الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتضيع الثغور وتعظم الْأُمُور وتحدث الْحَوَادِث والأسباب الَّتِي فِيهَا زَوَال الْملك عَن بني الْعَبَّاس فَقلت يَا مولَايَ يتخلق بأخلاقك وَلَا يكون هَذَا الَّذِي ظَنَنْت فَقَالَ وَيحك احفظ عني مَا أَقُول فَإِنَّهُ كَمَا قلت وَمكث يَوْمه مهموماً وضربه الدَّهْر ضَرْبَة وَمَات المعتضد وَولى المكتفي وَلم يطلّ عمره وَولي المقتدر فَكَانَ مَا ذكره المعتضد فوَاللَّه لقد وقفت على رَأس المقتدر وَهُوَ فِي مجْلِس لهوه فَدَعَا بالأموال فأخرجت إِلَيْهِ وَوضعت الْبَدْر بَين يَدَيْهِ فَجعل يفرقها على الْجَوَارِي وَالنِّسَاء ويلعب بهَا ويمحقها ويهبها وَأعْطى القهرمانة سبْحَة جَوْهَر لم ير مثلهَا وَأخرج على النِّسَاء جَمِيع جَوَاهِر الْخلَافَة وأتلف أَمْوَالًا كَثِيرَة مِنْهَا من النَّقْد ثَمَانمِائَة ألف ألف دِينَار فَذكرت قَول مولَايَ المعتضد ثمَّ إِن الْجند وَثبُوا على وزيره فَقَتَلُوهُ وَاتَّفَقُوا على خلع المقتدر وعقدوا لأبي الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل فوليها
(خلَافَة عبد الله بن المعتز بن المتَوَكل)
لما أقاموه فِي الْخلَافَة لقبوه الْغَالِب بِاللَّه وَقيل المرتضى بِاللَّه بعد أَن شَرط عَلَيْهِم أَلا يكون فِي ذَلِك حَرْب وَلَا سفك دم فَلَمَّا بُويِعَ اسْتمرّ يَوْمًا وَلَيْلَة فَأرْسل إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بإخلاء دَار الْخلَافَة وَأَن يذهب إِلَى دَار مُحَمَّد بن طَاهِر لينْظر فِي أمره فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول إِلَى المقتدر وبلغه الرسَالَة قَالَ لَيْسَ عِنْدِي جَوَاب إِلَّا السَّيْف وَلبس السِّلَاح وَركب وَمَعَهُ جمَاعَة قَليلَة من خدمه وهم مستسلمون للْقَتْل فِي غَايَة الْخَوْف والوجل وهجوا على عبد الله بن المعتز فأهاله ذَلِك وَألقى الله فِي قلبه الرعب فَانْهَزَمَ هُوَ ووزيره وقاضيه وكل من هُوَ فِي ديوانه ظنا أَن خلف هَؤُلَاءِ أعواناً وأنصارَاً وَقبض المقتدر على ابْن المعتز وحبسه ثمَّ أخرجه من الْحَبْس مَيتا
قَالَ ابْن خلكان لما أَدخل ابْن المعتز على المقتدر أَمر بِهِ فَطرح على الثَّلج عُريَانا وحشى سراويله ثلجاً فَلم يزل كَذَلِك والمقتدر يشرب إِلَى أَن مَاتَ فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَعبد الله بن المعتز لقصر زَمَانه لَا يَنْبَغِي عده من الْخُلَفَاء وَلَكِن قد ذَكرْنَاهُ كَمَا ذكره بعض المؤرخين لفضله وأدبه وَهُوَ أشعر بني الْعَبَّاس بل أشعر بني هَاشم على الْإِطْلَاق وأغزرهم فضلَا وأدبَاً ودخولا وَمَعْرِفَة بِعلم الموسيقا وَصَاحب التشبيهات المبتكرة الغريبة المخترعة المرقصة الَّتِي لَا يشق لَهُ فِيهَا غُبَار وَكَانَ يَقُول إِذا قلت كَأَن وَلم أجد تَشْبِيها فَقطع الله لساني قلت مِمَّا أحفظ لعبد الله ابْن المعتز من ذَلِك قَوْله فِي تَشْبِيه الْهلَال والثريا حَيْثُ يَقُول من // (المنسرح) //
