الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس
377 -
وعن أبي بكرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى، يا رسولَ الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: أَلا وقول الزور، وشهادة الزور، فمازال يكرّرها، حتى قلنا: ليته سكت. (1)
قوله: (ألا أنبّئكم) في رواية بشر بن المفضّل عن الجريريّ عند البخاري " ألا أخبركم ".
وقد نظم كُلاًّ من العقوق وشهادة الزّور بالشّرك في آيتين.
إحداهما: قوله تعالى: {وقضى ربّك ألا تعبدوا إلَّا إيّاه وبالوالدين إحساناً} .
ثانيهما: قوله تعالى: {فاجتنبوا الرّجس من الأوثان واجتنبوا قول الزّور} .
قوله: (بأكبر الكبائر ثلاثاً) أي: قالها ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشّيء ثلاث مرّات تأكيداً لينبّه السّامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره.
وفهِمَ بعضهم منه أنّ المراد بقوله: " ثلاثاً " عدد الكبائر ، وهو بعيد.
(1) أخرجه البخاري (2511 ، 5631، 5918، 6521) ومسلم (87) من طرق عن سعيد الجريري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه.
ويؤيّد الأوّل: أنّ أوّل رواية إسماعيل بن عليّة عن الجريري عند البخاري: أكبر الكبائر الإشراك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزّور ثلاثاً.
وقد اختلف السّلف.
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ من الذّنوب كبائر، ومنها صغائر.
القول الثاني: شذّت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ. فقال: ليس في الذّنوب صغيرة ، بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة. ونقل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين.
واحتجّوا بأنّ كلّ مخالفة لله فهي بالنّسبة إلى جلاله كبيرة.
ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة. فقال: انقسام الذّنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم من الأشعريّة أبو بكر بن الطّيّب وأصحابه فقالوا: المعاصي كلّها كبائر، وإنّما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القبلة المحرّمة صغيرة بإضافتها إلى الزّنا وكلّها كبائر.
قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر واجباً باجتناب ذنب آخر بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى:{إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .
وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأوّل بها ، وهي قوله تعالى:{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} : أنّ المراد الشّرك.
وقد قال الفرّاء: من قرأ " كبائر " فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشّرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله تعالى:{كذّبت قوم نوح المرسلين} ، ولَم يرسل إليهم غير نوح، قالوا: وجواز العقاب على الصّغيرة كجوازه على الكبيرة. انتهى.
قال النّوويّ: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسّنّة إلى القول الأوّل.
وقال الغزاليّ في " البسيط ": إنكار الفرق بين الصّغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه.
قلت: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة واختاره ، وبيّن أنّه لا يخالف ما قاله الجمهور.
فقال في " الإرشاد ": المرضيّ عندنا أنّ كلّ ذنب يعصى الله به كبيرة، فربّ شيء يعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والرّبّ أعظم من عصي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم؛ ولكنّ الذّنوب وإن عظمت فهي متفاوته في رتبها. وظنّ بعض النّاس أنّ الخلاف لفظيّ ، فقال: التّحقيق أنّ للكبيرة اعتبارين: فبالنّسبة إلى مقايسة بعضها لبعضٍ فهي تختلف قطعاً، وبالنّسبة إلى الآمر النّاهي فكلّها كبائر. انتهى.
والتّحقيق: أنّ الخلاف معنويّ، وإنّما جرى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدّالّ على أنّ الصّغائر تكفّر باجتناب الكبائر (1)، والله
(1) كحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم (233) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لِما بينهن، ما لَم تغش الكبائر " وفي رواية له " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهنَّ إذا اجتنب الكبائر.
أعلم.
وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عبّاس ، أنّ كلّ ما نهى الله عز وجل عنه كبيرة ، لأنّه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصّغائر والكبائر في قوله:{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلَّا اللمم} وقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم} ، فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السّيّئات في الآية مشروطاً باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟
قلت: ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن ابن عبّاس في تفسير اللمم قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق .. الحديث " ، لكنّ النّقل المذكور عنه. أخرجه إسماعيل القاضي والطّبريّ بسندٍ صحيح على شرط الشّيخين إلى ابن عبّاس.
فالأولى أن يكون المراد بقوله: نهى الله عنه " محمولاً على نهي خاصّ ، وهو الذي قرن به وعيد كما قيّد في الرّواية الأخرى عن ابن عبّاس ، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعاً بين كلاميه.
