ أول أمره خيرا وَلما كبر عبد الْكَوَاكِب وَفعل فِي حكوماته مَا يضْحك مِنْهُ الصّبيان من المهملات والقبائح وَاسْتمرّ إِلَى أَن عملت أُخْته على قَتله فَقتل قَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه وفيات الْأَعْيَان فِي تَرْجَمَة الْحَاكِم بِأَمْر الله كَانَ

ص: 555

لَهُ حمَار أَشهب يدعى بقمر يركبه وَكَانَ يحب الِانْفِرَاد وَالرُّكُوب وَحده فَخرج راكبَاً حِمَاره لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة إِلَى ظَاهر مصر وَطَاف ليله كُله وَأصْبح مُتَوَجها إِلَى شَرق حلوان وَمَعَهُ ركابيان فَأَعَادَ أَحدهمَا ثمَّ أعَاد الآخر وَبَقِي النَّاس يخرجُون يَلْتَمِسُونَ رُجُوعه وَمَعَهُمْ دَوَاب الموكب إِلَى يَوْم الْأَحَد سلخ الشَّهْر الْمَذْكُور ثمَّ خرج ثَانِي الْقعدَة جمَاعَة من الموَالِي والأتراك فأمعنوا فِي طلبه وَفِي الدُّخُول فِي الْجَبَل فَرَأَوْا الْحمار الْأَشْهب الَّذِي كَانَ يركب عَلَيْهِ وَهُوَ على قرنة الْجَبَل وَقد ضربت يَدَاهُ بِسيف وَعَلِيهِ سَرْجه ولجامه فتبعوا الْأَثر إِلَى الْبركَة الَّتِي فِي شَرْقي حلوان فَنزل فِيهَا رجل فَوجدَ فِيهَا ثِيَابه وَهِي سبع جبات وَوجدت مزررة لم تحل أزرارها وفيهَا آثَار السكاكين فَحملت إِلَى الْقصر وَلم يشكوا فِي قَتله غير جمَاعَة من الغالين فِي حبهم لَهُ السخيفين عقولا يظنون حَيَاته وَأَنه سَيظْهر ويحلفون بغيبة الْحَاكِم وَكَانَ الْحَاكِم جواداً بِالْمَالِ سفاكاً للدماء وَكَانَت سيرته عجبا يخترع كل يَوْم حكما يحمل النَّاس عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أَنه أَمر النَّاس فِي سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة بكتب سبّ الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فِي حيطان الْمَسَاجِد والقناطر والشوارع وَكتب بِهِ إِلَى سَائِر الْبلدَانِ من الديار المصرية ثمَّ أَمر بِقطع ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وثلاثمائة وَأمر بِضَرْب من سبّ الصَّحَابَة وتأديبه وَأمر بقتل الْكلاب فَلم ير كلب فِي الْأَسْوَاق والأزقة إِلَّا قتل وَنهى عَن بيع الفقاع والملوخيا وَنهى عَن بيع الزَّبِيب قَليلَة وكثيرة وَجمع جملَة كَثِيرَة مِنْهُ فأنفق على إحراقها مَا يُسَاوِي خَمْسمِائَة دِينَار ثمَّ منع من بيع الْعِنَب أصلَا وألزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يتميزوا فِي لباسهم عَن الْمُسلمين فِي الحمامات وخارجها ثمَّ أفرد حمامَاً للْيَهُود وحماماً لِلنَّصَارَى وألزمهم أَلا يركبُوا أَشْيَاء من المراكب المحلاة وَأَن تكون ركبهمْ الْخشب وَلَا يستخدموا أحدا من الْمُسلمين وَلَا يركبُوا حمارا لمكار مُسلم وَلَا سفينة نوتيها مُسلم وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة منع النِّسَاء من الْخُرُوج من الْمنَازل أَو يطلعن من

ص: 556

الأسطحة والطاقات وَمنع الخفافين من عمل الْخفاف لَهُنَّ وَمن الْخُرُوج إِلَى الحمامات وَقتل خلقا مِنْهُنَّ على مُخَالفَة ذَلِك وَهدم بعض الحمامات عَلَيْهِنَّ وجهز عَجَائِز يطفن فِي الْبيُوت يستعلمن أَحْوَال النِّسَاء من مِنْهُنَّ تعشق أَو تعشق بأسمائهن وَأَسْمَاء من يتَعَرَّض لَهُنَّ وَأكْثر من الدوران بِاللَّيْلِ وغرق من اطلع على فسقه من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَضَاقَ النطاق عَلَيْهِنَّ وعَلى الْفُسَّاق وَلم يتَمَكَّن أحد مِنْهُم أَن يصل إِلَى أحد إِلَّا نَادرا حَتَّى إِن امْرَأَة نادت قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية وَهُوَ مَالك بن سعد الفارقي وحلفته بِحَق الحاكمِ لما وقف لَهَا فاستمع كَلَامهَا فَوقف لَهَا فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا وَقَالَت إِن لي أَخا لَيْسَ لي غَيره وَهُوَ فِي السِّيَاق وَأَنا أَسأَلك لما وصلتني إِلَى منزله لأنظر إِلَيْهِ قبل أَن يُفَارق الدُّنْيَا فرق لَهَا القَاضِي رقة شَدِيدَة وَأمر رجلَيْنِ مَعَه أَن يَكُونَا مَعهَا حَتَّى يبلغاها إِلَى الْمنزل الَّذِي تريده فأغلقت بَابهَا وأعطت الْمِفْتَاح جارتها وَذَهَبت حَتَّى وصلت مَعَ الرجلَيْن إِلَى منزل فطرقت الْبَاب وَدخلت وَقَالَت لَهما اذْهَبَا راشدين فَإِذا هُوَ منزل رجل تهواه ويهواها فَأَخْبَرته بِمَا احتالت بِهِ على القَاضِي فأعجبه ذَلِك وَجَاء زَوجهَا آخر النَّهَار فَوجدَ بَابه مغلقاً فَسَأَلَ عَن أمرهَا فَذكر لَهُ مَا صنعت فاستغاث على القَاضِي وَذهب إِلَيْهِ وَقَالَ مَا أُرِيد امْرَأَتي إِلَّا مِنْك فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَخ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا ذهبت إِلَى عشيقها فخاف القَاضِي من معرة هَذَا الْأَمر فَركب إِلَى الْحَاكِم وبكي لَدَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن شَأْنه فَأخْبرهُ بِمَا اتّفق من الْأَمر فَأرْسل الْحَاكِم مَعَ الرجلَيْن من يحضر الرجل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا على أَي حَال كَانَا عَلَيْهِ فوجدوهما متعانقين سكرانين فَسَأَلَهُمَا القَاضِي عَن حَالهمَا فأخذا يعتذران بِمَا لَا يجدي فَأمر بتحريق الْمَرْأَة فِي بَارِية وَضرب الرجل بالسياط ضربَاً مبرحاً وازداد احْتِيَاط الْحَاكِم على النِّسَاء حَتَّى مَاتَ ذكر هَذَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم وَأمر بهدم القمامة وَجَمِيع الْكَنَائِس بالديار المصرية ووهب جَمِيع مَا فِيهَا من الْآلَات وَجَمِيع مَا لَهَا من الأحباس لجَماعَة من الْمُسلمين وَأمر أَلا يتَكَلَّم أحد فِي صناعَة النُّجُوم وَأَن يَنْفِي المنجمون من الْبِلَاد وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْغناء ثمَّ أَمر بِبِنَاء مَا كَانَ هَدمه من الْكَنَائِس ورد مَا كَانَ أَخذه من أحباسها انْتهى

ص: 557

حلوان مَدِينَة كَثِيرَة النزه فَوق مصر بِمِقْدَار خَمْسَة أَمْيَال كَانَت مسكن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَالِد عمر بن عبد الْعَزِيز وَبهَا ولد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْعَلامَة السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه عِنْد ذكر الْحَاكِم ولنذكر شَيْئا من صِفَاته القبيحة وَسيرَته الملعونة أَخْزَاهُ الله وَلَا وَقَاه شرا كَانَ قبحه الله كثير التلون فِي أَفعاله وأقواله جَائِزا فِي كَيْفيَّة بُلُوغ مَا يؤمله لِأَنَّهُ كَانَ يروم أَن يَدعِي الألوهية كَمَا ادَّعَاهَا قَارون فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام فَكَانَ قد أَمر الرّعية إِذا ذكره الْخَطِيب على الْمِنْبَر أَن تقوم النَّاس على أَقْدَامهم صُفُوفا إعظاماً لذكره واحترامَاً لاسمه فَكَانَ هَذَا يفعل فِي سَائِر ممالكه حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَكَانَ أهل مصر على الْخُصُوص إِذا قَامُوا خروا سجدا حَتَّى إِنَّه يسْجد بسجودهم من فِي الْأَسْوَاق من الرعاع وَغَيرهم وابتنى الْمدَارِس وَجعل فِيهَا الْفُقَهَاء والمشايخ ثمَّ قَتلهمْ وخربها وألزم النَّاس بإغلاق الْأَسْوَاق والدكاكين نَهَارا وَفتحهَا ليلَا فامتثلوا ذَلِك دهرَاً طَويلا حَتَّى اجتاز مرّة بشيخ يعْمل النجارة فِي أثْنَاء النَّهَار فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ ألم أنهكم عَن هَذَا فَقَالَ يَا سَيِّدي أما كَانَ النَّاس يسهرون لما كَانُوا يتعيشون بِالنَّهَارِ فَهَذَا من جملَة السهر فَتَبَسَّمَ وَتَركه وَأعَاد النَّاس إِلَى أَمرهم الأول وكل هَذَا مِنْهُ تَغْيِير للرسوم واختبار لطاعة الْعَامَّة ليرقى إِلَى مَا هُوَ أهم من ذَلِك لَعنه الله وَقد كَانَ يعْمل الْحِسْبَة بِنَفسِهِ يَدُور فِي الْأَسْوَاق على حِمَاره فَمن وجده قد عثر فِي معيشته أَمر عبدَاً أسود مَعَه يُقَال لَهُ مَسْعُود أَن يفعل بِهِ الْفَاحِشَة العمطى وَهَذَا أَمر مُنكر مَلْعُون لم يسْبق إِلَيْهِ لَعنه الله وَكَانَت الْعَامَّة يبغضونه ويكتبون لَهُ الأوراق الَّتِي فِيهَا الشتيمة البليغة لَهُ ولأسلافه وحريمه فِي صُورَة قصَص فَإِذا قَرَأَهَا ازْدَادَ حنقَاً عَلَيْهِم حَتَّى إِن أهل مصر حملُوا صُورَة امْرَأَة من ورق بخفها وإزارها وَفِي يَدهَا قصَّة فِيهَا من الشتم والقبائح شَيْء كثير فَلَمَّا رَآهَا ظَنّهَا امْرَأَة فَذهب من ناحيتها وَأخذ الْقِصَّة من يَدهَا فقرأها فَرَأى مَا فِيهَا فأغضبه جدا وَأمر بقتل تِلْكَ الْمَرْأَة فَلَمَّا تحققها من ورق ازْدَادَ غيظاً على غيظه ثمَّ لما وصل إِلَى الْقَاهِرَة أَمر العبيد من السودَان أَن يذهبوا إِلَى مصر فيحرقوها وينهبوا مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والحريم فَذهب العبيد فامتثلوا مَا أَمرهم بِهِ فَقَاتلهُمْ أهل مصر قتالَا عَظِيما ثَلَاثَة أَيَّام وَالنَّار تعْمل فِي

