المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌57 - باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم - صحيح سنن أبي داود ط غراس - جـ ٦

[ناصر الدين الألباني]

فهرس الكتاب

- ‌15 - باب في الإشعار

- ‌16 - باب تبديل الهدي

- ‌17 - باب من بعث بهديه وأقام

- ‌18 - باب في ركوب البُدْن

- ‌19 - باب في الهدي إذا عَطِبَ قبل أن يبلغ

- ‌20 - باب كيف تنْحَرُ البُدْنُ

- ‌21 - باب في وقت الإحرام

- ‌22 - باب الاشتراط في الحج

- ‌23 - باب في إفراد الحج

- ‌24 - باب في الإقران

- ‌25 - باب الرجل يُهِلُّ بالحج، ثم يجعلُها عمرة

- ‌26 - باب الرجل يحج عن غيره

- ‌27 - باب كيف التلبية

- ‌28 - باب متى يقطع التلبية

- ‌29 - باب متى يقطع المعتمر التلبية

- ‌30 - باب المُحْرِمِ يؤدِّب غلامه

- ‌31 - باب الرجل يُحْرِمُ في ثيابه

- ‌32 - باب ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ

- ‌33 - باب المحرم يحمل السلاح

- ‌34 - باب في المحرمة، تغطي وجهها

- ‌35 - باب في المحرم يُظَلَّلُ

- ‌36 - باب المحرم يحتجم

- ‌37 - باب يكتحل المحرم

- ‌38 - باب المحرم يغتسل

- ‌39 - باب المحرم يتزوج

- ‌40 - باب ما يَقْتُلُ المحْرِمُ من الدواب

- ‌41 - باب لحم الصيد للمحرم

- ‌42 - باب في الجراد للمحرم

- ‌43 - باب في الفِديَةِ

- ‌44 - باب الإحصار

- ‌45 - باب دخول مكة

- ‌46 - باب في رفع اليدين إذا رأى البيت

- ‌47 - باب في تقبيل الحَجَرِ

- ‌48 - باب استلام الأركان

- ‌49 - باب الطواف الواجب

- ‌50 - باب الاضطباع في الطواف

- ‌51 - باب في الرَّمَلِ

- ‌52 - باب الدعاء في الطواف

- ‌53 - باب الطواف بعد العصر

- ‌54 - باب طواف القارن

- ‌55 - باب الملتزم

- ‌56 - باب أمر الصفا والمروة

- ‌57 - بابُ صِفَةِ حَجَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌58 - باب الوقوف بعرفة

- ‌59 - باب الخروج إلى منى

- ‌60 - باب الخروج إلى عرفة

- ‌61 - باب الرَّوَاح إلى عرفة

- ‌62 - باب الخطبة على المنبر بعرفة

- ‌63 - باب موضع الوقوف بعرفة

- ‌64 - بابُ الدَّفْعَةِ مِنْ عَرَفَةَ

- ‌65 - باب الصلاة بِجَمْعٍ

- ‌66 - باب التعجيل مِنْ جَمْعٍ

- ‌67 - باب يوم الحج الأكبر

- ‌68 - باب الأشهر الحرم

- ‌69 - باب مَنْ لم يُدْرِكْ عَرَفَةَ

- ‌70 - باب النزول بمنى

- ‌71 - باب أيَّ يَوْمٍ يَخْطُبُ بِمِنىً

- ‌72 - باب من قال: خطب يوم النحر

- ‌73 - باب أيَّ وقتٍ يخطبُ يومَ النَّحْرِ

- ‌74 - باب ما يَذْكُرُ الإمامُ في خطبته بمنى

- ‌75 - باب يبيتُ بمكةَ لياليَ منىً

- ‌76 - باب الصلاة بمنى

- ‌77 - باب القصر لأهل مكة

- ‌78 - باب في رمي الجمار

- ‌79 - باب الحلق والتقصير

- ‌80 - باب العمرة

- ‌81 - بابُ المُهِلَّةِ بالعمرة تَحِيضُ، فيدركها الحجُّ، فتَنْقُض عمرتها، وتُهِلُّ بالحج؛ هل تَقْضِي عمرتها