(قَدِ انْقَضَتْ دَوْلةُ الصِّيَامِ وَقدْ
…
بَشَّرَ سُقْمُ الهِلَالِ بِالْعِيدِ)
(يَتْلُو الثُّريَّا كَفاغِرٍ شَرِهٍ
…
يَفْتَحُ فَاهُ لِأَكْلِ عُنْقُودِ)
وَقَوله فِي تَشْبِيه اللَّيْل والهلال والنجوم من // (المنسرح) //
(كَأَنَّمَا اللَّيْلُ وَالهِلَالُ وقَدْ
…
لَاحَتْ نُجُومُ السَّماءِ مُنْقَضَّهْ)
(وَأْمٌ مِنَ الزَّنْجِ حوْلهُ ذَهَبٌ
…
تبْدُرُ مِنْهُ بنَادِقُ الفِضَّهْ)
وَقَوله من // (الرجز) //
(إِذَا الْهِلالُ فارَقَتْهُ ليْلَتُه
…
)
(لِكُلِّ مَنْ يَرْمُقُهُ وَيَنْعَتُهْ
…
)
(كَأَنَّهُ أَسْرُ شَابَتْ لِحْيَتُهْ
…
)
وَهُوَ صَاحب القصيدة البائية اليتي يفخر فِيهَا على بني هَاشم ويدعى أَوْلَوِيَّة الْخلَافَة ببني الْعَبَّاس وَهُوَ فِي ذَلِك ظَالِم وَهِي قَوْله من // (المتقارب) //
(أَلَا مَنْ لِعَيْنٍ وتَسْكَابِهَا
…
تُشَكِّي القَذا وبُكاهَا بِها)
(ترَامتْ بِنَا حَادِثاتُ الزَّمَانِ تَرَامِى
…
القِسِيِّ بِنشَّابِهَا)
(وَيَا رُبَّ ألْسِنةٍ كَالسُّيوفِ
…
تُقَطِّعُ أَرْقابَ أَصْحَابِها)
(وَكم دُهِيَ المرءُ مِن نفسِهِ
…
فمزَّقهُ حَدُّ أَنيابِهَا)
(فرصه وَإِنْ أمكنَتْ فِي العدوِ
…
فَلَا تُبدِ همَّكَ إلاّ بِهَا)
)
فإنْ لم تَلِجْ بابَها مُسْرِعًا
…
أتاكَ عدوُّكَ مِنْ بَابِها)
(وهلْ نافِعٌ نَدَمٌ بعدَهَا
…
وتأميلُ أُخْرَى وأَنَّي بِهَا)
(وَمَا يُنْتَقَصْ من شبابِ الرجالِ
…
يُزَدْ فِي نُهَاها وَأَلْبابِهَا)
(نهيتُ بنِي رَحِمِي نَاصِحًا
…
نَصيحَةَ بَرِّ بأنسَابِهَا)
(وَقد رَكِبُوا بغيهم وارْتقَوْا
…
مَعَارِجَ تَهْوِي بركَّابِهَا)
(فَرَامُوا فَرَائِسَ أُسْد الشَّرى
…
وَقد نَشِبَتْ بينَ أَنيابِهَا)
(دَعُوا الأُسْد تفرسُ ثمَّ اشْبَعُوا
…
بِمَا تفضلُ الأسْدُ فِي غابِهَا)
وَمِنْهَا
(قتلنَا أميةَ فِي دارِها
…
ونحنُ أحقُّ بأسلابِهَا)
(وَلما أَبَى اللَّهُ أَن تملِكُوا
…
نهضْنَا إِلَيْهَا وقٌ مْنَا بِها)
(وَنحن ورثنا ثيابَ النَّبِيِّ
…
فَلِمْ تَجذِبونَ بأَهْدَابِهَا)
(لَكُمْ رَحِمٌ يَا بني بِنْتِهِ
…
ولكنْ بنُو العمِّ أولَى بِهَا)
(فَمهْلاً بني عَمِّمنَا إنَّها
…
عطيَّةُ ربِّ حَبَانا بِهَا)
(وَكَانَت تَزَلزلُ فِي العالَمِينَ
…
فَشُدَّتْ لَدَيْنا بأَطْنابِهَا)
فَرد عَلَيْهِ شَاعِر زَمَانه وفصيح أَوَانه عبد الْعَزِيز بن سَرَايَا الْحلِيّ وأجاد فَقَالَ من // (المتقارب) //
(أَلَا قُلْ لِشرِّ عبيدِ الإِلهِ
…
وَطَاغي قريسٍ وَكَذَّابِهَا)
(أَأَنْتَ تُفَاخِرُ آلَ النبيِّ
…
وَتَجْحَدُهَا فَضْلَ أَنْسَابِهَا)
(بِكُمْ بَاهَلَ المُصْطَفى أَمْ بِهِمْ