ص: 558

الدّور وَالْحرم وَفِي كل يَوْم يخرج بِنَفسِهِ لَعنه الله فيقف من بعيد ويبكي وَيَقُول من أَمر هَؤُلَاءِ العبيد بِهَذَا ثمَّ اجْتمع النَّاس فِي الْجَوَامِع فَرفعُوا الْمَصَاحِف وجأروا إِلَى الله تَعَالَى واستغاثوا بِهِ فرق لَهُم التّرْك والمشارقة وانحازوا إِلَيْهِم فَقَاتلُوا مَعَهم عَن حريمهم ودورهم السودَان وتفاقم الْحَال جدا ثمَّ ركب الْحَاكِم ففصل بَين الْفَرِيقَيْنِ وكف العبيد عَنْهُم وَكَانَ يظْهر التنصل من الْقَضِيَّة وَأَن العبيد ارتكبوا ذَلِك من غير علمه وَهُوَ ينفذ إِلَيْهِم السِّلَاح ويحثهم على ذَلِك فِي الْبَاطِن وَمَا انجلى الْحَال حَتَّى احْتَرَقَ من مصر نَحْو ثلثهَا وَنهب قريب من نصفهَا وَسبي حَرِيم خْلق كثير فعل بِهن الْفَوَاحِش والمنكرات حَتَّى إِن مِنْهُنَّ من قتلت نَفسهَا خوفًا من الْعَار والفضيحة وَاشْترى الرِّجَال من سبي لَهُم من النِّسَاء والحريم من أَيدي العبيد انْتهى مَا قَالَه ابْن السُّبْكِيّ وقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه المنتظم فِي ذكر الْأُمَم من الْعَرَب والعجم ثمَّ زَاد ظلم الْحَاكِم وَعَن لَهُ أَن يَدعِي الربوبية فَصَارَ قوم من الْجُهَّال إِذا رَأَوْهُ يَقُولُونَ يَا وَاحِد يَا أحد يَا محيي يَا مميت وَكَانَ قد تعدى شَره النَّاس حَتَّى إِلَى أُخْته يتهمها بالفاحشة ويسمعها أغْلظ الْكَلَام فتبرمت مِنْهُ وعملت على قَتله فراسلت فِيهِ أكبر الْأُمَرَاء وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن دواس فتوافقت هِيَ وَهُوَ على قَتله فواطأها على ذَلِك وجهز من عِنْده عَبْدَيْنِ أسودين فَقَالَ لَهما إِذا كَانَت اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة فكونا بجبل المقطم فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة يكون الْحَاكِم هُنَاكَ فِي اللَّيْل ينظر فِي النُّجُوم وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا ركابي وَصبي فاقتلاه واقتلاهما مَعَه وَاتفقَ الْحَال على ذَلِك وتقرر فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ الْحَاكِم لَا بُد أَن فِي هَذِه اللَّيْلَة عَليّ قطعا عظيمَاً فَإِن نجوت مِنْهُ عمرت نَحوا من ثَمَانِينَ سنة فَقَالَت لَهُ أمه يَا مولَايَ فَإِذا كَانَ الْأَمر كَمَا تَقول فارحمني وَلَا تتْرك ليلتك هَذِه إِلَى مَوضِع أصلا وَكَانَ من عَادَته أَن يَدُور حول الْقصر كل لَيْلَة فدار ثمَّ عَاد إِلَى الْقصر فَنَامَ إِلَى قريب ثلث اللَّيْل الْأَخير فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ إِن لم أركب اللَّيْلَة فاضت نَفسِي فثار وَركب فرسا وَتَبعهُ صبي وركابي حَتَّى صعد جبل المقطم فَاسْتَقْبلهُ ذَانك العبدان فأنزلاه عَن

ص: 559

مركوبه وقطعاً يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وبقرا بَطْنه وَأَتيا بِهِ مولاهما فَحَمله إِلَى أُخْته فدفنته فِي مجْلِس دارها واستدعت الْأُمَرَاء والأكابر والوزير وَقد أطلعته على الْحِيلَة فَبَايَعته لولد الْحَاكِم أبي الْحسن عَليّ ولقب بِالظَّاهِرِ لإعزاز دين الله وَكَانَ بِدِمَشْق فاستدعته وَجعلت تَقول للنَّاس إِن الْحَاكِم قَالَ لي إِنَّه يغيب سَبْعَة أَيَّام ثمَّ يعود فاطمأن النَّاس بذلك وَجعلت ترسل ركابين ويصعدون الْجَبَل ويجيئون فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُ فِي الْموضع الْفُلَانِيّ وَيَقُول الَّذين من بعدهمْ تَرَكْنَاهُ فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا حَتَّى اطْمَأَن النَّاس وَقدم ابْنه فحين وصل ألبسته تَاج جد أَبِيه الْمعز وحلته حلية عَظِيمَة فأجلسته على السرير فَبَايعهُ الْأُمَرَاء والرؤساء وأطلقت لَهُم الْأَمْوَال الجزيلة وخلعت على ابْن دواس خلعة سنية هائلة وعملت عزاء أَخِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أرْسلت إِلَى ابْن دواس طَائِفَة من الْجند ليكونوا بَين يَدَيْهِ بسيوفهم وقوفاً فِي خدمته ثمَّ أَمرتهم فِي بعض الْأَيَّام أَن يَقُولُوا لَهُ أَنْت قَاتل مَوْلَانَا ثمَّ يهتبرونه بسيوفهم فَفَعَلُوا ذَلِك وَقتلت كل من اطلع على سرها فِي قتل أَخِيهَا فعظمت هيبتها وقويت حرمتهَا وَثبتت دولتها فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَت متولية الْأُمُور لدولة ابْن أَخِيهَا وَكَانَ عمر الْحَاكِم حِين قتل سبعَاً وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ قَتله سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَمُدَّة ملكه خمسَاً وَعشْرين سنة لَعنه الله وقبحه وَفِي ربيع الآخر من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة فِي دولة الْحَاكِم الْمَذْكُور كتبت بِبَغْدَاد محَاضِر تَتَضَمَّن اللَّعْن والقدح فِي نسب الْخُلَفَاء المصريين الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم فاطميون وَلَيْسوا كَذَلِك وَكتب فِي ذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء والقضاة وَالْفُقَهَاء والأشراف والأماثل والمعدلين وَالصَّالِحِينَ شهدُوا جَمِيعًا أَن الناجم وَهُوَ مَنْصُور ابْن نزار الملقب بالحاكم بِأَمْر الشَّيْطَان لَا بِأَمْر الله حكم الله عَلَيْهِ بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستئصال ابْن معد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْقَائِم ابْن سعيد لَا أسعد الله فَإِنَّهُ لما صَار إِلَى الْمغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي وَمن تقدم من سلفه من الأرجاس والأنجاس عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج لَا نسب لَهُم فِي ولد عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وَلَا

ص: 560

يتعلقون مِنْهُ بِسَبَب وَأَنه منزه عَن أباطيلهم وَأَن الَّذِي ادعوهُ بَاطِل وزور وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ أحدا من أهل بيوتات الطالبيين توقف فِي إِطْلَاق القَوْل فِي هَؤُلَاءِ وَأَنَّهُمْ الْخَوَارِج وَأَنَّهُمْ أدعياء وَقد كَانَ هَذَا الْإِنْكَار لباطلهم شَائِعا فِي الْحَرَمَيْنِ وَفِي أول أَمرهم بالمغرب منتشراً انتشاراً يمْنَع من أَن يُدَلس على أحد كذبهمْ أَو يذهب وَهم إِلَى تصديقهم وَإِن هَذَا الناجم بِمصْر هُوَ وسلفه كفار وفساق فجار ملحدون زنادقة معطلون وللإسلام جاحدون ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون قد عطلوا الْحُدُود وأباحوا الْفروج وَأَحلُّوا الْخُمُور وسفكوا الدِّمَاء وَسبوا الْأَنْبِيَاء ولعنوا السّلف وَادعوا الربوبية وَقد كتب خطه فِي الْمحْضر خلق كثير فَمن العلويين المرتضي والرضي وَابْن الْأَزْرَق الموسوي وَأَبُو طَاهِر بن أبي الطّيب وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن أبي يعلى وَمن الْقُضَاة أَبُو مُحَمَّد القناتي وَأَبُو الْقَاسِم الحمزوي وَأَبُو الْعَبَّاس بن السوري وَمن الْفُقَهَاء الإِمَام أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ وَأَبُو مُحَمَّد بن الكشفلي وَأَبُو الْحُسَيْن الْقَدُورِيّ وَأَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ وَأَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ وَأَبُو عَليّ بن حكمان وَمن الشُّهُود أَبُو الْقَاسِم التنوخي فِي كثير وقُرئ بِالْبَصْرَةِ وَكتب فِيهِ خلق كثير هَذِه عبارَة الشَّيْخ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ قَامَ من بعده وَلَده عَليّ الملقب بِالظَّاهِرِ لإعزاز دين الله وكني بِأبي هَاشم بُويِعَ بعد قتل أَبِيه وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَقَامَت عمته بتدبير ملكه أحسن قيام كَمَا تقدم ذكره إِلَى أَن مَاتَت فحذا حذوها وَحسنت أَيَّامه وَسيرَته إِلَى أَن طمع النَّاس فِيهِ لصِغَر سنه وتغلب صَاحب الرملة حسان بن مفرج البدري على أَكثر بِلَاد الشَّام وتضعضعت دولة الظَّاهِر إِلَى أَن توفّي يَوْم الْأَحَد منتصف شعْبَان سنة سبع