- ‌82 - باب المُقَامِ في العُمْرةِ

- ‌83 - باب الإفاضة في الحج

- ‌84 - باب الوداع

- ‌85 - باب الحائض تخرج بعد الإفاضة

- ‌86 - باب طواف الوداع

- ‌87 - باب التحصيب

- ‌88 - باب فيمن قَدَّمَ شيئًا قبل شيء في حَجِّهِ

- ‌89 - باب في مكة

- ‌90 - باب تحريم حَرَمِ مكة

- ‌91 - باب في نَبِيذِ السِّقَايَةِ

- ‌92 - باب الإقامة بمكة

- ‌93 - باب الصلاة في الكعبة

- ‌94 - باب الصلاة في الحِجْرِ

- ‌95 - باب في دخول الكعبة

- ‌96 - باب في مال الكعبة

- ‌97 - باب

- ‌98 - باب في إتيان المدينة

- ‌99 - باب في تحريم المدينة

- ‌100 - باب زيارة القبور

- ‌6 - كتاب النكاح

- ‌1 - باب التحريض على النكاح

- ‌2 - باب ما يُؤْمَرُ به من تزوج ذات الدين

- ‌3 - باب في تزويج الأبكار

- ‌4 - باب النهي عن تزويج مَنْ لم يلد من النساء

- ‌5 - باب في قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية)

