الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَاحِبِهِ سَمَاعًا كثِيرًا، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا، وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا، فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ. وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدًا، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحمه اللهُ تعالى في هذه الفقرة ما دعّم به مذهبه بضرب الأمثلة على ذلك، فمن تلك الأمثلة الحديثُ الواردُ عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، فإننا نعلم علمًا يقينًا أن هُشَامًا سمع من أبيه، وهو سمع من خالته عائشة رضي الله عنها، كما نعلم علمًا يقينًا أنها سمعت من النبيّ صلى الله عليه وسلم، لكن يمكن إذا عنعن هشام، ولم يُفصح بالسماع من أبيه أن يكون أخذه عنه بواسطة، فأرسله، ولم يذكر من أخذ عنه، ومثل هذا الإمكان موجود في أبيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها، وكذلك كلُّ إسناد لم يُصَرَّح فيه بسماع الرواة بعضهم من بعض، مع ثبوت سماع بعضهم من بعض في الجملة يمكن أن يكون بينهم وبين من رووا عنه واسطة، أسقطوه اختصارًا؛ إذ الراوي أحيانًا يَنشَط، فيَذكُرُ شيخه، وأحيانًا لا يَنشَط، فيُسقطه، ويُرسِل الحديث، وهذا الصنف موجود في الحديث، وكثير بين المحدّثين، كما سيظهر ذلك من ضرب الأمثلة فيما بعد، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقد رَدَّ على استشهاد المصنّف رحمه الله بما ذُكر ابن رُشيد رحمه الله، فقال: ثم إنه مَثَّل ذلك بأمثلة منها حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن كُلا منهم يتحقق سماع بعضهم من بعض، فهشام من أبيه عروة، وعروة من خالته عائشة، وعائشة من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت، أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه.
ثم طَرَّق الاحتمال أيضا في قول عروة عن عائشة، وأتبع ذلك بأمثلة من الرواة لقي بعضهم بعضًا، وأسندوا رواياتهم معنعنين ممن لم يُتَّهَم بالتدليس، على أن هشاما قد وقع له بعض الشيء.
قال عبد الله بن علي المديني: قال أبي: وسمعت يحيى يقول: كان هشام بن
عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، وما ضَرَب بيده شيئا قط
…
" الحديث. قال يحيى: فلما سألته قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: "ما خُيِّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين" لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه إنما هو عن الزهري. ذكره الحاكم في "علوم الحديث" له في باب المدلسين (1).
فحاصل ما أتيتَ به أيها الإمام من الأمثلة أنّ من عُلِمَ سماعه من إنسان، ثم اختَلَفَت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلًا أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومَثَّلتَ ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يُحكَم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال.
وهذه المسألة أيها الإمام من مُعضِلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يَعِزّ لدائها وجود الدواء، ويتعذّر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يُجعَل ما هذه حاله دليلا في محل النزاع، أو يُحكَم فيه حكما جُمْليّا، وليتَ الحكمَ التفصيلي يكشف بعض أمره.
فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رُواة لقي بعضهم بعضًا، ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه، أو معنعنا أيضًا نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح، فحكمنا لمن يُرَجَّح قولُه من الزائد أو الناقص، أو لمن تيقنا صوابه، كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلًا، أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ، كما قد نَحكُم بذلك إذا كان الحديث بلفظ "حدّثنا"، ثم زاد أحدهما راويا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.
فإن أشكل الأمر توقفنا، وجعلنا الحديث معلولًا؛ إذ كلُّ واحد من الطريقين مُتعرِّض لأن يُعتَرَضَ به على الآخر؛ إذ لعل الزائد خطأ. وإذا كان الزائد بلفظ "عن" أيضا فلعله نقص رجل آخر غير ذلك المزيد، وإنما يرتفع هذا الاحتمال، إذا قال الراوي الزائد:"حدثنا"، ويبقى احتمالُ أن يكون الحديث عنده عنهما معا.
فأما أن يُحكَم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقا ففيه نظر، لا سيما في رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد، أو عن الآباء فقط، أو الإخوة بعضِهِم عن بعض، فكثيرا ما يَتَحَمّلون النزول، ويَدَعُون العلو، وإن كان عندهم؛ حرصًا على ذكره عن الآباء والأجداد، وإبقاءً للشرف، ولذلك ما تجد الأسانيد تنزل كثيرا في المسافة في
(1) في وصف هشام بن عروة بالتدليس نظر، فقد قال الحافظ العلائيّ في "جامع التحصيل " ص 111:"وفي جعل هشام بمجرّد هذا مدلّسًا نظر، ولم أر من وصفه به. انتهى".