ص: 561

وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَله من الْعُمر ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سِتَّة عشر عَاما وَتِسْعَة أشهر ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه معد المُكَنى أَبَا تَمِيم الملقب بالمستنصر بسين الاستفعال ابْن الظَّاهِر وعمره سبع سِنِين وتكفل بأعباء المملكة بَين يَدَيْهِ الْأَفْضَل أَمِير الجيوش بدر بن عبد الله الجمالي بُويِعَ يَوْم موت أَبِيه وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَبَقِي فِي الْخلَافَة سِتِّينَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَلَا يعلم فِي الْإِسْلَام خَليفَة وَلَا سُلْطَان أَقَامَ فِي الْملك هَذِه الْمدَّة والمستنصر هَذَا هُوَ الَّذِي خطب لَهُ البساسيري على مَنَابِر بَغْدَاد وَهَذَا شَيْء لم يَقع لأحد من آبَائِهِ وَفِي أَيَّامه وَقع الغلاء الْعَظِيم بِمصْر حَتَّى إِن الْكَلْب بيع بِخَمْسَة دَنَانِير ليؤكل والقط بِثَلَاثَة دَنَانِير وضعفت النَّاس من شدَّة الْجُوع حَتَّى إِن الْكَلْب يدْخل إِلَى بَيت الشَّخْص فيأكل وَلَده وَلَيْسَ لَهُ قدرَة على النهوض إِلَى دَفعه وَكَانَ بِمصْر حارة تعرف بحارة الطَّبَق وفيهَا عشرُون دَارا كل دَار تَسَاوِي أَكثر من ألف دِينَار فبيعت كلهَا بطبق خبز كل دَار مِنْهَا برغيف قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم خرجت امْرَأَة وَمَعَهَا قدر ربع من جَوْهَر فَقَالَت من يَأْخُذ مني هَذَا الْجَوْهَر ويعطيني عوضا برا فَلم تجدْ مَنْ يَأْخُذهُ مِنْهَا بذلك فَقَالَتْ إِذَا لم يَنْفَعنِي وَقت الْحَاجة فَلَا حَاجَة لي بِهِ فألقته على الأَرْض وانصرفت فالعجب مَا كَانَ لَهُ من يلقطه وَأخرج الْمُسْتَنْصر جَمِيع الذَّخَائِر فَبَاعَهَا يُقَال إِنَّه بَاعَ فِي هَذَا الغلاء ثَمَانِينَ ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الْجَوَاهِر المثمنة وَخَمْسَة وَسبعين ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الديباج المنسوج بِالذَّهَب وَعشْرين ألف سيف محلى وَأحد عشر ألف دَار وافتقر الخلبفة حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا سجادة تَحْتَهُ وقبقاب فِي رجله

ص: 562

فَصَارَ إِذا نزل للصَّلَاة يستعير بغلة الدِّيوَان حَتَّى يركبهَا وَمَات مُعظم النَّاس جوعا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِي ولَايَة الْمُسْتَنْصر كَانَ غلاء شَدِيد وقحط عَظِيم بديار مصر بِحَيْثُ إِنَّهُم أكلُوا الْجِيَف وَالْمَيتَات وَالْكلاب وأفنيت الدَّوَابّ فَلم يبْق لصَاحب مصر فرس بعد الْعدَد الْكثير وَنزل الْوَزير يَوْمًا عَن بغلته فَغَفَلَ عَنْهَا الْغُلَام لضَعْفه من الْجُوع فَأَخذهَا ثَلَاثَة نفر فذبحوها وأكلوها فَأخذُوا وصلبوا فَأَصْبحُوا وعظامهم بادية على مَا صلبوا عَلَيْهِ قد أكل النَّاس لحومهم وَظهر على رجل يقتل الصّبيان وَالنِّسَاء ويدفن رُءُوسهم وأطرافهم وَيبِيع لحومهم فَقتل وفيهَا ضَاقَتْ يَد شرِيف مَكَّة مُحَمَّد بن أبي هَاشم بن فليتة فَأخذ الذَّهَب من أَسْتَار الْكَعْبَة والميزاب وَالْبَاب فَضرب ذَلِك دَرَاهِم ودنانير وَكَذَلِكَ فعل صَاحب الْمَدِينَة بالقناديل الَّتِي فِي الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقبلهَا فِي سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة كَانَت فتْنَة البساسيري وَهُوَ أرسلان التركي قبحه الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنه عزم على أَن يسير إِلَى بَغْدَاد ويأخذها من صَاحبهَا الْخَلِيفَة العباسي الْمُسَمّى بِالْقَاهِرَةِ بن الْقَادِر ويخطب فِيهَا للمستنصر الفاطمي فَركب البساسيري وَمَعَهُ قُرَيْش بن بدران أَمِير الْعَرَب إِلَى الْموصل فَأَخذهَا وأخرب قلعتها فانزعج النَّاس لذَلِك واضطربت بَغْدَاد وأرجف النَّاس بِأَن البساسيري عازم على قصد بَغْدَاد وَأَنه قرب من الأنبار وتفرق الْجَيْش من بَغْدَاد إِلَى نواحي همذان والأهواز وَبقيت بَغْدَاد وَلَيْسَ بهَا أحد من الْمُقَاتلَة فعزم الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله على الرحيل من بَغْدَاد إِلَى غَيرهَا وليته فعل ثمَّ أحب دَاره وَالْمقَام مَعَ أَهله فَلبث فِيهَا اغْتِرَارًا وَلما خلا الْبَلَد من الْمُقَاتلَة قيل للنَّاس من أَرَادَ الْخُرُوج فليذهب إِلَى حَيْثُ شَاءَ فانزعج النَّاس وَبكى الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال وَعبر كثير من النَّاس إِلَى الْجَانِب الغربي وَبَلغت المعبرة دِينَارا أَو دينارين لعدم الجسر قَالَ وطار فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على دَار الْخَلِيفَة نَحْو من عشر بومات مجتمعات

ص: 563

يصحن صياحاً مزعجاً وَقيل للوزير أبي الْقَاسِم بن الْمسلمَة الملقب برئيس الرؤساء وَزِير الْقَائِم العباسي من الْمصلحَة أَن الْخَلِيفَة يرتحل من بَغْدَاد لعدم الْمُقَاتلَة بهَا فَلم يقبل وشرعوا فِي اسْتِخْدَام طَائِفَة الْعَوام ودُفِعَ إِلَيْهِم سلَاح من دَار المملكة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد الثَّامِن من ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة دخل البساسيري بَغْدَاد وَنشر الرَّايَات الْبيض المصرية وعَلى رَأسه أَعْلَام مَكْتُوب عَلَيْهَا الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَو تَمِيم معد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَتَلقاهُ أهل الكرخ وهم أهل الرَّفْض والإلحاد فتضرعوا إِلَيْهِ وسألوه أَن يجتاز عِنْدهم فَدخل الكرخ وَخرج إِلَى مشرعة الروايا فخيم بهَا وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي ضرّ ومجاعة شَدِيدَة وَنزل قُرَيْش بن بدران فِي نَحْو مِائَتي فَارس على مشرعة بَاب الْبَصْرَة وَكَانَ البساسيري قد جمع العيارين وأطمعهم فِي نهب دَار الْخلَافَة وَنهب أهل الكرخ دور أهل السّنة بِبَاب الْبَصْرَة ونهبت دَار قَاضِي الْقُضَاة الدَّامغَانِي وَهلك اكثر السجلات والكتب الْحكمِيَّة ونهبت دَار المتعلقين بِخِدْمَة الْخَلِيفَة وأعادت الروافض الْأَذَان بحي على خير الْعَمَل وَكَذَلِكَ أذن فِي سَائِر جَوَامِع بَغْدَاد وَضربت لَهُ السِّكَّة على الذَّهَب وَالْفِضَّة وحوصرت دَار الْخلَافَة فحاجز الْوَزير ابْن الْمسلمَة بِمن مَعَه من المستخدمين دونهَا فَلم يفد ذَلِك شَيْئا فَركب الْخَلِيفَة بِالسَّوَادِ والبردة على كَتفيهِ وعَلى رَأسه القواد وَبِيَدِهِ سيف صلت وَحَوله زمرة من الهاشميين والجواري حاسرات وجوههن ناشرات شعورهن مَعَهُنَّ الْمَصَاحِف على رُءُوس الرماح وَبَين يَدَيْهِ الخدم بِالسُّيُوفِ المسللة ثمَّ إِن الْخَلِيفَة أَخذ ذمامَاً من أَمِير الْعَرَب قُرَيْش بن بدران لنَفسِهِ وَأَهله ووزيره ابْن الْمسلمَة فآَمنه على ذَلِك وأنزله فِي خيمة فلامه البساسيري على ذَلِك وَقَالَ لَهُ لقد علمت مَا كَانَ وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ بيني وَبَيْنك من أَنَّك لَا تستبد بِرَأْي دوني وَلَا أَنا دُونك وَمهما ملكنا فبيني وَبَيْنك واستحضر البساسيري ابْن الْمسلمَة ووبخه ولامه لوماً شَدِيدا ثمَّ ضربه ضربا مبرحَاً واعتقله مهاناً عِنْده ونهبت العيارون دَار الْخلَافَة فَلَا يُحْصى مَا أَخذ مِنْهَا من الْجَوَاهِر والنفائْس والديباج والأثاث وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحد وَلَا يُوصف قلت مَا أَخذه البساسيري لأستاذه الْمُسْتَنْصر من دَار الْخَلِيفَة الْقَائِم العباسي

ص: 564

أخرجه وَبَاعه بأبخس الْأَثْمَان وَهُوَ مُضْطَر جوعان وَلم يتمتع بِهِ فِي هَذِه الدَّار وَهُوَ محاسب عَلَيْهِ فِي دَار الْقَرار ثمَّ اتّفق رَأْي البساسيري وقريش بن بدران على تسيير الخلفة من بَغْدَاد وتسليمه إِلَى أَمِير حَدِيثَة عانة وَهُوَ مهارش بن مجلى البدري وَهُوَ من بني عَم قُرَيْش بن بدران وَكَانَ رجلا صَالحا قلت حَدِيثَة عانة بليدَة بَين حلب وبغداد مَشْهُورَة مَذْكُورَة إِلَى الآَن النِّسْبَة إِلَى جزئا الأول فَيُقَال فلَان الحديثي انْتهى فَلَمَّا بلغ الْخَلِيفَة ذَلِك دخل على قُرَيْش بن بدران أَلا يُخرجهُ من بَغْدَاد فَلم يفد ذَلِك شَيْئا وسيروه مَعَ أَصْحَابه إِلَى حَدِيثَة عانة فَكَانَ عِنْد مهارش أميرها حولا كَامِلا وَلَيْسَ مَعَه أْحد من أَهله فحكي عَن الْقَائِم أَنه قَالَ لما كنت بحديثة عانة قُمْت لَيْلَة إِلَى الصَّلَاة فَوجدت فِي قلبِي حلاوة الْمُنَاجَاة ثمَّ دَعَوْت الله تَعَالَى فَقلت اللَّهُمَّ أعدني إِلَى وطني واجمع بيني وَبَين أَهلِي وَوَلَدي وَيسر اجتماعنا وَأعد روض الْأنس زاهراً وَربع الْقرب عَامِرًا فقد قل العزاء وبرح الخفاء قَالَ فَسمِعت قَائِلا على شط الْفُرَات يَقُول نعم نعم فَقلت هَذَا رجل يُخَاطب آخر ثمَّ أخذت فِي السُّؤَال والابتهال فَسمِعت ذَلِك الصائح يَقُول إِلَى الْحول إِلَى الْحول فَعلمت أَنه هَاتِف أنطقه الله تَعَالَى بِمَا جرى الْأَمر عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ خرج من دَاره فِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة وَرجع إِلَيْهَا فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمُقبلَة كَمَا سَنذكرُهُ الْآن وَلما كَانَ يَوْم عيد الْأَضْحَى ألبس البساسيري الخطباء والمؤذنين الْبيَاض وَعَلِيهِ هُوَ وَأَصْحَابه كَذَلِك وعَلى رَأسه الْأَوْلَوِيَّة المستنصرية والقطاريف المصرية وخطب للمستنصر الفاطمي صَاحب مصر وَالرَّوَافِض فِي غَايَة السرُور وانتقم من أَعْيَان أهل بَغْدَاد انتقاماً عَظِيما وغرق خلقا كثيرا وَقتل من الْعلمَاء جمعا وَلما كَانَت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْحجَّة أحضر بَين يَدَيْهِ الْوَزير ابْن الْمسلمَة وَعَلِيهِ جُبَّة صوف وطرطور من لبد أَحْمَر وَفِي رقبته مخنقة من جُلُود فأركب جملا وطيف بِهِ فِي الْبَلَد وَخَلفه من يصفعه بِقِطْعَة جلد وَحين أجَاز