- ‌6 - باب في الرجل يُعْتِقُ أمتَهُ، ثم يتزوَّجها

- ‌7 - باب يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ

- ‌8 - باب في لبن الفحل

- ‌9 - باب في رضاعة الكبير

- ‌10 - باب فيمن حَرَّم به

- ‌11 - باب هَلْ يُحَرِّم ما دون خمسِ رَضَعَات

- ‌12 - باب في الرَّضْخ عند الفصال

- ‌13 - باب ما يُكْرَهُ أن يُجْمَعَ بينهن من النساء

- ‌14 - باب في نكاح المتعة

- ‌15 - باب في الشِّغَارِ

- ‌16 - باب في التحليل

- ‌17 - باب نكاح العبد بغير إذن سَيِّدِهِ

- ‌18 - باب في كراهية أن يَخْطُبَ الرجل على خِطْبَةِ أخيه

- ‌19 - باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها

- ‌20 - باب في الوَلِيِّ

- ‌21 - باب في العَضْلِ

- ‌22 - باب إذا أنكح الولِيَّان

- ‌23 - باب قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}

- ‌24 - باب في الاستئمار

- ‌25 - باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها

- ‌26 - باب في الثيب

- ‌27 - باب في الأكْفَاءِ

- ‌28 - باب في تزويج من لم يولد

- ‌29 - باب الصَّدَاقِ

- ‌30 - باب قِلَّةِ المَهْرِ

- ‌31 - باب في التزويج على العمل يعْمَلُ

- ‌32 - باب فيمن تزوَّج ولم يُسَمِّ صَداقًا حتى مات

- ‌33 - باب في خُطبة النكاح

- ‌34 - باب في تزويج الصغار

- ‌35 - باب في المقام عند البِكْرِ

- ‌36 - باب في الرجل يَدْخُلُ بامرأته قبل أن يَنْقُدَها شيئًا

- ‌37 - باب ما يقال للمتزوج

- ‌38 - باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى

- ‌39 - باب في القَسْمِ بين النساء

- ‌40 - باب في الرجل يشترط لها دارها

- ‌41 - باب في حَقِّ الزوج على المرأة

- ‌42 - باب في حق المرأة على زوجها

- ‌43 - باب في ضرب النساء

- ‌44 - باب ما يُؤْمَرُ به مِنْ غَضِّ البصر

- ‌45 - باب في وَطْءِ السَّبَايَا

- ‌46 - باب في جامع النكاح

- ‌47 - باب في إتيان الحائض ومباشرتها

- ‌48 - باب في كَفَّارة من أتى حائضًا

- ‌49 - باب ما جاء في العَزْلِ

- ‌50 - باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله

- ‌7 - كتاب الطلاق

- ‌1 - باب فيمن خَبَّبَ امرأة على زوجها

- ‌2 - باب في المرأةِ تسألُ زوجَها طلاقَ امرأةٍ له

- ‌3 - باب في كراهية الطلاق

- ‌4 - باب في طلاقِ السُّنَّةِ

- ‌5 - باب الرجل يراجع ولا يُشهد

- ‌6 - باب في سنة طلاق العبد

- ‌7 - باب في الطلاق قبل النكاح

- ‌8 - باب في الطلاق على غلط

- ‌9 - باب في الطلاق على الهَزْلِ

- ‌10 - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث

- ‌11 - باب فيما عُنِيَ به الطلاقُ والنيات

- ‌12 - باب في الخِيَارِ

- ‌13 - باب في (أمْرُكِ بِيَدِكِ)

- ‌14 - باب في البتة

- ‌15 - باب في الوسوسة بالطلاق

- ‌16 - باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي

- ‌17 - باب في الظهار

- ‌18 - باب في الخُلْعِ

الفصل: ‌57 - باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم

‌57 - بابُ صِفَةِ حَجَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

1663 -

عن جعفر بن محمد عن أبيه قال:

دخلنا على جابر بن عبد الله، فلما انتهينا إليه؛ سأل عن القوم؟ حتى انتهى إليَّ؛ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زِرِّي الأسفلَ، ثم وضع كَفَّه بين ثَدْيَيَّ -وأنا يومئذ غلام شابٌّ- فقال: مرحبًا بك، وأهلًا يا ابن أخي! سَلْ عَمَّا شئت، فسألته -وهو أعمى-؟ وجاء وقت الصلاة، فقام في نِسَاجَةِ مُلْتَحِفًا بها -يعني: ثوبًا مُلَفَّقًا-، كلما وضعها على منكبه؛ رجع طرفاها من صِغَرِها، فصلى بنا ورداؤه إلى جنبه على المِشْجَبِ. فقلت: أخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال بيده، فَعَقَدَ تسعًا، ثم قال:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يَحُجَّ، ثم أذَّنَ في الناس في العاشرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَاجٌّ، فقدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كثيرٌ، كُلُّهم يلتمس أن يَأْتمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملَ بمثلِ عملِه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فَوَلَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْس محَمَّدُ بنَ أبي بكر، فأرسلَتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال:

"اغتسلي واسْتَذْفِرِي بثوب، وأحْرِمي". فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القَصْوَاء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء -قال جابر: - نظرت إلى مَدِّ بصري من بين يديه؛ من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظْهُرِنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فما عَمِلَ به من شيء؛

ص: 151

عَمِلْنَا به- فأهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد:

"لَبَّيْكَ اللهمَّ! لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منه، ولَزِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَلْبِيتَهُ.

قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه؛ استلم الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم فقرأ:(واتَّخذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصَلّىً)، فجعل المقام بينه وبين البيت. قال: فكان أبي يقول -قال ابن نُفَيْلٍ وعثمان: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال سليمان: ولا أعلمه إلا قال-: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بـ: (قل هو الله أحد)، و:(قل يا أيها الكافرون)، ثم رجع إلى البيت، فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا؛ قرأ:

" (إن الصفا والمروة من شعائر الله)، نبدأ بما بدأ الله به"؛ فبدأ بالصفا، فَرَقِيَ عليه حتى رأى البيت، فكبَّرَ الله ووحَّده، وقال:

"لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو كل على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبَّتْ قدماه؛ رَمَلَ في بطن الوادي، حتى إذا صَعِدَ؛ مشى، حتى أتى المروة، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا، حتى إذا كان آخرُ الطوافِ على المروة؛ قال:

ص: 152

"إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لم أسُقِ الهَدْيَ، ولجعلتها عُمْرَةً، فمن كان منكم ليس معه هدي؛ فَلْيُحْلِلْ وليجعلْها عمرة"؛ فَحَلَّ الناسُ كلُّهم وقَصَّروا؛ إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فقام سُراقَةُ بن جُعْشُمٍ، فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فَشَبَّكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الأخرى، ثم قال:

"دخلت العمرة في الحج هكذا (مرتين)؛ لا، بل لأبدِ أبدٍ، لا، بل لأبدِ أبدٍ". قال:

وقَدمَ علي رضي الله عنه من اليمنِ ببُدْنِ النبي صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَ فاطمة رضي الله عنها مِمَّنْ حَلَّ، ولبست ثيابًا صَبِيغًا، واكتحلت، فأنكر عَلِيٌّ ذلك عليها، وقال: مَنْ أمَرَك بهذا؟ ! فقالت: أبي. فكان علي يقول بالعراق: ذَهَبْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَرِّشًا على فاطمة في الأمر الذي صَنَعَتْهُ؛ مستفتيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرتْ عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا؟ فقال:

"صدقت صدقت! ماذا قلتَ حين فرضْتَ الحج؟ ".

قال: قلت: اللهم! إني أُهل بما أَهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:

"فإنَّ معيَ الهَدْيَ، فلا تَحْلِلْ". قال:

وكان جماعةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ به عليٌّ من اليمن -والذي أتى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من المدينة- مئةً. فحلَّ الناس كلُّهم وقصَّروا؛ إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي. قال:

فلما كان يَوْمُ التروية، ووجَّهوا إلى منى؛ أهلُّوا بالحج، فركِبَ رسول

ص: 153

الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بِمِنىً: الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ، والصبحَ، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بِقُبَّةٍ له مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ بـ:(نَمِرَةَ)، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تَشُكُّ قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفٌ عند المشعر الحرام بالمزدلفة، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بـ (نَمِرَةَ)، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس؛ أمَرَ بالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال:

"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا! ألا إن كُلَّ شيء من أمر الجاهلية تحت قَدَمَي موضوعٌ، ودماءَ الجاهلية موضوعة، وأولُ دم أضعُهُ دماؤُنا-: دم .. قال عثمان: دم ابن ربيعة، وقال سليمان: دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقال بعض هؤلاء: كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل-. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضعه ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنهُ موضوع كلُّهُ! اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ لكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونه؛ فإن فَعَلْنَ؛ فاضربوهنَّ ضربًا غَيْرَ مُبَرِّح، ولهنَّ عليكم رِزْقُهُن وكِسْوَتُهُن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن اعتَصمتم به: كتاب الله. وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ ".

قالوا: نشهد أنك قد بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصحت. ثم قال بأصبعه السَّبابَةِ؛ يَرْفَعُها إلى السماء، وَينْكُبُها إلى الناس:

ص: 154

"اللهم! اشهد، اللهم! اشهد، اللهم! اشهد".

ثم أذَّنَ بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا. ثم ركب القصواء، حتى أتى الموقف، فجعل بَطْنَ ناقته القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يَزَلْ واقفًا؛ حتى غَرَبَتِ الشمسُ؛ وذهبت الصُّفْرَةُ قليلًا حين غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد شَنَقَ للقصواء الزِّمَامَ، حتى إن رَأْسَها لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وهو يقول بيده اليمنى:

