الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع
364 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، قال: قال: سليمان بن داود عليهما السلام، لأَطُوفنَّ الليلة على تسعين امرأةً، تلد كلّ امرأةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقُل، فطاف بِهنّ، فلم تلد منهنّ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ: نصف إنسانٍ، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال: إن شاء الله لَم يحنث، وكان ذلك درَكَاً لحاجته. (1)
قال المصنِّف: قوله: (قيل له: قل إن شاء الله) يعني. قال له الملَك.
قوله: (سليمان بن داود) ابن إيشا - بكسر الهمز وسكون التّحتانيّة بعدها معجمة - ابن عوبد بوزن جعفر - بمهملة وموحّدة - ابن باعر - بموحّدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانيّة وآخره موحّدة - ابن رام بن حضرون - بمهملة ثمّ معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب.
قوله: (لأطوفن الليلة) في رواية الحمويّ والمستملي " لأطيفن "(2)
(1) أخرجه البخاري (4944 ، 6341) ومسلم (1654) من طريق عبد الله بن طاوس وهشام بن حجير كلاهما طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري (6263) ومسلم (1654) من طريق أبي الزناد ، والبخاري معلّقاً (2664) من طريق جعفر بن ربيعة كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة نحوه.
وأخرجه البخاري (7031) ومسلم (1654) من طريق أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة نحوه.
(2)
وهي رواية لمسلم أيضاً (1654) من طريق ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه -
وهما لغتان. طاف بالشّيء وأطاف به إذا دار حوله وتكرّر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع.
واللام جواب القسم وهو محذوف، أي: والله لأطوفنَّ، ويؤيّده قوله في آخره " لَم يحنث " ، لأنّ الحنث لا يكون إلَّا عن قسم، والقسم لا بدّ له من مقسم به.
وقال بعضهم: اللام ابتدائيّة. والمراد بعدم الحنث وقوع ما أراد.
وقد مشى ابن المنذر على هذا في كتابه الكبير فقال " باب استحباب الاستثناء في غير اليمين لِمَن قال سأفعل كذا " وساق هذا الحديث.
وجزم النّوويّ: بأنّ الذي جرى منه ليس بيمينٍ؛ لأنّه ليس في الحديث تصريحٌ بيمينٍ.
كذا قال!. وقد ثبت ذلك في بعض طرق الحديث.
واختلف في الذي حلف عليه. هل هو جميع ما ذُكر؟ أو دورانه على النّساء فقط دون ما بعده من الحمل والوضع وغيرهما؟.
والثّاني أوجه؛ لأنّه الذي يقدر عليه، بخلاف ما بعده فإنّه ليس إليه، وإنّما هو مجرّد تمنّي حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلَّا فلو كان حلف على جميع ذلك لَم يكن إلَّا بوحيٍ، ولو كان بوحيٍ لَم يتخلف، ولو كان بغير وحيٍ لزم أنّه حلف على غير مقدور له ، وذلك لا يليق بجنابه.
قلت: وما المانع من جواز ذلك ، ويكون لشدّة وثوقه بحصول مقصوده جزم بذلك وأكّد بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصّحيح
" إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه "(1)
قوله: (على سبعين امرأة) وللبخاري من رواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقال " تسعين " بتقديم المثنّاة ، ورجّح البخاري رواية تسعين على سبعين. وذكر: أنّ ابن أبي الزّناد رواه كذلك.
قلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس فقال: " تسعين " كما في البخاري من طريقه. ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان فقال: " سبعين " بتقديم السّين، وكذا هو في " مسند الحميديّ " عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء عن، والبخاري من رواية المغيرة عن أبي الزناد.
وأخرجه الإسماعيليّ والنّسائيّ وابن حبّان من طريق هشام بن عروة عن أبي الزّناد قال: " مائة امرأة ". وكذا قال طاوسٌ عن أبي هريرة كما في البخاري من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرّزّاق (2).
وللبخاري من رواية هشام بن حجير عن طاوس " تسعين " ورواه
(1) أخرجه البخاري (2703) ومسلم (1675) من حديث أنس رضي الله عنه
(2)
أي: أنَّ أحمد رواه في " المسند "(13/ 142) عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه بلفظ " مائة امرأة "
ووقع في مطبوع الفتح (6/ 561). وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير عن طاوس تسعين ". انتهى.