وقال الطّيبيّ: الصّغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه وهو أحد ثلاثة أشياء: الطّاعة أو المعصية أو الثّواب.
فأمّا الطّاعة فكلّ ما تكفّره الصّلاة مثلاً هو من الصّغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام أو الهجرة فهو من الكبائر.
وأمّا المعصية فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيداً أو عقاباً أزيد من الوعيد أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى فهي كبيرة.
وأمّا الثّواب ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين فالصّغيرة بالنّسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لَم تعدّ من غيرهم معصية. انتهى.
وكلامه فيما يتعلق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم من أطلق أنّ علامة الكبيرة ورود الوعيد أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أنّ مطلق قتل النّفس مثلاً ليس كبيرة، كأنّه وإن ورد الوعيد فيه أو العقاب ، لكن ورد الوعيد والعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصّواب ما قاله الجمهور ، وأنّ المثال المذكور وما أشبهه ينقسم إلى كبيرة وأكبر. والله أعلم.
قال النّوويّ: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافاً كثيراً منتشراً.
فروي عن ابن عبّاس ، أنّها كلّ ذنب ختمه الله بنارٍ أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصريّ.
وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنارٍ في الآخرة ، أو أوجب فيه حدّاً في الدّنيا.
قلت: وممّن نصّ على هذا الأخير الإمام أحمد. فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشّافعيّة الّماورديّ ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد.
والمنقول عن ابن عبّاس. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ لا بأس به، إلَّا أنّ فيه انقطاعاً. وأخرج من وجه آخر متّصل لا بأس برجاله أيضاً عن ابن عبّاس ، قال: كلّ ما توعّد الله عليه بالنّار كبيرة.
وقد ضبط كثير من الشّافعيّة الكبائر بضوابط أخرى.
منها قول إمام الحرمين: كلّ جريمة تؤذن بقلة اكثراث مرتكبها بالدّين ورقّة الدّيانة.
وقول الحليميّ: كلّ محرّم لعينه منهيّ عنه لمعنىً في نفسه.
وقال الرّافعيّ: هي ما أوجب الحدّ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنّة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب وهم إلى ترجيح الأوّل أميل؛ لكنّ الثّاني أوفق لِما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه.
وقد استُشكل بأنّ كثيراً ممّا وردت النّصوص بكونه كبيرة لا حدّ فيه كالعقوق.
وأجاب بعض الأئمّة: بأنّ مراد قائله ضبط ما لَم يرد فيه نصّ بكونه كبيرة.
وقال ابن عبد السّلام في " القواعد ": لَم أقف لأحدٍ من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر
بتهاون مرتكبها بدينه إشعاراً دون الكبائر المنصوص عليها.
قلت: وهو ضابط جيّد.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": الرّاجح أنّ كلّ ذنب نصّ على كِبَره أو عظمه أو توعّد عليه بالعقاب أو علق عليه حدّ أو شدّد النّكير عليه فهو كبيرة، وكلام ابن الصّلاح يوافق ما نقل أوّلاً عن ابن عبّاس، وزاد إيجاب الحدّ، وعلى هذا يكثر عدد الكبائر. فأمّا ما ورد النّصّ الصّريح بكونه كبيرة كما في حديث أبي هريرة " اجتنبوا السّبع الموبقات "(1) فقد ورد في الأحاديث زيادة على السّبع المذكورات ممّا نصّ على كونها كبيرة أو موبقة.
وقد ذهب آخرون: إلى أنّ الذّنوب التي لَم ينصّ على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها.
فقال الواحديّ: ما لَم ينصّ الشّارع على كونه كبيرة ، فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة، كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم. والله أعلم.
فصلٌ. قوله: (أكبر الكبائر) ليس على ظاهره من الحصر بل من فيه مقدّرة، فقد ثبت في أشياء أخر أنّها من أكبر الكبائر.
منها حديث أنس في قتل النّفس في الصحيحين، وحديث ابن
(1) وهو في الصحيحين ، وتمامه " قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلَّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "
مسعود في الصحيحين " أي الذّنب أعظم؟ " فذكر فيه الزّنا بحليلة الجار ، وحديث عبد الله بن أنيس الجهنيّ مرفوعاً قال: من أكبر الكبائر - فذكر منها - اليمين الغموس. أخرجه التّرمذيّ بسندٍ حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد.