…
وَرَدَّ العُدَاةَ بِأَوْصَابِهَا)
(أَعَنْكُم نَفَى الرِّجْسَ أَمْ عَنْهُمُ
…
لِطُهْرِ النُّفُوسِ وَأَلْبَابِهَا)
(أَمِ الشُّرْبُ واللهْوُ مِنْ دَأْبِكُمْ
…
وَفَرْطُ العِبَادَةِ مِنْ دأبِهَا)
(وقلتم ورِثْنَا ثِياب النَّبِيِّ
…
فَلِمْ تَجْذِبُونَ بأهْدَابِهَا)
(وعندكَ لَا تُورَثُ الأنبياءُ
…
فكَيْفَ حظِيتُمْ بأَثْوَابِهَا)
(فكذبْتَ نَفْسَك فِي الحالَتَيْنِ
…
وَلم تعلمِ الشَّهْدَ مِنْ صَابِها)
(أَجَدُّكَ يرْضَى بِمَا قلتَهُ
…
وَمَا كَانَ يوْمًا بمُرْتَابِهَا)
(وَكَانَ ب صِفِّينَ من حِزْبِهِمْ
…
لحربِ الطُّغَاةِ وأحْزَابِهَا)
(وَقد شَمَّرَ المَوْتُ عَن سَاقِهِ
…
وكَشَّرَتِ الحَرْبُ عَن نَابِهَا)
(فأقبلَ يَدْعُو إِلَى حَيْدرٍ
…
بِإْعَرابها وبإرْهَابِهَا)
(وآثرَ أَنْ ترتضيه الأَنامُ
…
مِنَ الحَكَمَينِ لإسْهَابِهَا)
(ليُعْطِى الخِلافَةَ أَهْلاً لَها
…
فَلم يرتضوه لأَنجابِهَا)
(وَصَلَّى معَ الناسِ طولَ الحياةِ
…
وحَيْدَرُ فِي صدرِ مِحْرابِهَا)
(فَهَلَاّ تَقَمَّصَها جَدُّكُمْ
…
إِذَا كانَ ذَلِك أَحْرَى بِهَا)
(وإِذْ جعَل الأمرَ شُورَى لَهُم
…
فَهلْ كَانَ من بَعْضِ أَرْبَابِهَا)
(أَخَامِسَهُمْ كَانَ أَمْ سَادِسًا
…
وَقَدْ جُليَتْ بَيْن خطَّابِها)
(وقولُكَ أَنْتُم بنُو بنتِهِ
…
وَلَكِنْ بَنُو العَمِّ أَولَى بِهَا)
(بَنُو البِنْتِ أَيْضا بَنُو عمّهِ
…
وذَلِكَ أَدْنَى لِأَنْسَابِهَا)
(فدَعْ فِي الخلَافَةِ فصْلَ الخِطَابِ
…
فليسَتْ ذَلُولاً لِرُكَّابِهَا)
(وَمَا أَنْت والفَحْصَ عَنْ شَأْنِهَا
…
وَمَا قمَّصُوكَ بِأَثْوَابِهَا)
(وَمَا ساوَرَتْكَ سِوَى سَاعَةٍ
…
فَمَا كُنْتَ أَهْلاً لأَلْقَابِهَا)
(وَكَيْفَ يخُصُّوكَ يوْمًا بِهًا
…
ولمْ تَتَأَدَّبْ بِآدابِهَا)
(وقُلْت بأنَّكُمُ القَاتِلُون
…
أسودَ أُمَيَّةَ فِي غابِهَا)
(كَذبْتَ وَأَسْرَفْت فِيمَا ادَّعَيْتَ
…
وَلَمْ تَفْدِ نفَسكَ عنْ عَابِهَا)
(فَكَمْ حَاوَلَتْهَا سَرَاةٌ لَكُمْ
…
فَردَّتْ عَلَى نَكْصِ أَعْقَابِِهَا)
(وَلَوْلَا سُيُوف أبي مُسْلِمٍ
…
لَعَزَّتْ عَلَى جَهْدِ طلَاّبِهَا)
)
وَذَلِكَ عَبْدُ لَهُمْ لَا لَكُمْ
…
رَعَى فيكمُ قُرْبَ أَنْسَابِهَا)
(وَكنتُمْ أَسََارَى بِبطْنِ الحُبُوسِ
…
وقَد شَفَّكُمْ لَثْمُ أَعْقَابِهَا)
(فَأَخْرَجَكُمْ وَحبَاكُمْ بِها
…
وَقَمَّصَكُمْ فَضْلَ جِلْبَابِهَا
…
(فجازَيْتُمُوه بِشرِّ الجَزَاءِ
…
لطغْوَى النُّفُوسِ وَإِعْجَابِهَا)
(فدَعْ ذِكْرَ قَوْم رَضُوا بالكَفافِ
…
وجاءُوا القَنَاعَةَ مِنْ بابِهَا)
(هُمُ الزَّاهِدُونَ هُمُ العابِدُون
…
هُمُ العامِلُون بآدابهَا)
(هُمُ القََائِمُونَ هُمُ الرَّاكِعُون
…
هُمُ السَّاجِدُونَ بِمحْرَابِها)
(هُمُ قُطْبُ مِلَّةِ دِينِ الإِلَهِ
…