ص: 565

بالكرخ نثروا عَلَيْهِ خلقان المداسات وبصقوا فِي وَجهه ولعنوه وسبوه فَأوقف بازاء دَار الْخلَافَة وَهُوَ فِي ذَلِك كُله يَتْلُو قَوْله تَعَالَى {قُلِ اَللَهُمَ ماَلِكَ اَلملك} الْآيَة آل عمرَان 26 ثمَّ لما فرغ من الطّواف بِهِ فِي الْبَلَد وأعيد إِلَى الْعَسْكَر ألبس جلد ثَوْر بقرنيه وعلق بكلاب فِي شدقيه وَرفع إِلَى الْخَشَبَة حَيا فَجعل يضطرب إِلَى آخر النَّهَار فَمَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ آخر كَلَامه أَن قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أحياني سعيداً وأماتني شَهِيدا ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وبغداد فِي قَبْضَة البساسيري يخْطب فِيهَا للخليفة الْمُسْتَنْصر الفاطمي والقائم قَاعد ب حَدِيثَة عانة ثمَّ لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر صفر أحضر البساسيري قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله الدَّامغَانِي وَجَمَاعَة من الْوُجُوه والأعيان من العلويين والعباسيين وَأخذ عَلَيْهِم الْبيعَة للمستنصر الفاطمي ثمَّ دخل دَار الْخلَافَة وَهَؤُلَاء المذكورون مَعَه وَأمر بِنَقْض تَاج دَار الْخلَافَة فنقضت بعض الشراريف ثمَّ قيل لَهُ إِن ترك الْفَتْح فِي هَذَا الْأَمر من الْمصلحَة فَتَركه ثمَّ ركب إِلَى زِيَارَة المشهد وَأمر بِأَن تنقل جثة ابْن الْمسلمَة إِلَى مَا يُقَارب الْحرم الظَّاهِرِيّ وَأَن ينصب على دجلة وكتبت أم الْخَلِيفَة وَكَانَت عجوزاً كَبِيرَة قد بلغت التسعين وَهِي مختفية فِي مَكَان إِلَى البساسيري تَشْكُو إِلَيْهِ الْفقر وَالْحَاجة وضيق الْحَال فَأرْسل إِلَيْهَا ونقلها إِلَى الْحَرِيم وأخدمها جاريتين ورتب لَهَا كل يَوْم اثْنَي عشر رطلا من خبز وَأَرْبَعَة أَرْطَال من لحم وَلَا يَفِي هَذَا بقيراط مِمَّا فعله بِوَلَدِهَا وبأهل السّنة وَكَانَ وُقُوع هَذَا الْوَاقِع وَالسُّلْطَان طغرلبك أَبُو طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل بن سلجوق غَائِب لقِتَال أَخِيه إِبْرَاهِيم بن مِيكَائِيل فَلَمَّا ظفر بِهِ وأسره وَقَتله وَتمكن فِي أمره وَطَابَتْ نَفسه وَاسْتقر حَاله وَلم يبْق لَهُ بِتِلْكَ الْبِلَاد مُنَازع سمع بِهَذَا الْوَاقِع فَكتب إِلَى قُرَيْش بن بدران أَمِير الْعَرَب يَأْمُرهُ بِأَن يُعَاد الْخَلِيفَة إِلَى دَاره على مَا كَانَ عَلَيْهِ وتوعده على ترك ذَلِك بَأْسا شَدِيدا فَكتب إِلَيْهِ قُرَيْش يتلطف بِهِ ويسأله وَيَقُول أَنا مَعَك على البساسيري بِكُل مَا أقدر عَلَيْهِ حَتَّى يُمكن الله مِنْهُ

ص: 566

وَلَكِن أخْشَى أَن أشرع فِي أَمر يكون فِيهِ على الْخَلِيفَة مفْسدَة أَو يبدر إِلَيْهِ أحد بأذية وَلَكِن سأعمل فِي أمره بِكُل مَا يمكنني ثمَّ إِنَّه راسل البساسيري وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِعُود الْخَلِيفَة إِلَى دَاره وخوفه من جِهَة الْملك طغرلبك وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ إِنَّك دَعوتنَا إِلَى طَاعَة الْمُسْتَنْصر صَاحب مصر وبيننا وَبَينه سِتّمائَة فَرسَخ وَلم يأتنا من جِهَة رَسُول وَلَا أحد وَلم يفكر فِي شَيْء مِمَّا أرسلنَا إِلَيْهِ وَهَذَا الْملك من وَرَائِنَا بالمرصاد وَجَاء كتاب من الْملك طغرلبك عنوانه إِلَى الْأَمِير الْأَجَل علم الدّين أبي الْمَعَالِي قُرَيْش ابْن بدران مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ من شاهنشاه ملك الْمشرق وَالْمغْرب طغرلبك أبي طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل بن سلجوق وعَلى رَأس الْكتاب الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة بِخَط السُّلْطَان حسبي الله وَكَانَ فِي الْكتاب مَا نَصه والآن فقد سَارَتْ بِنَا الْمَقَادِير إِلَى قتال كل عَدو للدّين وَالْملك وَلم يبْق لنا وعلينا من الْمُهِمَّات إِلَّا خدمَة سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وإطلاع أبهة إِمَامَته على سَرِير عزه فَإِن الَّذِي يلْزمنَا ذَلِك وَلَا فسحة فِي التضجيع فِيهِ سَاعَة من الزَّمَان وَقد أَقبلنَا بجيوش الْمشرق إِلَى هَذَا المهم الْعَظِيم ونريد من الْأَمِير الْجَلِيل السَّعْي النجيح الَّذِي وفْق لَهُ وَتفرد بِهِ وَهُوَ أَن يتمم وفاءه من أَمَانَته وخدمته فِي بَاب سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَن يكون أحد الرجلَيْن إِمَّا أَن يقبل بِهِ إِلَى وكر عزه ويتولى إِقَامَته وموقف خِلَافَته من مَدِينَة السَّلَام وينتدب بَين يَدَيْهِ مُتَوَلِّيًا أمره منفذاً حكمه شاهراً سَيْفه وقلمه وَذَلِكَ المُرَاد وَهُوَ خليفتنا فِي تِلْكَ الْخدمَة الْمَفْرُوضَة ويوليه الْعرَاق بأسرها وتصفي لَهُ مشارع برهَا وبحرها لَا يطَأ حافر من خُيُول الْعَجم شبْرًا من أَرض تِلْكَ المملكة إِلَّا بالتماس لمعاونته ومظاهرته وَإِمَّا أَن يحافظ على شخصه العالي بتحويله من القلعة إِلَى حِين يجاء لخدمته فيتكفل بإعادته وَيكون الْأَمِير الْجَلِيل مُخَيّرا بَين أَن يلتقي بِنَا أَو يُقيم حَيْثُ شَاءَ بتولية الْعرَاق وسنخلفه فِي الْخدمَة وَهُوَ أدام الله تمكنه يتَيَقَّن من ذكرنَا وَيعلم أَن توجهنا إِثْر هَذَا الْكتاب بِهَذَا الْغَرَض الْمَعْلُوم وَلَا غَرَض سواهُ وَمن اتَّصل بِبَغْدَاد من سَائِر الْعَرَب والعجم والأكراد كلُّهم إِخْوَاننَا وَفِي ديننَا وعهدنا وعلينا لَهُم عهد الله وميثاقه مَا داموا موافقين للأمير وَلكُل مُحْتَرم

ص: 567

عَفَوْنَا وأمننا لما بدر مِنْهُ إِلَّا البساسيري فَإِنَّهُ لَا عهد لَهُ وَلَا أَمَان وَهُوَ موكول إِلَى الشَّيْطَان وَقد ارْتكب فِي دين الله عَظِيما وَهُوَ إِن شَاءَ الله مَأْخُوذ حَيْثُ وجد ومعذب على مَا عمل وسعي فِي دِمَاء خلق كثير بِسوء دخيلته وإدارة أَفعاله على فَسَاد عقيدته وَكتب فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى قُرَيْش بن بدران استعلم عَن أَخْبَار الْملك طغرلبك من الرُّسُل وَغَيرهم فَإِذا مَعَه جنود عَظِيمَة فخاف من ذَلِك خوفًا شَدِيدا وَبعث إِلَى الْبَريَّة وَأمر بِحَفر أَمَاكِن للْمَاء وتجهيز علوفات كَثِيرَة إِلَى هُنَالك وأنفذ الْكتاب إِلَى البساسيري فانزعج البساسيري لذَلِك وخارت قوته وَضعف أمره وَبعث إِلَى أَهله فنقلهم من بَغْدَاد وأرصد لَهُ إقامات عَظِيمَة بواسط وَجعلهَا دَار مقره وَوَافَقَ على عود الْخَلِيفَة إِلَى بَغْدَاد وَلَكِن اشْترط شُرُوطًا كَثِيرَة ليذْهب خجله وترحل قُرَيْش بن بدران إِلَى أَرض الْموصل وَبعث إِلَى حَدِيثَة عانة يَقُول لأميرها مهارش بن مجلي الَّذِي سلم إِلَيْهِ الْخَلِيفَة الْمصلحَة تَقْتَضِي أَن تحول الْخَلِيفَة إِلَيّ حَتَّى نستأمن لأنفسنا بِسَبَبِهِ فَلَا نسلمه حَتَّى نَأْخُذ لأنفسنا أَمَانًا وَيكون فِي يدك دون يَدي فَامْتنعَ عَلَيْهِ مهارش وَقَالَ قد غدر بِي البساسيري فِي أشياءَ وَعَدَني بهَا فَلم أرها وَلست بمرسله إِلَيْك أبدا وَله فِي عنقِي أَيْمَان كَثِيرَة لَا أغدر بهَا وَكَانَ مهارش رجلا صَالحا ثِقَة أَمينا فَقَالَ للخليفة من الْمصلحَة أَن نسير إِلَى بلد بدر بن مهلهل وَنَنْظُر مَا يكون من أَمر السُّلْطَان فَإِن ظهر دَخَلنَا بَغْدَاد وَإِن كَانَت الْأُخْرَى نَظرنَا لأنفسنا فَإنَّا نخشى من البساسيري أَن يعود فيحصرنا فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة افْعَل مَا فِيهِ الْمصلحَة فسارا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة إِلَى أَن حصلا بقلعة عكبراء فَتَلَقَّتْهُ رسل الْملك طغرلبك بالهدايا الَّتِي كَانَ أنفذها إِلَيْهِ وَهُوَ متشوق إِلَيْهِ كثيرا وَجَاءَت الْأَخْبَار بِأَن السُّلْطَان طغرلبك دخل بَغْدَاد وَكَانَ يَوْمًا مشهودا غير أَن الْجَيْش نهبوا بَغْدَاد سوى دَار الْخَلِيفَة وصودر خلق كثير وشرعوا فِي عمَارَة دَار الْملك وَأرْسل السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة مراكب كَثِيرَة من أَنْوَاع الْخُيُول وَغَيرهَا