وهي تُوهم أنَّ معمراً رواه من طريق ابن حجير بلفظ " تسعين " ، وهو خطأ ، والظاهر أن فيه سقطاً ، والصواب ما أثبتُّه هنا ، وهو الموافق للمُسند. والله أعلم
مسلم عن عبد بن حميدٍ عن عبد الرّزّاق فقال " سبعين ".
وللبخاري من رواية أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة " كان لسليمان ستّون امرأة "، ورواه أحمد وأبو عوانة من طريق هشام عن ابن سيرين فقال:" مائة امرأة ". وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه.
وللبخاري من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج فقال: " مائة امرأة أو تسع وتسعون " على الشّكّ. (1)
فمحصّل الرّوايات ستّون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة.
والجمع بينها: أنّ السّتّين كنّ حرائر. وما زاد عليهنّ كنّ سراري أو بالعكس. وأمّا السّبعون فللمبالغة، وأمّا التّسعون والمائة فكنّ دون المائة وفوق التّسعين ، فمَن قال: تسعون ألغى الكسر ، ومَن قال: مائة جبَرَه ، ومن ثَمّ وقع التّردّد في رواية جعفر.
وأمّا قول بعض الشّرّاح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير ، وهو من مفهوم العدد. وليس بحجّة عند الجمهور. فليس بكافٍ في هذا المقام، وذلك أنّ مفهوم العدد معتبر عند كثيرين.
ونصَّ الشّافعيّ على أنّه حجّة، وجزم بنقله عنه الشّيخ أبو حامد
(1) رواية جعفر بن ربيعة علَّقها البخاري (2664). وقال الليث: حدّثني جعفر به.
قال ابن حجر في " الفتح "(6/ 34): وصلَه أبو نعيم في " المستخرج " من طريق يحيى بن بكير عن الليث بهذا الإسناد.
والماورديّ وغيرهما، ولكن شرطه أن لا يخالفه المنطوق.
قلت: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة واختلاف الرّواة عنه أنّ الحكم للزّائد ، لأنّ الجميع ثقاتٌ.
وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه المذكور: أنّ في بعض نسخ مسلم عقب قصّة سليمان هذا الاختلاف في هذا العدد ، وليس هو من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وإنّما هو من النّاقلين.
ونقل الكرمانيّ (1): أنّه ليس في الصّحيح أكثر اختلافاً في العدد من هذه القصّة.
قلت: وغاب عن هذا القائل حديث جابر في قدر ثمن الجمل (2).
وقد حكى وهب بن منبّه في " المبتدأ ": أنّه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرّيّة.
ونحوه ممّا أخرج الحاكم في " المستدرك " من طريق أبي معشر عن محمّد بن كعب قال: بلغَنَا أنّه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب. فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرّيّة.
قوله: (تلد كلُّ امرأةٍ منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله) في رواية لهما عن أبي الزناد " تحملُ كلّ امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله ".
وقوله " تلد " فيه حذفٌ تقديره فتعلق فتحمل فتلد، وكذا في قوله " يقاتل " تقديره فينشأ فيتعلم الفروسيّة فيقاتل، وساغ الحذف ، لأنّ
(1) هو محمد بن يوسف ، سبق ترجمته (1/ 18)
(2)
تقدم الكلام على حديث جابر رضي الله عنه في البيوع. انظر رقم (334).
كلّ فعل منها مسبّب عن الذي قبله، وسبب السّبب سببٌ. هذا قاله على سبيل التّمنّي للخير، وإنّما جزم به لأنّه غلب عليه الرّجاء، لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة لا لغرض الدّنيا.
قال بعض السّلف: نبّه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على آفة التّمنّي والإعراض عن التّفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر.
قوله: (فقيل له: قل: إن شاء الله) في رواية أبي الزناد " فقال له صاحبه: إن شاء الله " ، وفي رواية معمر عن ابن طاوسٍ عند البخاري " فقال له الملك ".
وفي رواية هشام بن حجير عن طاوس عند البخاري " فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملك ".
وفي هذا إشعار بأنّ تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في " مسند الحميديّ " عن سفيان " فقال له صاحبه أو الملك " بالشّكّ، ومثلها لمسلم.