ودَوْرُ الرُّحِِيِّ بِأَقْطَابِهَا)
(عَلَيْكَ بِلَهْوِكَ بالْغَانِيَاتِ
…
وَخَلً الامَعَالِي لِأَرْبَابِهَا)
(وَوَصْفِ العِذَارِ وَذَاتِ الخِمَارِ
…
وَنعْتِ العُقارِ بِأَلْقَابِهَا)
(وَشِعْرِكَ فِي مَدْحِ تَرْكِ الصَّلَاةِ
…
وَسَعْىِ السُّقَاةِ بِأَكْوَابِهَا)
(فَذَلِكَ شَأْنُكَ لَا شَأْنُهُمْ
…
وَجَرْىُ الجِيَادِ بِأَحْسَابِهَا)
وَاسْتمرّ المقتدر فِي الْخلَافَة إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ مؤنس الْخَادِم مقدم جَيْشه وَذَلِكَ سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لأمر بلغه عَنهُ وَهُوَ أَنه قد عزم على اغتياله فَبلغ المقتدر مَا نقل إِلَى مؤنس فَحلف المقتدر على بطلَان ذَلِك معتذرَاً إِلَى مؤنس فأسرها مؤنس وَلم يقبل حلفه وَلَا عذره وَركب والجيش مَعَه وَجَاءُوا دَار الْخلَافَة فهرب خَواص المقتدر وَأشْهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ وأحضر مؤنس أَبَا مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد وَبَايَعَهُ ولقب بالقاهر بِاللَّه وفوضت الوزارة إِلَى الْوَزير أبي عَليّ ابْن مقلة الْكَاتِب الْمَشْهُور وَاسْتقر القاهر وَكتب الْوَزير إِلَى سَائِر الْبِلَاد وَعمل يَوْم الِاثْنَيْنِ الدِّيوَان فجَاء الْعَسْكَر يطْلبُونَ مِنْهُ رسم الْبيعَة فارتفعت الْأَصْوَات فَمَنعهُمْ الْحَاجِب من الدُّخُول إِلَى الْخَلِيفَة القاهر فَقتلُوا الْحَاجِب ومالوا إِلَى دَار مؤنس الْخَادِم وأخرجوا المقتدر من الْحَبْس وَحَمَلُوهُ على أَعْنَاقهم إِلَى دَار الْخلَافَة فَجَلَسَ على سريرها وأتوه بأَخيه القاهر وَهُوَ مقهور يبكي وَيَقُول الله الله يَا أخي فِي روحي فاستدناه المقتدر وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا أخي لَا ذَنْب لَك الذَّنب لمؤنس وَأَنت مُضْطَر مغلوب على أَمرك وَالله لَا ينالك مني مَكْرُوه فطب نفسا وقر عينا وبذل المقتدر الْأَمْوَال للجند واسترضاه وَثبتت لَهُ الْخلَافَة بعد الْعَزْل مرَّتَيْنِ الأول بالمعتز وَالثَّانيَِة بالقاهر وَهَذِه التَّوْلِيَة ثَالِث مرّة وَالثَّالِثَة ثَابِتَة وَمن محَاسِن المقتدر أَنه زَاد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بَاب إِبْرَاهِيم فِي الْجَانِب الغربي مِنْهُ وَلَيْسَ المُرَاد بإبراهيم الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا الْبَاب سيدنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم كَانَ خياطاً يجلِسُ عِنْد الْبَاب وَعمر دهراً فَعرف الْبَاب بِهِ وأضيف إِلَيْهِ كَذَا فِي أَعْلَام القطبي وقدمت على المقتدر رسل ملك الرّوم بِهَدَايَا لطلب الْهُدْنَة فَعمل المقتدر موكباً عَظِيما لإرهاب الْعَدو فَأَقَامَ مائَة وَسِتِّينَ ألف مقَاتل بِالسِّلَاحِ الْكَامِل سماطين وَأقَام