"السَّكِينَةَ أيها الناس! السكينةَ أيها الناس! "؛ كلما أتى حَبْلًا من الحبال؛ أرخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين -قال عثمان: ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا. ثم اتفقوا-، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تَبَيَّنَ له الصبح -قال سليمان: بنداء وإقامة. ثم اتفقوا-، ثم ركب القصواء، حتى أتى المَشْعَرَ الحرام، فَرَقِيَ عليه -قال عثمان وسليمان: فاستقبل القبلة؛ فحَمِدَ الله وكبَّرَهُ وهَلَّلَهُ -زاد عثمان: ووحَّده-. فلم يزل واقفًا؛ حتى أسْفَرَ جدًّا، ثم دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلًا حَسَنَ الشَعَرِ، أبيضَ وسيمًا، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ الظعُنُ يَجْرِينَ؛ فطَفِقَ الفَضْلُ ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، وصَرَفَ الفضلُ وجهَهُ إلى الشقِّ الآخر، وحَوَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ إلى الشِّقِّ الآخر، وصرف الفضلُ وجهه إلى الشِّقِّ الآخر يَنْظُرُ، حتى أتى مُحَسِّرًا، فَحَرَّكَ قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند

ص: 155

الشجرة، فرماها بسبع حَصَيَاتٍ -يُكَبِّرُ مع كل حصاه منها- بمثل حصى الخَذْفِ، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثًا وستين، وأمر عليًّا فنحر ما غَبَرَ-يقول: ما بقي-، وأشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثم أمر مِنْ كُلِّ بَدَنَة بِبَضْعَة؛ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فطُبِخَتْ، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها -قال سليمانْ: ثم ركب-، ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت، فصلى بمكة الظهر؛ ثم أتى بني عبد المطلب وهم يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقال:

"انْزِعُوا بني عبد المطلب! فلولا أن يَغْلِبَكُمُ الناس على سِقَايَتكُم؛ لنزعتُ معكم". فناولوه دَلْوًا فَشَرِبَ منه.

(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وابن الجارود بطوله).

إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان -وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء- قالوا: ثنا حاتم بن إسماعيل: ثنا جعفر بن محمد.

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه بطوله كما يأتي.

والحديث أخرجه البيهقي (5/ 7 - 9) من طريق المصنف.

وأخرجه ابن الجارود (469) من طريق النفيلي وحده.

وابن ماجة (2/ 252 - 258) من حديث هشام بن عمار وحده.

ومسلم (4/ 38 - 43)، والدارمي (2/ 44 - 49) من طرق أخرى عن حاتم بن إسماعيل

بطوله.

ص: 156

وأخرج النسائي وأحمد وغيرهما

أطرافًا منه. وقد خرجته بتوسع في الجزء الذي كنت جمعته في حديث جابر هذا، مستوعبًا طرقه وزياداته، وهو مطبوع.

1664 -

وفي رواية عنه عن أبيه:

أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة -ولم يُسَبِّحْ بينهما- وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بِجَمْع بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّحْ بينهما.

(قلت: حديث صحيح، وإسناده مرسل، والصواب أنه من مسند جابر كما في الرواية الأولى وما بعدها. وهذا القدر في "صحيح مسلم"، وابن الجارود وابن حبان عن جابر كما تقدم).

إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا سليمان -يعني: ابن بلال-. (ح) وثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الوهاب الثقفي -المعنى واحد- عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال أبو داود: "هذا الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل. ووافق حاتم بن إسماعيل على إسناده: محمدُ بن علي الجعفي عن جعفر عن أبيه عن جابر، إلا أنه قال: فصلى المغرب والعَتَمَةَ بأذان وإقامة.

قلت: وهذا إسناد مرسل، وقد أشار المصنف إلى ترجيح رواية حاتم المسندة عن جابر، وهي المتقدمة برواية محمد بن علي الجُعْفِيِّ المعلقة، ولم أجد من وصلها!

ومحمد بن علي هذا: هو أخو الحسين بن علي الجُعْفي، كما في "تاريخ البخاري"(1/ 1 / 184)، و "الجرح والتعديل"(4/ 1 / 27)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فقوله: وإقامة

شاذ بل منكر، والمحفوظ: وإقامتين

كما في

ص: 157

الرواية المسندة والمرسلة.