وفي الجملة ففيه ردٌّ على من فسّر صاحبه بأنّه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصف - بالمدّ وكسر المهملة بعدها فاء - ابن برخيا - بفتح الموحّدة وسكون الرّاء وكسر المعجمة بعدها تحتانيّة -.
وقال القرطبيّ (1): في قوله " فقال له صاحبه أو الملك " إنْ كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس والجنّ، وإن كان الملك فهو الذي
(1) صاحب المفهم أحمد بن عمر ، سبق ترجمته (1/ 26)
كان يأتيه بالوحي.
وقال: وقد أبعد مَن قال المراد به خاطره.
وقال النّوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظّاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدميّ.
قلت: ليس بين قوله صاحبه والملك منافاةٌ، إلَّا أنّ لفظة " صاحبه " أعمّ، فمن ثَمّ نشأ لهم الاحتمال، ولكنّ الشّكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنّه الملك حجّة على من لَم يجزم.
قوله: (فلم يقل) قال عياض: بيّن في الطّريق الأخرى بقوله " فنسي ".
قلت: هي رواية ابن عيينة عن شيخه هشام بن حجير، وفي رواية معمر قال:" ونسي أن يقول إن شاء الله " ومعنى قوله: " فلم يقل " أي: بلسانه لا أنّه أبى أن يفوّض إلى الله بل كان ذلك ثابتاً في قلبه، لكنّه اكتفى بذلك أوّلاً ونسي أن يجريه على لسانه لَمَّا قيل له لشيء عرض له.
قيل: الحكمة في ذلك أنّه صرف عن الاستثناء السّابق القدر، وأبعد مَن قال في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ ، والتّقدير فلم يقل: إن شاء الله ، فقيل له: قل إن شاء الله، وهذا إن كان سببه أنّ قوله " فنسي " يغني عن قوله " فلم يقل "، فكذا يقال إنّ قوله " فقال له صاحبه: قل إن شاء الله " فيستلزم أنّه كان لَم يقلها، فالأولى عدم ادّعاء التّقديم والتّأخير.
ومن هنا يتبيّن أنّ تجويز من ادّعى أنّه تعمّد الحنث مع كونه معصية لكونها صغيرة لا يؤاخذ بها. لَم يصب دعوى ولا دليلاً.
وقال القرطبيّ: قوله " فلم يقل " أي: لَم ينطق بلفظ إن شاء الله بلسانه، وليس المراد أنّه غفل عن التّفويض إلى الله بقلبه، والتّحقيق أنّ اعتقاد التّفويض مستمرٌّ له ، لكنّ المراد بقوله " فنسي " أنّه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع حكم اليمين.
ففيه تعقّبٌ على من استدلَّ به لاشتراط النّطق في الاستثناء.
قوله: (فطاف بهنّ) في رواية ابن عيينة " فأطاف بهنّ " وقد تقدّم توجيهه.
قوله: (فلم تلد منهنّ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ: نصف إنسانٍ) في رواية مغيرة عن أبي الزناد " إلَّا واحداً ساقطاً أحد شقّيه ".
وفي رواية شعيب " فلم يحمل منهنّ إلَّا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل ". وفي رواية أيّوب عن ابن سيرين " ولدت شقّ غلام ".
حكى النّقّاش في " تفسيره ": أنّ الشّقّ المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه.
وقد قال غيرُ واحدٍ من المفسّرين: إنّ المراد بالجسد المذكور شيطان وهو المعتمد، والنّقّاش صاحب مناكير.
قوله: (لو قال: إن شاء الله لَم يحنث، وكان ذلك دركاً لحاجته) في رواية مغيرة " لو قالها لجاهدوا في سبيل الله " ، وفي رواية ابن سيرين " لو استثنى لحملت كلّ امرأة منهنّ فولدت فارساً يقاتل في سبيل
الله " ، وعند البخاري من طريق معمر " وكان أرجى لحاجته ".
وفي رواية شعيب " وايم الذي نفس محمّد بيده لو قال: إن شاء الله " ، وزاد في آخره " فرساناً أجمعون " هكذا وقع في هذه الرّواية ، وفي سائر الطّرق كما تقدّم بغير يمينٍ.
واستدل بما وقع في هذا الموضع على جواز إضافة " ايم " إلى غير لفظ الجلالة.