بعدهمْ الخدم وهم سَبْعَة آلَاف خَادِم ثمَّ الْحجاب وهم سَبْعمِائة حَاجِب وعلق فِي دَار الْخلَافَة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ ألف ستر ديباج وَكَانَت الْفرش الفاخرة الَّتِي بسطت فِي الأَرْض اثْنَيْنِ وَعشْرين ألف بِسَاط وَفِي الحضرة مائَة سبع بسلاسل الذَّهَب وَالْفِضَّة وأبرز شَجَرَة صيغت من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَغْصَانهَا تتمايل بحركات مصنوعة وعَلى الأغصان طيور ذهب وَفِضة تنفخ فِيهَا الرّيح فَيسمع لكل طير تغريد وصفير خَاص وَهَذَا بعد وَهن الْخلَافَة وضعفها فَكيف كَانَ زينتها فِي أَيَّام دولتهم فِي كَمَال وصفهَا فسبحان من لَا يزَال ملكه وَلَا يَزُول وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لم تشعر الْحجَّاج يَوْم التَّرويَة بِمَكَّة إِلَّا وَقد وافاهم عَدو الله أَبُو طَاهِر القرمطي فِي عَسْكَر جرار فَدَخَلُوا بخيلهم وسلاحهم الْمَسْجِد الْحَرَام وَوَضَعُوا السَّيْف فِي الطائفين والمصلين والمحرمين إِلَى أَن قتلوا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي مَكَّة وشعابها أَزِيد من ثَلَاثِينَ ألف إِنْسَان وركض أَبُو طَاهِر بِسَيْفِهِ مسلولا بِيَدِهِ وَهُوَ سَكرَان فصفر لفرسه عِنْد الْبَيْت فَبَال وراث وَالْحجاج يطوفون وَالسُّيُوف تأخذهم وَقتل فِي المطاف خَاصَّة ألف محرم وطمت بِئْر زَمْزَم بالقتلى وَمَا بِمَكَّة من الْحفر والآبار ملئت بهم وطلع أَبُو طَاهِر إِلَى بَاب الْكَعْبَة فقلعه وَهُوَ يَقُول من // (الرمل) //
(أَنَا بِاللَّهِ وَباللَّهِ أَنَا
…
يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأُفْنِيهِمْ أَنَا)
وأطلع رجلا لقلع الْمِيزَاب فَأَتَاهُ سهم من جبل أبي قبيس فَقتله وأطلع آخر لقلعه فَسقط إِلَى أَسْفَل فانفضخ دماغه فَقَالَ دَعوه حَتَّى يَأْتِي من يَأْخُذهُ وَقتل أَمِير مَكَّة مُحَمَّد بن محَارب وخلقاً من الْعلمَاء والصلحاء واستدعى جَعْفَر بن أبي علاج فَأمره بقلع الْحجر الْأسود فقلعه بعد الْعَصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة من تِلْكَ السّنة وَأقَام بِمَكَّة أحد عشر يَوْمًا وَقيل سِتَّة أَيَّام ثمَّ انْصَرف إِلَى بَلَده هجر وَحمل مَعَه الْحجر الْأسود يُرِيد أَن يحول الْحَج إِلَى بَلَده الَّذِي سَمَّاهُ دَار الْهِجْرَة وَأَرَادَ أَخذ مقَام الْخَلِيل فغيبه بَنو شيبَة فِي بعض شعاب مَكَّة وَلما وصل إِلَى بَلَده علق الْحجر الْأسود فِي الأسطوانة السَّابِعَة مِمَّا يَلِي صحن الْمَسْجِد وَبَقِي الْحجر الْأسود عِنْدهم وبذل لَهُ الْمُطِيع العباسي خمسين ألفا فَلم يردوه إِلَى أَن أيسوا من تَحْويل الْحَج إِلَى بلدهم هجر فَردُّوهُ إِلَى مَحَله من أنفسهم