وقد أسند الحديث: حفصُ بن غياث أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر

به نحو حديث حاتم بن إسماعيل: أخرجه مسلم.

وكذلك أسنده جماعة من الثقات، بعضهم مطولًا وبعضهم مختصرًا، ومنهم سليمان بن بلال نفسه: عند أحمد (3/ 340 و 394).

فلا يُعِلُّهُ تقصير من قصر فيه فأرسله.

1665 -

وفي أخرى عن جابر قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"قَدْ نَحَرْت ها هنا، ومنِىً كلُّها مَنْحَرٌ". ووقف بعرفة فقال:

"قد وقفت ها هنا، وعرفة كلُّها مَوْقِفٌ"، ووقف بالمزدلفة فقال:

"قد وقفت ها هنا، ومزدلفة كلُّها مَوْقِفٌ".

(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وابن الجارود).

إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا جعفر: ثنا أبي عن جابر.

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.

والحديث في "المسند"(3/ 320 - 321)

بهذا الإسناد مطولًا.

وكذلك رواه ابن الجارود (465).

وأخرج منه النسائي (2/ 45 و 48): "عرفة كلها موقف"، و"المزدلفة كلها موقف" كلاهما من طريق يحيى بن سعيد

به.

ص: 158

وتابعه على هذه الرواية -بجميع فقراتها- حفص بن غياث: عند مسلم، وقد تقدم آنفًا.

وكذلك رواه البيهقي؛ وعنده الزيادة الآتية.

1666 -

زاد في رواية:

"فانْحَرُوا في رحالكم".

(قلت: إسناده صحيح. وقد أخرجه مسلم).

إسناده: حدثنا مسدد: ثنا حفص بن غياث عن جعفر

بإسناده؛ زاد

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ غير مسدد، فهو من رجال البخاري، وقد توبع كما يأتي.

والحديث أخرجه البيهقي (5/ 115 و 170) من طريقين آخرين عن مسدد

به.

وأخرجه مسلم (4/ 43): حدثنا عمر بن حفص بن غياث: حدثنا أبي

به.

1667 -

وفي أخرى عن جابر

فذكر الحديث؛ وأدرج في الحديث -عند قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) -: قال: فقرأ فيهما بالتوحيد و (قل يا أيها الكافرون). وقال فيه: قال علي رضي الله عنه بالكوفة- قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر-: فذهبت محرِّشًا

وذكر قصة فاطمة رضي الله عنها.

(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه بنحوه، وليس فيه

ص: 159

الإدارج المذكور إلا في قصة فاطمة، وهو الأرجح، وقد مضى في الكتاب برقم (1663)).

إسناده: حدثنا يعقوب بن إبراهيم: ثنا يحيى بن سعيد القطان عن جعفر: حدثني أبي عن جابر

فذكر هذا الحديث.

قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه أحمد وابن الجارود عن يحيى بن سعيد؛ كما تقدم برقم (1665)، وفيه عندهما معنى الإدارج الذي صرح به المؤلف رحمه الله، والإدراج في قصة التحريش تقدم أيضًا في حديث حاتم ابن إسماعيل (1663).

وأما القراءة في الركعتين؛ فلم يدرجها، بل قال جعفر بن محمد بن علي: فكان أبي يقول: ولا أعلم ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا أقرب إلى الجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الشك فيه؛ لأن العلم ينافي الشك كما قال النووي.

ويؤيده أن مالكًا جزم به فقال: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر

بلفظ:

قرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، فصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب و:(قل يا أيها الكافرون) و: (قل هو الله أحد).

أخرجه النسائي (2/ 40)، والبيهقي (5/ 91).

ورواه الترمذي (869) من طريق آخر عن جعفر

به.

ص: 160