وأجيب: بأنّه نادر ، ومنه قول عروة بن الزّبير في قصّته " ليمنك لئن ابتليتَ فقد عافيتَ "(1) فأضافها إلى الضّمير.
قوله: (دركاً) بفتحتين من الإدراك ، وهو كقوله تعالى:{لا تخاف دركاً} أي: لحاقاً، والمراد أنّه كان يحصل له ما طلب ، ولا يلزم من إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك في حقّ سليمان في هذه القصّة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيّته، بل في الاستثناء رجوّ الوقوع وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع.
وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر {ستجدني إن شاء الله صابراً} مع قول الخضر له آخراً {ذلك تأويل ما لَم تسطع عليه صبراً}
وفي الحديث فضل فعل الخير وتعاطي أسبابه، وأن كثيراً من المباح والملاذّ يصير مستحبّاً بالنّيّة والقصد. وفيه استحباب الاستثناء لِمَن قال: سأفعل كذا.
(1) تقدَّم تخريجه ، وتقدم الكلام على لفظة (ايم) مبسوطاً في معناها ولغاتها في كتاب الحدود برقم (358).
وفيه أنّ إتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفق عليه بشرط الاتّصال.
وتقدّم بيان ذلك مع بسط فيه. (1)
وقد قيل هو خاصّ بسليمان عليه السلام ، وأنّه لو قال في هذه الواقعة: إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أنّ كلّ مَن قالها وقع ما أراد.
ويؤيّد ذلك أنّ موسى عليه السلام قالها عندما وعد الخضر أنّه يصبر عمّا يراه منه ولا يسأله عنه ، ومع ذلك فلم يصبر كما أشار إلى ذلك في الحديث الصّحيح " رحم الله موسى، لوددنا لو صبر حتّى يقصّ الله علينا من أمرهما ".
وقد قالها الذّبيح فوقع ما ذكر في قوله عليه السلام {ستجدني إن شاء الله من الصّابرين} فصبر حتّى فداه الله بالذّبح.
وقد سُئل بعضُهم عن الفرق بين الكليم والذّبيح في ذلك ، فأشار إلى أنّ الذّبيح بالغ في التّواضع في قوله {من الصّابرين} حيث جعل نفسه واحداً من جماعة فرزقه الله الصّبر.
قلت: وقد وقع لموسى عليه السلام أيضاً نظير ذلك مع شعيب حيث قال له {ستجدني إن شاء الله من الصّالحين} فرزقه الله ذلك.
قال ابن التّين: ليس الاستثناء في قصّة سليمان الذي يرفع حكم اليمين ويحلّ عقده، وإنّما هو بمعنى الإقرار لله بالمشيئة والتّسليم
(1) انظر حديث أبي موسى المتقدَّم برقم (362).
لحكمه فهو نحو قوله {ولا تقولنّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلك غداً إلَّا أن يشاء الله} .
وقال أبو موسى في كتابه المذكور (1) نحو ذلك.
ثمّ قال بعد ذلك: وإنّما أخرج مسلم من رواية عبد الرّزّاق عن معمر عن عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه عن أبي هريرة ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال: إن شاء الله لَم يحنث.
كذا قال: وليس هو عند مسلم بهذا اللفظ، وإنّما أخرج قصّة سليمان وفي آخره " لو قال: إن شاء الله لَم يحنث " نعم. أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ من هذا الوجه بلفظ " مَن قال .. إلخ ".
قال التّرمذيّ: سألت محمّداً عنه فقال: هذا خطأٌ، أخطأ فيه عبد الرّازق فاختصره من حديث معمر بهذا الإسناد في قصّة سليمان بن داود.
قلت: وقد أخرجه البخاريّ عن محمود بن غيلان عن عبد الرّزّاق بتمامه. وأشرت إلى ما فيه من فائدة، وكذا أخرجه مسلم.
وقد اعترض ابن العربيّ: بأنّ ما جاء به عبد الرّزّاق في هذه الرّواية لا يناقض غيرها؛ لأنّ ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّعبير عنها لتبيّن الأحكام بألفاظٍ، أي: فيخاطب كلّ قوم بما يكون أوصل لأفهامهم ، وإمّا بنقل الحديث على المعنى على أحد القولين.
(1) أي: كتاب " الثمين في استثناء اليمين " وقد تقدّم في حديث أبي موسى رضي الله عنه.