ص: 568

وسرادق عَظِيمَة وملابس سنية أرسل ذَلِك مَعَ وزيره عبد الْملك الكندري وَلما انْتَهوا أرْسلُوا بِتِلْكَ الْآلَات قبل أَن يصلوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لمن حوله اضربوا السرادق وليلبس الْخَلِيفَة مَا يَلِيق بِهِ ثمَّ نجيء نَحن فنستأذن عَلَيْهِ فَلَا يَأْذَن لنا إِلَّا بعد سَاعَة طَوِيلَة فَلَمَّا دخل الْوَزير عبد الْملك الكندري وَمن مَعَه قبلوا الأَرْض بعد أَن اسْتَأْذنُوا فَلم يُؤذن لَهُم إِلَّا كَمَا قَالُوا وَأخْبر الْخَلِيفَة بسرور السُّلْطَان بِمَا حصل من الْعود إِلَى بَغْدَاد واشتياقه إِلَيْهِ جدا وَكتب الْوَزير عبد الْملك إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا جرى وَأحب أَن يَأْخُذ خطّ الْخَلِيفَة فِي أَعلَى الْكتاب فَيكون أقرّ لِعَين السُّلْطَان وَلم يكن عِنْد الْخَلِيفَة دَوَاة فأحضر الْوَزير دواته وَمَعَهَا سيف قَالَ هَذِه حُرْمَة السَّيْف والقلم فأعجب الْخَلِيفَة قَوْله وترحلوا من مَنَازِلهمْ تِلْكَ بعد يَوْمَيْنِ لما وصلوا إِلَى النهروان خرج السُّلْطَان طغرلبك من بَغْدَاد لتلقيه فَلَمَّا انْتهى إِلَى السرادق قبل الأَرْض بَين يَدي الْخَلِيفَة سبع مَرَّات فَأخذ الْخَلِيفَة مخدة فوضعها بَين يَدَيْهِ فَأَخذهَا السُّلْطَان فقبلها ثمَّ جلس عَلَيْهَا وَقدم للخليفة الْحَبل الْيَاقُوت الْأَحْمَر الَّذِي كَانَ لِابْنِ بويه فَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَأخرج اثْنَتَيْ عشرَة حَبَّة لُؤْلُؤ كبار وَقَالَ هَذَا لرسلان خاتون وَهِي أُخْته زَوْجَة الْخَلِيفَة وَكَانَت قد خرجت فِي وقْعَة البساسيري وَلَحِقت بأخيها السُّلْطَان طغرلبك تخْدم وتسأل أَن يسبح الْخَلِيفَة بِهَذِهِ المسبحة وَجعل يتَعَذَّر عَن تَأَخره عَن الحضرة فَيَقُول سَببه عصيان أخي إِبْرَاهِيم عَلَي فحاربته وقتلته وَاتفقَ موت أخي الْأَكْبَر فاشتغلت فِي تَرْتِيب أَوْلَاده فِي هَذِه الممالك وَأَنا شَاكر لمهارش بِمَا كَانَ مِنْهُ من خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا ن شَاءَ الله أمضي إِلَى هَذَا الْكَلْب البساسيري وأعود إِلَى الشَّام وأفعل بِصَاحِب مصر مَا يَنْبَغِي أَن يجازي بِهِ من سوء الْمُقَابلَة بِمَا كَانَ من فعله هَهُنَا فَدَعَا لَهُ الْخَلِيفَة وشكره على ذَلِك كل ذَلِك بتوجيه الْوَزير عبد الْملك الكندري بَين الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان وَأعْطى الْخَلِيفَة السُّلْطَان سَيْفا كَانَ لم يبْق مَعَه من أُمُور الْخلَافَة سواهُ ودخلَ الخليفةُ بَغْدَاد يومَ الخميسِ لخمسِ بَقينَ من ذِي القعدةِ وَكَانَ ذَلِك يومَاً مشهوداً الْجَيْش كُله مَعَهُ والقضاة والأعيان بَين يَديهِ وَالسلطان آخذ بلجام بغلته حَتَّى وصل إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَلما وصل الْخَلِيفَة إِلَى دَار مَمْلَكَته ومقر خِلَافَته

ص: 569

اسْتَأْذن السُّلْطَان طغرلبك فِي الْخُرُوج وَرَاء البساسيري فَأذن لَهُ وَكَانَ قد عزم على أَن يمْضِي مَعَه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أكفيك وَأطلق لمهاوش عشرَة آلَاف دِينَار وَلم يرض وَشرع السُّلْطَان فِي تَرْتِيب الجيوش وَرَاء البساسيري فَأرْسل جَيْشًا من نَاحيَة الْكُوفَة ليمنعوه من الدُّخُول إِلَى الشَّام وَخرج هُوَ فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر ذِي الْحجَّة فِي بَقِيَّة الْجَيْش وَأما البساسيري فَإِنَّهُ مُقيم بواسط فِي جمع غلات وتمور يتهيأ لقِتَال أهل بَغْدَاد وَمن فِيهَا وَعِنْده أَن السُّلْطَان طغرلبك وَمن مَعَه لَيْسُوا بِشَيْء يخَاف مِنْهُم وَذَلِكَ لما يُريدهُ الله من إهلاكه على يَد السُّلْطَان جزاه الله عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خيرا وَلما سَار السُّلْطَان وَقد وصلت إِلَيْهِ السّريَّة الأولى فَلَقوهُ بِأَرْض وَاسِط فَالْتَقوا هُنَاكَ فَانْهَزَمَ أَصْحَاب البساسيري وَنَجَا بِنَفسِهِ على فرسه فَتَبِعَهُ بعض الغلمان فَرمى فرسه بنشابة فألقته إِلَى الأَرْض وَجَاء وضربه على وَجهه وَلم يعرفهُ وَأَخذه وَاحِد من الْجَيْش يُقَال لَهُ كشتكين فحز رَأسه وَحمله إِلَى السُّلْطَان وَأخذت الأتراك من جَيش البساسيري من الْأَمْوَال والذخائر مَا عجزوا عَن حمله وَلما وصل الرَّأْس إِلَى السُّلْطَان أَمر أَن يذهب بِهِ إِلَى بَغْدَاد وَأَن يرفع على قناة وَأَن يُطَاف بِهِ والدباب والبوقات والنفاطون مَعَه فَفعل ذَلِك وَخرج النَّاس وَالنِّسَاء وَالصبيان للفرجة عَلَيْهِ ثمَّ نصب على الطيار تجاه دَار الْخلَافَة وَالله الْحَمد والْمنَّة وَكَانَ مَعَ البساسيري خلق من البغاددة خَرجُوا ظانين أَنه سيعود إِ ليها محبَّة فِيهِ فهلكوا ونهبت أَمْوَالهم كلهَا وَلم ينج من أَصْحَابه إِلَّا الْقَلِيل وَأما الْخَلِيفَة فَإِنَّهُ لما عَاد إِلَى دَار الْخلَافَة جعل لله عَلَيْهِ أَلا ينَام وطاء وَلَا يَأْتِيهِ أحد بطعامه إِذا كَانَ صَائِما وَلَا يَخْدمه فِي وضوئِهِ وغسله بل يتَوَلَّى ذَلِك كُله بِنَفسِهِ وَعَاهد الله أَلا يُؤْذِي أحدا مِمَّن آذاه وَأَن يصفح عَمَّن ظلمه وَكَانَ يَقُول مَا عَاقَبت من عصى الله فِيك بِأَكْثَرَ من أَن تطيع الله فِيهِ انْتَهَت وقْعَة اليساسيري بكمالها وأحببت إيرادها لِأَنَّهَا من أعظم الوقائع وَلم

ص: 570

تخل من فَائِدَة وَيُقَال إِن الْمُسْتَنْصر هَذَا أحسن السِّيرَة وَالْعدْل لما احتفظ بتدبير المملكة وَذكروا أَنه كتب على رقْعَة من // (السَّرِيع //

(أصْبحْتُ لَا أرْجُو وَلَا أتَّقِي

إِلا إِلَهِى ولَهُ الْفَضْلُ)

(جدِّى نبِيِّى وإِمامِى أبِي

وقوْلِى التَّوْحِيدُ وَالْعدْل)

المَال مَال الله وَالْعَبِيد عبيد الله وَالعطَاء خير من الْمَنْع {وَسَيعلمُ اَلذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبِ يَنقَلِبوُن} الشُّعَرَاء 227 وَفِي أَيَّامه احْتَرَقَ دمشق سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة قلت البساسيري هَذَا اسْمه أرسلان ويلقب أَبَا الْحَارِث وَهُوَ من التّرْك وَكَانَ من مماليك بهاء الدولة ابْن عضد الدولة الديلمي وَكَانَ أَولا مَمْلُوكا لرجل من أهل مَدِينَة بسا بِالْبَاء العجمية بأصبهان فنسب إِلَى ذَلِك الرجل الْمَنْسُوب إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة فَقيل لَهُ البساسيري ثمَّ كَانَ مقدما كَبِيرا عِنْد الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله لَا يقطع أمرا دونه وخطب لَهُ على مَنَابِر الْعرَاق كلهَا ثمَّ طَغى وبغى وتمرد وعتا وَخرج على الْخَلِيفَة بل وعَلى الْمُسلمين ودعا إِلَى خلَافَة الفاطميين ليتم لَهُ مَا رامه من الأمل الْفَاسِد وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَت وَفَاة الْمُسْتَنْصر يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ من بعده أَحْمد الملقب بالمستعلي المكنى بِأبي الْقَاسِم بُويِعَ بعد موت أَبِيه الْمُسْتَنْصر وسنه نَيف وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه أَمِير الجيوش الْأَفْضَل شاهنشاه ابْن أَمِير الجيوش بدر الجمالي وَقد كَانَ عهد أَبوهُ إِلَى وَلَده الآخر نزار فخلعه الْأَفْضَل فقاتله نزار فَهَزَمَهُ الْأَفْضَل وَأسر القَاضِي ونزار فَقتل القَاضِي وَحبس نزار حَتَّى مَاتَ وَاسْتقر المستعلي فِي الْخلَافَة وَكَانَ عمره

