الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة الخوف
أي: كيفيتها من حيث إنه يحتمل في الفرائض فيه في الجماعة وغيرها ما لا يحتمل في غيره على ما سيأتي بيانه، وقد جاءت في الأخبار على ستة عشر نوعاً اختار الشافعي رضي الله عنه منها أربعة أنواع ترجع إلى الثلاثة الآتية.
والأصل فيها: قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] الآية، والأخبار الآتية، مع خبر:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، واستمرت الصحابة على فعلها بعده صلى الله عليه وسلم، وادعى المزني نسخها؛ لتركه صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق، وأجابوا عنه؛ بتأخر نزولها عند؛ لأنها نزلت سنة ستة والخندق سنة أربع، وقيل: خمس، وتجوز في الحضر، خلافاً لمالك رحمه الله تعالى ورضي عنه.
[أنواع صلاة الخوف]
(أنواعها ثلاثةٌ: فإن يكن
…
عدونا في غير قبلةٍ فسن)
(تحرس فرقةٌ، وصلى من يؤم
…
بالفرقة الركعة الاولى وتتم)
(وحرست، ثم يصلي ركعه
…
بالفرقة الأخرى ولو في الجمعه)
(ثم أتمت، وبهم يسلم
…
وإن يكن في قبلةٍ صفهم)
(صفين، ثم بالجميع أحرما
…
ومعه يسجد صفٌّ منهما)
(وحرس الآخر، ثم حيث قام
…
فليسجد الثاني ويلحق الإمام)
(وفي التحام الحرب صلوا مهما
…
أمكنهم ركباناً أو بالإيما)
أي أنواع صلاة الخوف ثلاثة:
أحدها: أن يكون عدونا في غير جهة القبلة؛ أي: أو فيها ولكن حال دونهم حائل يمنع رؤيتهم، فيسن أن يفرقهم الإمام فرقتين: تقف فرقة في وجه العدو وتحرس، وينحاز بالفرقة الأخرى بحيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم الركعة الأولى، فإذا قام للثانية .. فارقته بنية المفارقة، وأتمت لنفسها وذهبت إلى وجه العدو لتحرس، ولو فارقته عند رفع رأسه من السجدة
الثانية .. جاز، وجاءت الفرقة الأخرى التي كانت في وجه العدو فاقتدوا به في الثانية، ويطيل القيام؛ ليلحقوه، ويصلي بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد .. قاموا فأتموا ثانيتهم، فإذا لحقوه .. سلم بهم، فتحوز الفرقة الأولى فضيلة التحرم مع الإمام، والثانية فضيلة التسليم معه.
ويقرأ الإمام في انتظاره الفرقة الثانية في القيام، ويتشهد في انتظارها في الجلوس؛ لأنه لو لم يقرأ ولم يتشهد: فإما أن يسكت، أو يأتي بغير القراءة والتشهد، وكلٌّ خلاف السنة.
ويستحب لهم تخفيف ثانيتهم؛ لئلا يطول الانتظار، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، رواها الشيخان.
ولو لم تفارقه الأولى، بل ذهبت إلى العدو ساكتة وجاءت الأخرى فصلت معه الثانية، فلما سلم ذهبت إلى العدو وجاءت الأولى إلى محل الصلاة، وأتمت وذهبت إلى العدو وجاءت الأخرى وأتمت .. فالمشهور: الصحة، وهذه رواية ابن عمر، والأولى رواية سهل بن أبي حثمة، واختارها الشافعي رضي الله عنه؛ لأنها أوفق للقرآن لإشعار:{ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا} [النساء: 102] بصلاة الأولى؛ ولأنها أليق بالصلاة لقلة الأفعال، ولأنها أحوط للحرب؛ فإنها أخف على الطائفتين.
وإنما صحت الصلاة على رواية ابن عمر رضي الله عنهما مع كثرة الأفعال فيها بلا غرض؛ لصحة الخبر فيها مع عدم المعارضة؛ لأن إحدى الروايتين كانت في يوم والأخرى في يوم آخر، ودعوى النسخ باطلة؛ لاحتياجه لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع، وليس هنا واحد منهما، قاله في "المجموع".
وقوله: (ولو في جمعة) أي: ولو كانت صلاة ذات الرقاع في جمعة حيث وقع الخوف ببلد، فإنها تجوز بشرط أن يخطب بجميعهم، ثم يفرقهم فرقتين لا تنقص كل منهما عن أربعين أو بفرقة، ثم يجعل منها مع كل فرقة أربعين، فلو خطب بفرقة وصلى بأخرى، أو نقص العدد فيهما، أو في الأولى .. لم تنعقد الجمعة، أو في الثانية .. فالأصح: أنه لا يضر، وتصح إقامة الجمعة أيضاً بصلاة عسفان، بخلاف إقامتها بصلاة بطن نخل؛ إذ لا تقام جمعة بعد أخرى.