وأجاب شيخنا في شرح التّرمذيّ: بأنّ الذي جاء به عبد الرّزّاق في هذه الرّواية ليس وافياً بالمعنى الذي تضمّنته الرّواية التي اختصره منها، فإنّه لا يلزم من قوله صلى الله عليه وسلم: لو قال سليمان: إن شاء الله لَم يحنث. أن يكون الحكم كذلك في حقّ كلّ أحد غير سليمان، وشرط الرّواية بالمعنى عدم التّخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم.
قلت: وإذا كان مخرج الحديث واحداً فالأصل عدم التّعدّد.
لكن قد جاء لرواية عبد الرّزّاق المختصرة شاهد من حديث ابن عمر. أخرجه أصحاب السّنن الأربعة وحسّنه التّرمذيّ وصحَّحه الحاكم من طريق عبد الوارث عن أيّوب - وهو السّختيانيّ - عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه.
قال التّرمذيّ: رواه غير واحد عن نافع موقوفاً، وكذا رواه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيّوب. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيّوب أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه.
وذكر في " العلل " ، أنّه سأل محمّداً عنه ، فقال: أصحاب نافع رووه موقوفاً إلَّا أيّوب، ويقولون: إنّ أيّوب في آخر الأمر وقفه.
وأسند البيهقيّ عن حمّاد بن زيد قال: كان أيّوب يرفعه ثمّ تركه.
وذكر البيهقيّ: أنّه جاء من رواية أيّوب بن موسى وكثير بن فرقد وموسى بن عقبة وعبد الله بن العمريّ المكبّر وأبي عمرو بن العلاء وحسّان بن عطيّة كلّهم عن نافع مرفوعاً. انتهى.
ورواية أيّوب بن موسى. أخرجها ابن حبّان في " صحيحه "، ورواية كثير. أخرجها النّسائيّ والحاكم في " مستدركه "، ورواية موسى بن عقبة. أخرجها ابن عديّ في ترجمة " داود بن عطاء " أحد الضّعفاء عنه، وكذا أخرج رواية أبي عمرو بن العلاء، وأخرج البيهقيّ رواية حسّان بن عطيّة ورواية العمريّ.
وأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقيّ من طريق مالك وغيره عن نافع موقوفاً، وكذا أخرج سعيد والبيهقيّ من طريقه رواية سالم. والله أعلم.
وتعقّبَ بعضُ الشّرّاح كلامَ التّرمذيّ في قوله " لَم يرفعه غير أيّوب " وكذا رواه سالم عن أبيه موقوفاً.
قال شيخنا: قد رواه هو من طريق موسى بن عقبة مرفوعاً ، ولفظه " من حلف على يمين فاستثنى على أثره ، ثمّ لَم يفعل ما قال: لَم يحنث " انتهى.
ولَم أر هذا في التّرمذيّ، ولا ذكره المزّيّ في ترجمة موسى بن عقبة عن نافع في " الأطراف "، وقد جزم جماعة ، أنّ سليمان عليه السلام كان قد حلف كما بيّنته.
والحقّ أنّ مراد البخاريّ من إيراد قصّة سليمان في " باب الاستثناء في الأيمان " أن يبيّن أنّ الاستثناء في اليمين يقع بصيغة " إن شاء الله " فذكر حديث أبي موسى المصرّح بذكرها مع اليمين (1) ثمّ ذكر قصّة
(1) أي: قوله في حديث أبي موسى الماضي " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين .. "
سليمان لمجيء قوله صلى الله عليه وسلم فيها تارة بلفظ " لو قال: إن شاء الله " وتارة بلفظ " لو استثنى " فأطلق على لفظ " إن شاء الله " أنّه استثناء. فلا يعترض عليه بأنّه ليس في قصّة سليمان يمين.
وقال ابن المنير في الحاشية: وكأنّ البخاريّ يقول: إذا استثني من الأخبار فكيف لا يستثنى من الأخبار المؤكّد بالقسم. وهو أحوج في التّفويض إلى المشيئة.
وقد استدل بهذا الحديث مَن قال: الاستثناء إذا عقب اليمين ولو تخلل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإنّ الحديث دلَّ على أنّ سليمان لو قال: إن شاء الله عقب قول الملك له " قل إن شاء الله " لأفاد منع التّخلّل بين كلاميه بمقدار كلام الملك.
