الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي عشر
414 -
عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين، يُرفع لكل غادرٍ لواءٌ، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان. (1)
قوله: (يرفع لكل غادرٍ) في رواية للبخاري " لكل غادرٍ لواءٌ يُنصب بغدرته يوم القيامة " ، وله أيضاً " يعرف به " ، ولمسلم من حديث أبي سعيد " يرفع له بقدر غدرته " ، وله من حديثه من وجه آخر " عند استه ".
والغدر حرام باتّفاقٍ، سواء كان في حقّ المسلم أو الذّمّيّ. وسواء كان من بر لفاجر أو بر ، أو من فاجر لبر أو فاجر.
قال ابن المنير: كأنّه عومل بنقيض قصده ، لأنّ عادة اللواء أن يكون على الرّأس فنصب عند السّفل زيادة في فضيحته، لأنّ الأعين غالباً تمتدّ إلى الألوية فيكون ذلك سبباً لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحته. انتهى
وقال الكرمانيّ: الرّفع والنّصب هنا بمعنىً واحد، يعني لأنّ الغرض إظهار ذلك.
(1) أخرجه البخاري (3016 ، 5823 ، 6694) ومسلم (1735) من طرق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه. واللفظ لمسلم.
وليس عند البخاري " إذا جمع الله الأولين والآخرين. والباقي مثله.
وللبخاري (5824 ، 6565) ومسلم (1735) عن عبد الله بن دينار. ومسلم (1735) عن سالم كلاهما عن ابن عمر نحوه.
قال القرطبيّ: هذا خطاب منه للعرب بنحر ما كانت تفعل، لأنّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليلوموا الغادر ويذمّوه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمّه أهل الموقف، وأمّا الوفاء فلم يرد فيه شيء ولا يبعد أن يقع كذلك، وقد ثبت لواء الحمد لنبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث غلظ تحريم الغدر ، لا سيّما من صاحب الولاية العامّة ، لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثير (1)، ولأنّه غير مضطرّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء.
وقال عياض: المشهور أنّ هذا الحديث ورد في ذمّ الإمام إذا غدر في عهوده لرعيّته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها، فمتى خان فيها أو ترك الرّفق فقد غدر بعهده.
وقيل: المراد نهي الرّعيّة عن الغدر بالإمام. فلا تخرج عليه ، ولا تتعرّض لمعصيته لِما يترتّب على ذلك من الفتنة.
قال: والصّحيح الأوّل.
قلت: ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعمّ من ذلك، وأنّ الذي فهمه ابن عمر راوي الحديث هو هذا (2). والله أعلم.
(1) ويدل عليه ما رواه مسلم (1738) عن أبي سعيد رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل غادر لواء يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ألَا. ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامّة.
(2)
أخرج البخاري في " الصحيح "(7111) عن نافع قال: لَمَّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابنُ عمر حشمَه وولدَه، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لكل غادرٍ لواء يوم القيامة ، وإنّا قد بايعنا هذا الرجلَ على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يُبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ، ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعَه، ولا بايع في هذا الأمر، إلَّا كانت الفيصل بيني وبينه.
قوله: (لواء) اللواء بكسر اللام والمدّ هي الرّاية، ويسمّى أيضاً العلم.
قوله: (هذه غدرة فلان ابن فلان) فيه أنّ النّاس يُدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه " هذه غدرة فلان ابن فلان ".
قال ابن دقيق العيد: وإن ثبت أنّهم يدعون بأمّهاتهم ، فقد يخصّ هذا من العموم.
وقال ابن بطّال: في هذا الحديث ردٌّ لقول من زعم أنّهم لا يدعون يوم القيامة إلَّا بأمّهاتهم ستراً على آبائهم.
قلت: هو حديث أخرجه الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس. وسنده ضعيف جدّاً، وأخرج ابن عديّ من حديث أنس مثله ، وقال: منكر. أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطّبريّ.
قال ابن بطّال: والدّعاء بالآباء أشدّ في التّعريف وأبلغ في التّمييز. وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور.
قلت: وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدّنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد، وينظر كلامه من شرحه.
وقال ابن أبي جمرة: والغدر على عمومه في الجليل والحقير. وفيه أنّ لصاحب كلّ ذنب من الذّنوب التي يريد الله إظهارها علامة يعرف بها صاحبها، ويؤيّده قوله تعالى {يعرف المجرمون بسيماهم} .
قال: وظاهر الحديث أنّ لكل غدرة لواء، فعلى هذا يكون للشّخص الواحد عدّة ألوية بعدد غدراته.
قال: والحكمة في نصب اللواء أنّ العقوبة تقع غالباً بضدّ الذّنب، فلمّا كان الغدر من الأمور الخفيّة ناسب أن تكون عقوبته بالشّهرة، ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب.
وتمسّك بالحديث قوم في ترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون. كما حكاه الباجيّ. (1)
(1) المسألة مقيَّدة بالغادر. لا الجائر غير الغادر.
قال البخاري: باب: الجهاد ماض مع البر والفاجر. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. ثم ساق سنده عن عروة البارقي رضي الله عنه وزاد: الأجر والمغنم.
قال الشارح: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة. ولا بأس برواته إلَّا أن مكحولاً لم يسمع من أبي هريرة.
وفي الباب عن أنس. أخرجه سعيد بن منصور وأبو داود أيضاً. وفي إسناده ضعف
وقوله: (لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الخيل معقود .. إلخ) سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة ، وفسره بالأجر والمغنم. المغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد ، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً. فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر. انتهى