ص: 571

إِحْدَى وَعشْرين سنةَ وَفِي أَيَّامه استولت الفرنج على سواحل أهل الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس واضمحل أَمر الفاطميين وَلم يبْق لَهُم من الْخلَافَة إِلَّا الِاسْم وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث صفر سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مَنْصُور الملقب بالآمر بِأَحْكَام الله ابْن المستعلي ابْن الْمُسْتَنْصر الفاطمي العبيدي أَبُو عَليّ الاخبيث الرافضي بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَتَوَلَّى تَدْبِير مَمْلَكَته شاهنشاه فَلَمَّا كبر جازاه بِالْقَتْلِ وَأقَام عوضه فِي الوزارة الْمَأْمُون البطائحي صَاحب جَامع الْأَقْمَر بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَقَتله وصلبه أَيْضا وَاسْتمرّ الْآمِر إِلَى أَن مَاتَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَكَانَت مدَّته سبعا وَعشْرين سنة وَتِسْعَة أشهر وَلم يعقب وَسبب مَوته أَنه مر على الجسر من الرَّوْضَة عِنْد خُرُوجه إِلَى الجزيرة تجاه مصر فَوَثَبَ عَلَيْهِ تِسْعَة فضربوه بالسكاكين حَتَّى إِن أحدهم وثب وَركب خَلفه ثمَّ حمل جريحاً إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ قَامَ من بعده ابْن عَمه عبد الْمجِيد الملقب بِالْحَافِظِ لدين الله بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر المكنى أَبَا الهول بُويِعَ بعد قتل الْآمِر ودام إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة واستوزر فِي أَيَّامه أَحْمد بن الْأَفْضَل شاهنشاه بن بدر الجمالي ولقب أَمِير الجيوش كأبيه وجده وَكَانَت الْأُمُور قبل ولَايَة الْحَافِظ اضْطَرَبَتْ لمَوْت الْآمِر عَن

ص: 572

غير ولد وَكَانَ الْحَافِظ كثير الْمَرَض بِالرِّيحِ القولنج فَعمل لَهُ الْحَكِيم الْمُسَمّى سرماه طبلاً للقولنج الَّذِي وجد بعد فِي خَزَائِن الفاطميين لما ملك السُّلْطَان صَلَاح الدّين مصر وَكَانَ هَذَا الطبل مركبا من الْمَعَادِن السَّبْعَة فِي أَشْرَافهَا وَكَانَ من خاصية هَذَا الطبل إِذا ضرب بِهِ أحد خرج مِنْهُ تِلْكَ الرّيح الْمَذْكُورَة فَلَمَّا وجد فِي الخزائن ضرب بِهِ بعض الأجناد الأجلاف فَخرج مِنْهُم ريح فَغَضب وَضرب بِهِ الأَرْض فَكَسرهُ فبطلت تِلْكَ الخاصية فندم السُّلْطَان صَلَاح الدّين لذَلِك غَايَة النَّدَم وَفِي أَيَّام الْحَافِظ هَذَا ابتذلت الْخلَافَة حَتَّى لم يبْق لَهُ من الحكم لَا قَلِيل وَلَا كثير وَكَانَت مدَّته تسع عشرَة وَسَبْعَة أشهر ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه إِسْمَاعِيل الملقب بالظافر ابْن عبد الْمجِيد بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر الفاطمي العُبيدي صَاحب الْجَامِع الظافري الْمَعْرُوف بِجَامِع الفاطميين دَاخل الْقَاهِرَة بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة وَأشهر وَكَانَ يهودى نصرا ابْن وزيره الْعَبَّاس وينادمه فَينزل الظافر لَهُ خُفْيَة وينام عِنْده فَتكلم النَّاس فِي ذَلِك فَبلغ الْعَبَّاس ذَلِك فوبخ ابْنه بِمَا سمع من كَلَام النَّاس فَلَمَّا نزل إِلَيْهِ الْخَلِيفَة فِي بعض اللَّيَالِي على عَادَته وَمَعَهُ خَادِم وَاحِد ونام قَامَ نصر إِلَيْهِ فَقتله وَرمى بِهِ فِي بِئْر وَعرف أَبَاهُ الْوَزير بذلك فَلَمَّا أصبح الْوَزير توجه إِلَى بَاب الْقصر كَأَنَّهُ لم يعلم بِمَا وَقع فَطلب الْخَلِيفَة على الْعَادة فَقَالَ لَهُ خَادِم الْقصر ابْنك نصر يعرف أَيْن هُوَ فَقَالَ لَهُ الْوَزير مَا لِابْني علم ثمَّ أحضر الْعَبَّاس أَخَوَيْنِ للظافر وَابْن أَخِيه وقتلهم صبرا بَين يَدَيْهِ ثمَّ أحضر أَعْيَان الدولة وَقَالَ لَهُم إِن الظافر قد ركب البارحة فِي مركب فَانْقَلَبَ بِهِ وغرق وَقَامَ وَدخل إِلَى الْحَرِيم وَأخرج عِيسَى بن الظافر وَبَايَعَهُ ولقبه بالفائز وتفرق النَّاس عَن الْوَزير لما عرفُوا أَمر الظافر وطالبوه بِدَم الْخَلِيفَة

ص: 573

وَكَانَت مُدَّة الظافر أَربع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَأرْسل النِّسَاء يستغثن بطلائع بن رزيك وَكَانَ إِذْ ذَاك بِدِمَشْق مُتَوَلِّي منية ابْن الخصيب فَجمع طلائع عسكره وَقصد عباساً الْوَزير فَبَلغهُ فَجمع عَبَّاس مَا قدر على جمعه من الْجَوَاهِر وَالْأَمْوَال وَخرج نَحْو الشَّام فَخرج عَلَيْهِ الفرنج فِي الطَّرِيق فأسروه وَأخذُوا أَمْوَاله وَتَوَلَّى طلائع وزارة مصر وَأرْسل فبذل للفرنج مَالا عَظِيما وَأخذ عباساً مِنْهُم وَقَتله وصلبه على بَاب الْقصر وتلقب بِالْملكِ الصَّالح وَهُوَ صَاحب جَامع بَاب الزويلة وَكَانَ قتل الظافر سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه عِيسَى الملقب بالفائز بن الظافر بن الْحَافِظ بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر بُويِعَ بعد قتل أَبِيه وَهُوَ صبي وَأُصِيب بالرجفة لما أخرجه الْوَزير عَبَّاس من الْحَرِيم على كتفه لِلْبيعَةِ وَهُوَ ابْن سنتَيْن أَو أَربع وَذَلِكَ أَنه لما رأى أَعْمَامه قَتْلَى فزع واضطرب ودام بِهِ ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر رَجَب سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن عشر سِنِين تَقْرِيبًا قَالَ فِي الْبِدَايَة وفيهَا يَعْنِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة تولى الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الظافر ثمَّ كَانَت وَفَاته فِي صفر وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَمُدَّة ولَايَته من ذَلِك سِتّ سِنِين وشهران وَكَانَ مُدبر دولته أَبُو الغارات ثمَّ قَامَ من بعده عبد الله الملقب بالعاضد لدين الله بن يُوسُف بن الْحَافِظ وَلم يكن أَبوهُ خَليفَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ قد ناهز الِاحْتِلَام فَقَامَ بتدبير مَمْلَكَته الْملك الصَّالح طلائع بن رزيك الْوَزير وَأخذ لَهُ الْبيعَة وزوجه بابنته وجهزها بِأَمْر عَظِيم وَقد عمرت بعد زَوجهَا العاضد وَرَأَتْ زَوَال دولة الفاطمين على يَد السُّلْطَان

ص: 574

صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي الْكرْدِي فَإِن العاضد هُوَ اَخرهم وَكَانَ انْتِقَال دولتهم فِي زَمَنه وَكَانَ لما بُويِعَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة قَالَ فِي الأرج المسكي وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه وزيره الْملك الصَّالح طلائع ابْن رزيك وزر لَهُ بعد وَالِده ولقب بالعادل فانتزعها مِنْهُ شاور وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَببا لخراب الديار المصرية بمباطنته الفرنج لعنهم الله وَزَوَال دولة العبيديين مِنْهَا ثمَّ بعد قتل شاور وزر لَهُ أَسد الدّين شيركُوه بن شاذي الْكرْدِي وَهُوَ عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لِأَن أَيُّوب وشيركوه أَخَوان أَبوهُمَا شاذي وَأَيوب يلقب نجم الدّين وشيركوه يتلقب أَسد الدّين فَهُوَ عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين فلقب شيركوه بِالْملكِ الْمَنْصُور وَأقَام شَهْرَيْن وأياماً ثمَّ مَاتَ فاستوزر العاضد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ولقبه بِالْملكِ النَّاصِر فَقطع الْملك النَّاصِر بعد سِنِين اسْم الْخَلِيفَة العاضد من الْخطْبَة بِمصْر وأعمالها بِأَمْر الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آق سُنقر صَاحب الشَّام الْمَعْرُوف بِنور الدّين الشَّهِيد وَمَات العاضد بعد ذَلِك بأيام فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَنَدم السُّلْطَان صَلَاح الدّين على قطعه الْخطْبَة فِي حَيَاته وَتمنى أَن كَانَ الْقطع بعد مَوته فاستولى السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب على مصر وذخائرها وَاخْتلف فِي سَبَب موت العاضد فَقيل إِنَّه تفكر فِي أُمُوره فرآها فِي إدبار فَأَصَابَهُ ذَرب عَظِيم فَمَاتَ مِنْهُ وَقيل إِنَّه لما خطب لبني الْعَبَّاس بِالْقَاهِرَةِ بلغه ذَلِك فَاغْتَمَّ فَمَاتَ وَقيل إِنَّه لما أَيقَن بِزَوَال ملكه كَانَ فِي يَده خَاتم فصه مَسْمُوم فمصه فَمَاتَ مِنْهُ قَالَ الذَّهَبِيّ وَكَانَ العاضد مَعَ وزرائه كالمحجور عَلَيْهِ لَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِمَّا يُرِيد وَهُوَ آخر مُلُوك مصر المسمين بالعبيديين الفاطميين وَكَانَت مُدَّة تملكهم مِائَتَيْنِ وثمان سِنِين فَكَانُوا لأربعة عشر مُتَخَلِّفًا لَا مستخلفاً وَقَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بالبداية كَانَ ابْتِدَاؤُهَا سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ مزت العاضد فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وأعيدت الْخطْبَة للمستضيء العباسي ابْن المستنجد وَفَرح الْمُسلمُونَ فَرحا شَدِيدا وَكَانَت