وحديث أبي هريرة رفعه: إنّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عِرْض رجل مسلم. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ حسن، وحديث بريدة رفعه: من أكبر الكبائر فذكر منها منع فضل الماء ومنع الفحل. أخرجه البزّار بسندٍ ضعيف.
وحديث ابن عمر رفعه: أكبر الكبائر سوء الظّنّ بالله. أخرجه ابن مردويه بسندٍ ضعيف، ويقرب منه حديث أبي هريرة مرفوعاً: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي. الحديث. أخرجه البخاري.
وحديث عائشة: أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم. أخرجه الشّيخان، وفي البخاري حديث عبد الله بن عمرو: من أكبر الكبائر أن يسبّ الرّجل أباه. ولكنّه من جملة العقوق.
قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله " أكبر الكبائر " انقسام الذّنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أنّ في الذّنوب صغائر، لكن فيه نظر؛ لأنّ مَن قال كلّ ذنب كبيرة ، فالكبائر والذّنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنّه قيل: ألا أنبّئكم بأكبر الذّنوب؟ قال: ولا يلزم من كون الذي ذكر أنّه أكبر الكبائر استواؤها ، فإنّ الشّرك بالله أعظم من جميع ما ذكر معه.
قوله: (الإشراك بالله) قال ابن دقيق العيد:
يحتمل: أن يراد به مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذّكر لغلبته في الوجود، لا سيّما في بلاد العرب، فذكر تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر.
ويحتمل: أن يراد به خصوصه ، إلَّا أنّه يرد على هذا الاحتمال ، أنّه قد يظهر أنّ بعض الكفر أعظم من الشّرك ، وهو التّعطيل ، فيترجّح الاحتمال الأوّل على هذا.
قال ابن بطّال: قوله تعالى " إنّ الشّرك لظلمٌ عظيم " دالة على أنّه لا إثم أعظم من الشّرك، وأصل الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه ، فالمشرك أصل من وضع الشّيء في غير موضعه ، لأنّه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساوياً فنسب النّعمة إلى غير المنعم بها، وقوله تعالى {لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين} خوطب بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، والإحباط المذكور مقيّد بالموت على الشّرك لقوله تعالى {فيمت وهو كافر ، فأولئك حبطت أعمالهم} .
قوله: (وعقوق الوالدين) تقدّم الكلام عليه (1)
قوله: (وكان متّكئاً) قيل: الاتّكاء الاضطجاع، وفي حديث عمر في البخاري " وهو متّكئ على سرير " أي: مضطجع، بدليل قوله " قد أثّر السّرير في جنبه " كذا قال عياض.
وفيه نظرٌ ، لأنّه يصحّ مع عدم تمام الاضطجاع.
(1) في حديث المغيرة بن شعبة في الصلاة برقم (135)
وقد قال الخطّابيّ: كلّ معتمد على شيء متمكّن منه ، فهو متّكئ.
وإيراد البخاريّ حديث خبّاب المعلَّق (1) يشير به إلى أنّ الاضطجاع اتّكاء وزيادة.
وأخرج الدّارميّ والتّرمذيّ وصحَّحه هو وأبو عوانة وابن حبّان عن جابر بن سمرة: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم متّكئاً على وسادة.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الأطبّاء ، أنّه كره الاتّكاء، وتعقّبه: بأنّ فيه راحة كالاستناد والاحتباء.
وورد في مثل ذلك حديث أنس في قصّة ضمام بن ثعلبة لَمَّا قال: أيّكم ابن عبد المطّلب؟ فقالوا: ذلك الأبيض المتّكئ.
قال المُهلَّب: يجوز للعالِم والمفتي والإمام الاتّكاء في مجلسه بحضرة النّاس لألمٍ يجده في بعض أعضائه ، أو لراحةٍ يرتفق بذلك ، ولا يكون ذلك في عامّة جلوسه.
قوله: (فجلس) في رواية بشر بن المفضّل عن الجريريّ في البخاري " وجلس وكان متّكئاً " يشعر بأنّه اهتمّ بذلك حتّى جلس بعد أن كان متّكئاً ، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه.
قوله: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور) كذا وقع في العمدة بالواو. وفي رواية ابن عليّة " شهادة الزّور أو قول الزّور ".
(1) قال البخاري: باب مَن اتَّكأ بين يدي أصحابه ، قال خباب: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، قلت: ألا تدعو الله، فقعد. الحديث.
ووصله البخاري (3639) وفي مواضع أخرى مطوّلاً.