وأجاب القرطبيّ: باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان، وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور.
وفيه أنّ الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ ، ولا يكفي فيه النّيّة. وهو اتّفاق إلَّا ما حكي عن بعض المالكيّة.
وفيه ما خصّ به الأنبياء من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك على صحّة البنية وقوّة الفحوليّة وكمال الرّجوليّة مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم.
وقد وقع للنّبيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك أبلغ المعجزة ، لأنّه مع اشتغاله بعبادة ربّه وعلومه ومعالجة الخلق كان متقللاً من المآكل والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في
ليلة بغسل واحد. وهنّ إحدى عشرة امرأة (1).
ويقال: إنّ كلّ من كان أتقى لله فشهوته أشدّ ، لأنّ الذي لا يتّقي يتفرّج بالنّظر ونحوه.
وفيه جواز الإخبار عن الشّيء ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظّنّ ، فإنّ سليمان عليه السلام جزم بما قال ، ولَم يكن ذلك عن وحي وإلا لوقع، كذا قيل.
وقال القرطبيّ: لا يظنّ بسليمان عليه السلام أنّه قطع بذلك على ربّه إلَّا من جهل حال الأنبياء وأدبهم مع الله تعالى.
وقال ابن الجوزيّ: فإن قيل: من أين لسليمان أن يخلق من مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي لأنّه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه لأنّ الإرادة لله.
والجواب: أنّه من جنس التّمنّي على الله ، والسّؤال له أن يفعل ، والقسم عليه كقول أنس بن النّضر " والله لا يكسر سنّها "(2).
(1) أخرجه البخاري في " الصحيح "(268) من طريق قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة ، قال: قلت لأنس: أَوَكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدَّث أنه أُعطي قوة ثلاثين ، وفي رواية لهما " تسع نسوة ".
وقد ذكر الشارح رحمه الله في " الفتح "(1/ 490) وجه الجمع بينهما.
(2)
أخرجه البخاري في " الصحيح "(4611) عن أنس رضي الله عنه قال: كَسرت الرُّبيّع ثنيةَ جاريةٍ من الأنصار، فطلب القومُ القصاصَ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك: لا والله، لا تكسر سنها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم ، وقبلوا الأرش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ من عباد الله مَن لو أقسم على الله لأبرَّه.
ويحتمل: أن يكون لَمَّا أجاب الله دعوته أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده كان هذا عنده من جملة ذلك فجزم به.
وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أوّلاً. وبالله التّوفيق.
قلت: ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك مقيّداً بشرط الاستثناء فنسي الاستثناء فلم يقع ذلك لفقدان الشّرط، ومن ثَمّ ساغ له أوّلاً أن يحلف.
وأبعد من استدل به على جواز الحلف على غلبة الظّنّ.
وفيه جواز السّهو على الأنبياء، وأنّ ذلك لا يقدح في علوّ منصبهم.
وفيه جواز الإخبار عن الشّيء أنّه سيقع ، ومستند المخبر الظّنّ مع وجود القرينة القويّة لذلك.
وفيه جواز إضمار المقسم به في اليمين لقوله: " لأطّوّفن " مع قوله صلى الله عليه وسلم: " لَم يحنث " فدلَّ على أنّ اسم الله فيه مقدّر،
فإن قال أحدٌ بجواز ذلك. فالحديث حجّة له بناء على أنّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقريره على لسان الشّارع.
وإن وقع الاتّفاق على عدم الجواز فيحتاج إلى تأويله كأن يقال: لعل التّلفّظ باسم الله وقع في الأصل وإن لَم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإنّ مَن قال: والله لأطوفنّ. يصدق أنّه قال: لأطّوّفن فإنّ اللافظ بالمركّب لافظ بالمفرد.
وفيه حجّة لِمَن قال: لا يشترط التّصريح بمقسم به معيّن، فمَن قال أحلف أو أشهد ونحو ذلك فهو يمين وهو قول الحنفيّة، وقيّده
المالكيّة بالنّيّة.
وقال بعض الشّافعيّة: ليست بيمين مطلقاً.
وفيه جواز استعمال لو ولولا.
وفيه استعمال الكناية في اللفظ الذي يستقبح ذكره لقوله " لأطّوّفن " بدل قوله: لأجامعن.