ص: 575

الْخطْبَة قد قطعت عَن بني الْعَبَّاس من ديار مصر من سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة فِي خلَافَة الْمُطِيع العباسي قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد ألفت فِي ذَلِك كتابا سميته النَّصْر على مصر قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ وَاتفقَ أَنه لما دخل الْمعز الفاطمي مصر أرسل إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر يطْلب ألقاباً تكون عِنْده لمن يقوم بعده من أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده فَكتبت لَهُ هَذِه الألقاب الْعَزِيز الْحَاكِم بِأَمْر الله إِلَى العاضد آخِرهم والعضد فِي اللُّغَة الْقطع فَكَانَ مَعَ إِرَادَته سبحانه وتعالى قَاطعا لخلافتهم وَبِه انْقِرَاض ملكهم قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ وَاتفقَ أَنه لما اسْتَقر أَمر السُّلْطَان صَلَاح الدّين فِي مصر بِالْخطْبَةِ لبني الْعَبَّاس عَن مرسوم الْملك نور الدّين مَحْمُود بن زنكي لَهُ بذلك لمعاتبة الْخَلِيفَة المستنجد إِيَّاه قبل وَفَاته بذلك وَكَانَ إِذْ ذَاك العاضد مَرِيضا مدنفاً فَكَانَت وَفَاته يَوْم عَاشُورَاء فِي سنة سبع وَسِتِّينَ كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فَحَضَرَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين جنَازَته وَشهد عزاءه وَبكى عَلَيْهِ وتأسف وَظهر مِنْهُ حزن فقد كَانَ مُطيعًا لَهُ فِيمَا يَأْمُرهُ بِهِ وَلما مَاتَ استحوذ الْملك صَلَاح الدّين على الْقصر بِمَا فِيهِ وَأخرج أهل العاضد إِلَى دَار أفردها لَهُم وأجرى عَلَيْهِم النَّفَقَات والأرزاق الهنية والمعيشة المرضية وَكَانَ يتندم على إِقَامَته الْخطْبَة العباسية قبل وَفَاته وهلاً صَبر بهَا إِلَى مَا بعد مماته وَلَكِن كَانَ ذَلِك قدرا مَقْدُورًا وَفِي الْكتاب مسطوراً وَمِمَّا قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فِي ذَلِك من // (المنسرح) //

(تُوُفّيَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ فَمَا

يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا)

(وَعَصْرُ فِرْعَوْنِهَا انْقَضَى وَغَدَا

يُوسُفُهَا فِي الأُمُورِ مُحْتَكِمَا)

(فَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الفُؤَادِ وَقَدْ

بَاخَ مِنَ الشَّرِّ كُلُّ مَا اضْطَرَمَا)

(وَصَارَ شَمْلُ الصَّلَاحِ مُلْتَئِمًا

بِهَا وَعَقفْدُ السّدَادِ مُنْتَظِمَا)

(لمَّا غَدَا معلما شِعَارُ بَنِي العَبَّاسِ

حَقَّا وَالبَاطِلُ اكْتًتِمَا)

(وَبَاتَ دَاعِي التَّوْحِيدِ مُنْتَصِرًا

وَمِنْ دُعَاةِ الْإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا)

(فَظَلَّ أَهْلُ الضَّلَالِ فِي ظُلَلٍ

دَاجِيَةٍ مِنْ عَماَيَةٍ وَعَمَى)

ص: 576

(وَارْتَبَكَ الْجَاهِلُونَ فِي ظُلَم

لمَّا أَضَاءَتْ مَنَابِرُ الْعُلَمَا)

(وَعَادَ بِالْمُسْتَضِئِ مُمْتَهِدّاً

بِنَاء حَقِّ قَدْ كَانَ مُنْهَدِما)

(واعْتَلَتِ الدَّوْلَةُ الَّتِي اضْطُهِدَتْ

وَانْتَصرَ الدِّينُ بَعْدَ مَا اهتُضِمَا)

(وَاهْتَزَّ عِطْفُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَذلٍ

وَافْتَرَّ ثَغْرُ الْإِيمَانِ مُبْتَسِمَا)

(وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الْهُدَى فَرَحًا

فَلْيَقْرَعِ الْكُفْرُ سِنَّهُ نَدَمَا)

(عَادَ حَرِيمُ الْأَعْدَاءِ مُنْتَهكَ الْحِمى

وَفيْءُ الطُّغَاةِ مُقْتسَمَا)

(قُصُورُ أَهْلِ القُصُورِ أَخْرَبَهَا

عامِرُ بَيْتٍ مِنَ الْكَمَالِ سَمَا)

(أُزْعِجَ بعْد السُّكُونِ سَاكِنُهَا

وَمَاتَ ذُلاًّ وَأَنْفُهُ رَغِمَا)

قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة وَقد قَالَ حسان الشَّاعِر الْمَدْعُو عرقلة من // (الْخَفِيف) //

(أَصْبَحَ المُلْكُ بَعْدَ آلِ عَلِيِّ

مُشْرِقًا بِالمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي)

(وَغَدَا الشَّرْقُ يحْسُدُ الغَرْبَ لِلْقَرْمِ

وَمِصْرٌ تَزْهُو علَى بَغْدَاذِ)

(مَا حَوَوْهَا إِلَاّ بِعَزْمٍ وحزْمٍ

وَصَليِلِ الفُولَاذِ فِي الفُولاذِ)

(لَا كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَانَ

بِها كَالْخَصِيبِ وَالْأُسْتَاذِ)

وَقَوله آل عَلِي يَعْنِي الفاطميين وَلم يَكُونُوا فاطميين وَإِنَّمَا كَانُوا أدعياء ينتسبون إِلَى يهودى حداد بسليمة ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة فيهم وطعنهم فِي نسبهم قَالَ وَقد استقصيت الْكَلَام فِي ذَلِك فِي بعض الأحيان من الكفريات والمصائب العظميات وَقد صنف الْعلمَاء فِي الرَّد عَلَيْهِم كتبا كَثِيرَة من أجل مَا وضع فِيهِ كتاب القَاضِي الْعَلامَة إِمَام الْأَئِمَّة أبي بكر الباقلاني الَّذِي سَمَّاهُ كشف الْأَسْرَار وهتك الأستار وَمن أحسن مَا قَالَه بعض الشُّعَرَاء فِي بني أَيُّوب يمدحهم على مَا فَعَلُوهُ بِمصْر قَوْله من قصيدة من // (الطَّوِيل) //

(أَلَسْتُمْ مُزِيلِي دَوْلَةِ الْكُفْرِ من بَني

عُبَيْدٍ بِمِصْرٍ إِنَّ هَذَا هُوَ الفَضْلُ)

(زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ

مَجُوسٌ وَمَا فِي الصَّالحِينَ لَهُمْ أَصْلُ)

ص: 577

(يُسِرُّونَ كُفْرًا يُظْهِرونَ تَشَيُّعًا

لِيَسْتتِرُوا شَيْئًا وَعَمَّهُمُ الْجَهْلُ)

وَمِمَّا قيل من الشّعْر بِبَغْدَاد يبشر الْخَلِيفَة المستنجد بِاللَّه العباسي من // (الطَّوِيل) //

(لِيَهْنِكَ يَا مَوْلَاَيَ فَتْحٌ تَتاَبَعَتْ

إِلَيْكَ بِهِ خُوصُ الرَّكَائِبِ تُوجَفُ)

(أَخَذْت بِهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دُونهَا

مِنَ الشِّرْكِ ناسٌ فِي لَهَا الْحَقِّ تُقْذَفُ)

(فَعَادَتْ بِحمْدِ اللهِ بِاسْمِ إِمامِنَا

تَتِيهُ عَلَى كُل الْبلَادِ وَتَشْرُفُ)

(فَلَا غَرْوَ إِنْ ذَلَّتْ لِيُوسُفَ مِصْرُهُ

وكانتْ لَهُ عَلْيَاؤُهَا تَتشَوَّفُ)

(تَمَلَّكَهَا فِي قَبْضَةِ الْكُفْرِ يُوسُفٌ

وَخَلَّصَهَا مِنْ عُصْبةِ الفِسْقِ يُوسُفُ)

(فَشَابَهَهُ خَلْقًا وخُلْقًا وَعِفَّةً

وَكُلٌّ عَنِ الرَّحْمَنِ فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُ)

(كَشَفْتَ بِها عَنْ آلِ هاشِم سُبَّةً

وَعَارًا أََبَى إِلَاّ بِسيْفِكَ يُكْشفُ)

ذكر الشَّيْخ شهَاب الدّين فِي الروضتين أَن أَبَا الْفَضَائِل الْحُسَيْن بن مُحَمَّد وَزِير ابْن هُبَيْرَة أنشدها للخليفة المستنجد وَالِد المستضيء قبل مَوته عِنْد تَأْوِيل مَنَام رَآهُ بعض النَّاس للخليفة فَأَرَادَ الشَّاعِر بِيُوسُف الثَّانِي الْخَلِيفَة المستنجد لِأَن اسْمه يُوسُف وَكَذَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره أَن هَذِه القصيدة أنشدت للمستنجد فِي حَيَاته وَلَكِن لم يُخطب بِمصْر إِلَّا لوَلَده المستضيء بن المستنجد فَجرى التَّأْوِيل باسم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ثمَّ إِن الْخَلِيفَة المستضيء أرسل إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد خلعة سنية وَكَذَلِكَ للْملك صَلَاح الدّين إِلَى الديار المصرية فَرفعت على أَعْلَام سود ولواء مَعْقُود ففرقت على الْجَوَامِع بِبِلَاد الشَّام وبلاد مصر فَللَّه الْحَمد على مَا صَحَّ من الْعِزّ والنصر وَكَانَ قد أجمع جمَاعَة من الدولة المصرية الفاطمية الَّذين كَانُوا حكاماً فاتفقوا فِيمَا بَينهم أَن يُعِيدُوا الدولة الفاطمية فَكَتَبُوا إِلَى الفرنج يستدعونهم إِلَيْهِم وعينوا خَليفَة من وَرَثَة الفاطميين ووزراء وأمراء وَذَلِكَ فِي غيبَة السُّلْطَان بِبِلَاد الكرك ثمَّ اتّفق مَجِيئه وَكَانَ من نِيَّة الْملك صَلَاح الدّين أَن يبْعَث أَخَاهُ تورانشَاه شمس الدّين إِلَى الْيمن فشرع عُمارةُ اليمني يذكر لَهُ الْيمن وَمَا فِيهَا من الْمصَالح والدور والمنتزهات والمغلات وَيحسن ل الْمصير إِلَيْهَا ليخف الْجَيْش بِمصْر ويضعف عَن مقاومة الفرنج إِذا قدمُوا لنصرة الفاطميين فَخرج تورنشاه وَلم يخرج مَعَه عمَارَة بل أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ يفِيض فِي هَذَا الحَدِيث وَيدخل الْمُتَكَلِّمين فِيهِ وَكَانَ من