وأشار البخاري إلى أنّ قوله تعالى {والذين لا يشهدون الزّور .. الآية} ، سيقت في ذمّ متعاطي شهادة الزّور ، وهو اختيارٌ منه لأحد ما قيل في تفسيرها.
وقيل: المراد بالزّور هنا الشّرك ، وقيل: الغناء ، وقيل: غير ذلك.
قال الطّبريّ: أصل الزّور تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته ، حتّى يخيّل لمن سمعه أنّه بخلاف ما هو به قال: وأولى الأقوال عندنا ، أنّ المراد به مدح من لا يشهد شيئاً من الباطل. والله أعلم.
والشهادة مصدر شهد يشهد. قال الجوهريّ: الشّهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشّهود أي الحضور؛ لأنّ الشّاهد مشاهدٌ لِما غاب عن غيره ، وقيل: مأخوذة من الإعلام.
قوله: (فما زال يكرّرها، حتى قلنا: ليته سكت) أي: تمنّيناه يسكت إشفاقاً عليه لِما رأوا من انزعاجه في ذلك ، وفي رواية خالد الواسطي عن الجريري عند البخاري " فما زال يقولها حتّى قلت: لا يسكت ".
وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى الله عليه وسلم ، والمحبّة له والشّفقة عليه.
وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشهادة الزّور ، يحتمل: أن يكون لأنّها أسهل وقوعاً على النّاس، والتّهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعاً؛ لأنّ الشّرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطّبع، وأمّا قول الزّور فإنّ الحوامل عليه كثيرة فحسن الاهتمام بها، وليس
ذلك لعظمها بالنّسبة إلى ما ذكر معها.
قال: وأمّا عطف الشّهادة على القول ، فينبغي أن يكون تأكيداً للشّهادة ، لأنّا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرة وليس كذلك، وإذا كان بعض الكذب منصوصاً على عظمه كقوله تعالى:{ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثمّ يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} . وفي الجملة فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده.
قال: وقد نصّ الحديث الصّحيح على أنّ الغيبة والنّميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة أو الهيئة مثلاً. والله أعلم.
وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنّ كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويحتمل: قول الزّور على نوع خاصّ منه.
قلت: والأولى ما قاله الشّيخ.
ويؤيّده وقوع الشّكّ في ذلك في حديث أنس (1) وفيه " قول الزّور أو قال: شهادة الزّور " قال شعبة: وأكبر ظنّي أنّه شهادة الزّور ، فدلَّ على أنّ المراد شيء واحد.
(1) أخرجه البخاري (5977) ومسلم (88) من طريق شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذَكَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور " قال شعبة: .... "
وقال القرطبيّ: شهادة الزّور ، هي الشّهادة بالكذب ليتوصّل بها إلى الباطل من إتلاف نفس ، أو أخذ مال ، أو تحليل حرام أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً منها ، ولا أكثر فساداً بعد الشّرك بالله.
وزعم بعضهم: أنّ المراد بشهادة الزّور في هذا الحديث الكفر، فإنّ الكافر شاهد بالزّور وهو ضعيف.
وقيل: المراد من يستحلّ شهادة الزّور وهو بعيد، والله أعلم
وفي هذا الحديث استحباب إعادة الموعظة ثلاثاً لتفهم، وانزعاج الواعظ في وعظه ليكون أبلغ في الوعي عنه والزّجر عن فعل ما ينهى عنه.
وفيه غلظ أمر شهادة الزّور لِما يترتّب عليها من المفاسد وإن كانت مراتبها متفاوتة، وضابط الزّور وصف الشّيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشّهادة فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه " لابس ثوبي زور "(1) ، ومنه تسمية الشّعر الموصول زوراً كما في البخاري.
وتقدّم بيان الاختلاف في المراد بقوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزّور} ، وأنّ الرّاجح أنّ المراد به في الآية الباطل ، والمراد لا
(1) أخرجه البخاري (5219) ومسلم (2130) من حديث أسماء، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرةً، فهل عليَّ جناح إن تشبَّعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المُتشبِّع بما لَم يعط كلابس ثوبي زور.
يحضرونه.
وفيه التّحريض على مجانبة كبائر الذّنوب ليحصل تكفير الصّغائر بذلك كما وعد الله عز وجل.
وفيه إشفاق التّلميذ على شيخه إذا رآه منزعجاً ، وتمنّي عدم غضبه لِما يترتّب على الغضب من تغيّر مزاجه. والله أعلم.