فإن صلى مغرباً .. فبفرقة ركعتين وبالثانية ركعة؛ وهو أفضل من عكسه الجائز أيضاً في الأظهر؛ لأن السابقة أحق بالتفضيل، ولسلامته من التطويل في عكسه؛ بزيادة التشهد في أولى الثانية، وينتظر في جلوس تشهده أو قيام الثالثة وهو أفضل في الأصح؛ لأنه محل للتطويل بخلاف جلوس التشهد الأول.
أو رباعية .. فبكل ركعتين.
ولو صلى بكل فرقة ركعة .. صحت صلاة الجميع في الأظهر، وتجوز في هذه الحالة صلاة بطن نخل؛ وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين: فرقة في وجه العدو، وفرقة ينحاز بها بحيث لا يبلغها سهام العدو ويصلي بها جميع الصلاة، سواء أكانت ركعتين أم ثلاثاً أم ثلاثاً أو أربعاً، فإذا سلم بها .. ذهبت إلى وجه العدو وجاءت الأخرى فيصليها بهم مرة ثانية، وهذه الصلاة وإن جازت في غير الخوف .. ندب إليها فيه عند كثرة المسلمين وقلة عدوهم وخوف هجومهم عليهم في الصلاة، لكن صلاة ذات الرقاع أفضل منها في الأصح؛ لسلامتها عما في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفل المختلف فيه، ولأنها أخف وأعدل بين الفرقتين.
ثانيها: أن يكون عدونا في جهة القبلة، ولا حائل دونهم وفي المسلمين كثرة، فيصفهم الإمام صفين، ثم يحرم بالجميع ويقرأ ويركع ويعتدل بهم، فإذا سجد .. سجد معه صف سجدتيه وحرس الصف الآخر، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقوه، وقرأ وركع واعتدل بالجميع، فإذا سجد .. سجد معه من حرس أولاً وحرس الآخرون، فإذا جلس .. سجد من حرس وتشهد بالجميع وسلم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، رواها مسلم ذاكراً فيها سجود الصف الأول في الركعة الأولى، والثاني في الثانية.
وعبارة المصنف ككثير صادقة بذلك وبعكسه، وهو جائز أيضاً.
ويجوز فيه أيضاً: أن يتقدم في الركعة الثانية الصف الثاني وبتأخر الأول إذا لم تكثر أفعالهم؛ بأن يكون كل من المتقدم والمتأخر بخطوتين ينفذ كل واحد في التقدم بين اثنين، وهل هذا التقدم والتأخر أفضل، أو ملازمة كل واحد مكانه أفضل؟ وجهان، والأول موافق للوارد في العكس في الحديث المذكور، ويجوز أن يزاد على صفين ويحرس صفان.
ولو حرس في الركعتين فرقتا صف على المناوبة، ودام غيرهما على المتابعة .. جاز، وكذا فرقة في الأصح.
ويسن فيما مر من الصلوات حمل السلاح الطاهر إذا لم يمنع ركناً، ولم يتأذ به أحد، وظهرت السلامة مع احتمال الخطر؛ احتياطاً، وخروجاً من الخلاف في وجوبه، وإنما لم يجب؛ لأن وضعه لا يفسد الصلاة، فلا يجب حمله كسائر ما لا يفسد تركه، وقياساً على صلاة الأمن، وحملوا الآية على الاستحباب.
وخرج بما ذكر: السلاح النجس، والمانع من الركن، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة الجبهة فيحرم حملهما، والسلاح المؤذي؛ كالرمح وسط القوم فيكره حمله كما في "الروضة" و"أصلها"، قال الأذرعي: عبارة غيرهما: (لا يجوز)، ولا شك أنه كذلك إذا كثر به الأذى، والكراهة فيما يخف. انتهى.
وخرج (بظهور السلامة): ما إذا ظهر الهلاك .. فيجب حمله، وإلا .. فهو استسلام للكفار، قال الإمام: ووضع السلاح بين يديه كحمله إن سهل تناوله كالمحمول. انتهى، بل يتعين إن منع حمله الصحة.
ثالثها: أن ينتهي الخوف إلى حيث لا يتمكن أحد من ترك القتال؛ بأن التحم القتال والعدو كثير، أو اشتد الخوف ولم يؤمن هجومه لو انقسمنا، وقد أشار إليه بقوله: (وفي التحام الحرب
…
) إلى آخره، فيصلون كيف أمكنهم ركباناً ومشاة، ولا تؤخر الصلاة عن الوقت، ولهم ترك القبلة عند العجز بسبب العدو، فإن كان لجماح دابة وطال .. بطلت؛ قال تعالى:{فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} [البقرة: 239]، قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع لا أراه إلا مرفوعاً، رواه البخاري.
ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة؛ وهو أفضل من الانفراد، فإن عجزوا عن ركوع وسجود .. أومؤوا، والسجود أخفض.
ويعذر في الأعمال الكثيرة؛ لحاجة في الأصح، لا في الصياح، ويلقي سلاحاً دمي، فإن احتاجه .. أمسكه ويقتضي، خلافاً للإمام.
ويصلى عيدٌ وكسوفٌ في شدة الخوف، لا الاستسقاء.
وتجوز صلاة شدة الخوف في كل قتال وهزيمة مباحين، وهرب من سبع أو سيل، أو حريق ليس عنها معدل، وكذا غريم عند إعساره وخوف حبسه، ومن عليه قصاص يرجو العفو عنه لو
تغيب، ودفع من قصد نفساً أو حريماً أو مالاً ولو غير حيوان في الأظهر، ولا يصليها محرم خاف فوات الحج، بل يؤخرها ويحج.
وقوله: (تحرس) بتقدير (أن) في محل رفع نائب فاعل (سن) أي: سن حراسة فرقة، وقوله:(الأولى) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وألف (أحرما) للإطلاق، وقوله:(ركباناً أو) بحذف الهمزة للوزن.
[تحريم الذهب والحرير على الرجال]
(وحرموا على الرجال العسجدا
…
بالنسج والتمويه لا حال الصدا)
(وخالص القز أو الحرير
…
أو غالباً إلا على الصغير)
أي: وحرم العلماء على كل من الرجال استعمال حلي الذهب واتخاذه ليستعمله؛ لخبر أبي داوود بإسناد صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم أخذ في يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب وقال:"هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم"، وعلة تحريم العين بشرط الخيلاء.
واستثنى منه اتخاذ الأنف لمن قطع أنفه وإن أمكن اتخاذه من فضة؛ لأن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب- بضم الكاف؛ اسم لماء كانت الوقعة عنده في الجاهلية- فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفاً من ذهب، رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه.
والسن وإن تعددت، والأنملة ولو لكل إصبع قياساً على الأنف، وقد شد عثمان وغيره أسنانهم به ولم ينكره أحد، وجاز ذلك بالذهب وإن أمكن بالفضة الجائزة لذلك بالأولى؛ لأنه لا يصدأ ولا يفسد المنبت.
ولا يجوز له تعويض كف وإصبع وأنملتين من إصبع من ذهب ولا فضة؛ لأنها لا تعمل فتكون لمجرد الزينة، بخلاف السن والأنملة.
وكذا يحرم على الرجل لبس المنسوج بالذهب؛ أي: أو الفضة، والمموه؛ أي: المطلي
بواحد منهما إن حصل منه شيء بالعرض على النار؛ لما فيه من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فإن لم يحصل منه شيء .. حل.
وخرج بـ (الذهب): الفضة؛ فيحل للرجل منها لبس الخاتم، وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح، وتحرم تحلية السرج واللجام والركاب، وقلادة الدابة والسكين، والكتب والدواة وسرير المصحف ونحوها.
وبـ (الرجل): المرأة، فيحل لها استعمال حلي الذهب والفضة ولو تاجاً لم يعتدنه، ولبس ما نسج بهما إلا أن تسرف؛ كخلخال وزنه مئتا مثقال، وإلا تحلية آلة الحرب، ويجوز تحلية المصحف بفضة، وكذا للمرأة بذهب، والخنثى في كل من حلي الرجل والمرأة كالآخر، فيحرم عليه ما يحرم على كل منهما احتياطاً.
وقوله: (لا حال الصدأ) أي: إن صدئ؛ لا يظهر لون الذهب أو الفضة لغلبة الصدأ عليه .. جاز استعماله، فإن قيل: إن الذهب لا يصدأ .. قلنا: محله إذا كان منفرداً، أما إذا كان مشوباً بغيره .. فيصدأ.
ويحرم على الرجل؛ أي: والخنثى استعمال الخالص من القز أو الحرير، من عطف العام على الخاص، فـ (أو) بمعنى (الواو)، أو ما غالبه من القز أو الحرير؛ لخبر "الصحيحين" عن حذيفة:"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج"، وخبر البخاري عنه أيضاً: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه"، ولخبر أبي داوود السابق، بخلاف ما إذا كان غيره أكثر، أو استويا وزناً .. فلا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل: الحل.
ويجوز لبسه لضرورة؛ كفجأة حرب إذا لم يجد غيره، ولحاجة؛ كحكة وقمل، ويحل للولي إلباس الصبي ولو مميزاً الحرير والمزعفر، وتزيينه بحلي الذهب والفضة ولو في غير يوم العيد؛ إذ ليس له شهامة تنافي خنوثة ذلك، ولأنه غير مكلف، وألحق به الغزالي في "الإحياء": المجنون.
وألف (العسجدا) للإطلاق.