ص: 578

أكَابِر الدعاة إِلَيْهِ والمحرضين عَلَيْهِ هَذَا وَقد أدخلُوا مَعَهم فِي هَذَا الْأَمر بعض من ينتسب إِلَى الْملك النَّاصِر وَذَلِكَ من قلَّة عُقُولهمْ وَكَثْرَة جهلهم فخانهم أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّيْخ زيد الدّين عَليّ بن نجا الْوَاعِظ فجَاء إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا تمالأ عَلَيْهِ الْقَوْم وَمَا انْتهى أَمرهم إِلَيْهِ فَأطلق لَهُ السُّلْطَان أَمْوَالًا جزيلة وأفاض عَلَيْهِ خلعا جملَة ثمَّ استدعاهم السُّلْطَان وَاحِدًا وَاحِدًا فقررهم فأقروا لَهُ بذلك فاعتقلهم ثمَّ استفتى الْعلمَاء فِي أَمرهم فأفتوا بِقَتْلِهِم وتبديد شملهم فَعِنْدَ ذَلِك أَمر بهم فَصَلبَتْ رُءُوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغلمانهم وَأمر بِنَقْل من بَقِي من جَيش العنيديين إِلَى أقاصي الْبِلَاد وَقد كَانَ عمَارَة هَذَا معاديَاً للْقَاضِي الْفَاضِل فَلَمَّا حضر بَين يَدي السُّلْطَان قَامَ القَاضِي الْفَاضِل فَاجْتمع بالسلطان ليشفع فِيهِ فَتوهم عمَارَة أَنه تكلم فِيهِ فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان لَا تسمع مِنْهُ فَغَضب القَاضِي الْفَاضِل ونهض وَخرج من الْقصر فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان إِنَّه كَانَ قد شفع فِيك فندم عمَارَة ندماً عَظِيما وَلما ذهب بِهِ ليصلب اجتاز بدار القَاضِي الْفَاضِل فَطَلَبه فتغيب عَنهُ فَأَنْشد عِنْد ذَلِك قَائِلا من // (الرجز) //

(إِنَّ الْخَلاصَ هُوَ الْعَجَبْ

عَبْدُ الرَّحِيمِ قَدِ احْتَجَبْ)

قَالَ ابْن أبي طي وَكَانَ الَّذين صلبوا الْفضل بن كَامِل القَاضِي وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم هبة الله ابْن عبد الله بن كَامِل قَاضِي قُضَاة الديار المصرية زمن الفاطميين ويلقب بفخر الْأُمَنَاء وَهُوَ أول من صُلب وَقد كَانَ ينْسب إِلَى فَضِيلَة وأدب وَله شعر رائق مِنْهُ فِي غُلَام رفاء من // (مخلع الْبَسِيط) //

(يَا رَافِيًا خَرْقَ كُلِّ ثَوْبٍ

وَيَا رَشًا حُبُّهُ اعْتِقادِي)

(عَسَى بِكَفِّ الوِصَالِ ترْفُو

مَا مَزَّقَ الهَجْرُ مِنْ فُؤَادِي)

وَابْن عبد الْقوي دَاعِي الدعاة وَكَانَ يعلم بدقائق الْقَصْد فَعُوقِبَ ليعلم بهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَمَاتَ واندرست وشريا كَاتب السِّرّ وَعبد الصَّمد أحد أُمَرَاء المصريين ونجاح الحمامي رجل منجم نَصْرَانِيّ كَانَ قد بشرهم بِأَن هَذَا الْأَمر يتم بِعلم النجوَم وَعمارَة اليمني هَذَا وَقد كَانَ شَاعِرًا مطبقاً بليغاً فصيحاً لَا يُلحق فِي هَذَا الشَّأْن وَله ديوَان مَشْهُور ذكره ابْن السُّبْكِيّ فِي طبقاته وَله فِي الفاطميين ووزرائهم وأمرائهم مدائح كَثِيرَة جدا وَأَقل مَا نسب إِلَى الرَّفْض وَقد اتهمَ بَاطِنه

ص: 579

بالْكفْر الْمَحْض وَله مُصَنف فِي الْفَرَائِض وَكتاب الوزراء الفاطميين وَكتاب جمع فِيهِ سيرة نَفسه وَكَانَ أديباً فَاضلا فَقِيها فصيحاً وَذكر الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة أَنه قَالَ فِي قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا من // (الْبَسِيط) //

(أَلْعِلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجٌ إِلى الْعَلمِ

وَشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتغًنِي عَنِ الْقَلَمِ)

وَهِي طَوِيلَة قَالَ فِيهَا أَيْضا

(قَدْ كَانَ أَوَّلُ هَذَا الدِّينِ مِنْ رَجُلٍ

سَعَى إِلَى أَنْ دَعَوْهُ سَيِّدَ الْأُمَمِ)

قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فَأفْتى عُلَمَاء مصر بِكُفْرِهِ وَقَتله وحرضوا السُّلْطَان على الْمثلَة بِمثلِهِ قَالَ وَيجوز أَن يكون الشّعْر مَعْمُولا عَلَيْهِ كَذَا قَالَه الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ أَقُول سُبْحَانَ الله كَيفَ هَذَا الْإِفْتَاء بالْكفْر وَالْحَال أَن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ ظاهرَاً فِيمَا يُوجب الْكفْر فضلا عَن أَن يكون نصا إِذْ قَوْله سعى يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ سَعْيه

فِي إبلاغ دين الله وَعرضه نَفسه على الْقَبَائِل وَصَبره على مَا لاقاه من أَذَى قُرَيْش وَغَيرهم وجهاده فِي إعلاء كلمة الله وإعلانها وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر ظهوراً بَينا وَالْمَطْلُوب والمتعين الْحمل عَلَيْهِ إِذْ الْإِيمَان والعصمة ثابتان لَهُ قبل ذَلِك بِلَا شكّ فعندي فِي هَذَا التفكير تفكير انْتهى وَمِمَّا أورد لَهُ ابْن السَّاعِي قَوْله يمدح بعض الْمُلُوك من // (الْكَامِل) //

(مَلِكٌ إِذَا قَابَلْتُ بِِشْرَ جَبِينِهِ

فَارَقْتُهُ والبِشْرُ فَوْقَ جبِينَي)

(وَإِذَا لَثَمْتُ يَمِينَهُ وخَرَجْتُ مِنْ

أَبْوَابِهِ لَثَمَ المُلُوكُ يَمِينِي)

وَمِمَّا وجد من شعر عمَارَة يرثي العاضد الفاطمي ودولته وأيامه // (من الْكَامِل) //

(أَسَفِي عَلَى زَمَنِ الْإِمَامِ الْعَاضِدِ

أَسَفَ العَقيِم علَى فِرَاقِ الوَاحِدِ)

(جَالسْتُ مِنْ وُزَرَائِهِ وَصَحِبْتُ مِنْ

أُمَرَائِهِ أَهْلَ الثَّنَاءِ الخَالِدِ)

(لَهَفِى عَلَى حُجُرَاتِ قَصْرِكَ إِذْ خَلتْ

يَا ابْنَ النَّبِيِّ مِنِ ازْدِحَامِ الوَافِدِ)

(وَعَلى النَّوَازِلِ مِنْ عسَاكِرِكَ الَّتِي

كَانَتْ كَأَمْوَاجِ الخَِمِّ الرَّاكِدِ)

(قُلِّدتَّ مُؤْتَمَنَ الخِلَافةِ أَمْرَهُمْ

فَكَبَا وَقَصَّرَ عَنْ صَلَاحِ الْفَاسِدِ)

(فَعَسَى اللَّيَالِي أَنْ تَرُدَ عَلَيْكُمُ

مَا عَوَّدَتْكُمُ مِنْ جَمِيلِ عَوَائِدِ)

وِله من قصيدة فِيهِ من // (الْبَسِيط) //

(يَا عَذِلِي فِي هَوىَ أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ

لَكَ المَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذَلِي)

ص: 580

(باللَّهِ زُرْ سَاحَةَ الْقَصْرَيْنِ وَابْكِ مَعِي

علَيْهِمَا لَا عَلَى صِفِّينَ وَالْجَمَلِ)

(وَقُلْ لِأَهْلِهِمَا وَاللَّهِ مَا الْتَحَمَتْ

فِيكُمْ قُرُوحِي وَلَا جُرْحِي بِمُنْدَمِلِ)

(مَاذَا تُرَى كَانَتِ الْإِفْرنْجُ فَاعِلةً

فِي نَسْلِ آلِ أَمِيرِ المُؤْمِنينَ عَلي)

وَقد أورد الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة فِي الروضتين من أشعار عمَارَة هَذَا ومدائحه فِي الْخُلَفَاء الفاطميين وذويهم شَيْئا كثيرا فَمن ذَلِك قَوْله من // (الْبَسِيط) //

(لِي فِي هَوَى الرَّشَإِ الْعُذْرِيِّ أَعْذَارُ

لَمْ يَبْقَ لِي مُذْ أَقرَّ الدَّمْعُ إِنْكَارُ)

(لِي فِي الْقُدُودِ وَفِي لَثْمِ الخُدُودِ وَفِي

ضَمِّ النهوَدِ لُبَانَاتُ وَأَوْطَارُ)

(هَذَا اخْتِيَارِي فَوَافِقْ إِنْ رَضِيتَ بِهِ

أَوْ لَا فَدَعْنِي وَمَا أَهْوَى وَأَخْتَارُ)

وَمِمَّا أنْشد الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ فِي عمَارَة حِين صلب قَوْله // (من الطَّوِيل) //

(عمَارَةُ فِي الإِسْلَامِ أَبْدَى خِيَانَةً

وَبَايَعَ فيهَا بَيْعَةً وَصَلِيبَا)

(وَأَمْسَى شَريكَ الشِّرْكِ فِي بُغْضِ أَحْمَدٍ

فَأَصْبَحَ فِي حُبِّ الصليِبِ صَلِيبَا)

)

وَكَانَ خَبِيثَ الْمُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ

تَجِدْ مِنْهُ عُودًا فِي الثِّقَافِ صَلِيبَا)

(سَيَلْقَى غَدًا مَا كَانَ يَسْعَى لأَجْلِهِ

وَيُسْقَى صَدِيدًا فِي لَظًى وَصلِيبَا)

قلت الأول صَلِيب النَّصَارَى وَالثَّانِي بِمَعْنى مصلوب وَالثَّالِث بِمَعْنى الْقوي وَالرَّابِع بِمَعْنى ودك الْعِظَام وَلما صلب الْملك النَّاصِر هَؤُلَاءِ بَين القصرين فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم السبت الثَّامِن من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة كتب إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي يُعلمهُ بذلك وَمَا وَقع بهم من الخزي والنكال فوصل الْكتاب بذلك الْأَمر يَوْم توفّي الْملك نور الدّين الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى

ص: 581