الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال في "التقريب": صدوقٌ يُغرِب، من التاسعة. انتهى.
رَوَى له مسلم في "المقدمة"، وأبو داود، والترمذي.
[تنبيه]: قوله: "الطَّالَقَانِيَّ " -بفتح الطاء المهملة، وسكون اللام، بعدها قاف مفتوحة، وفي آخرها نون-. هكذا ضبطه السمعانيّ في "الأنساب"(1). وضبطه النوويّ في "شرحه" بفتح اللام، وهو ظاهر عبارة "القاموس"، ونصّه: وطالَقَان كخَابَرَان بلد بين بَلْخَ ومَرْوِ الرُّوذِ، قال: أو كُورة بين قَزْوِين وأَبْهَر. انتهى.
3 -
(عبد الله بن المبارك) المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، أنه (قال: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطالَقَانِيّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية ابن المبارك (الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ)"الحديث": مبتدأ، حُذف خبره: أي ما حاله؟ أصحيح، فنعمل به، أم ضعيف، فنتركه؟ . (إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ) أي من الخير بعد الخير. والبِرّ -بكسر الموحّدة: الخير والفضل، ويقال: بَرَّ الرجل يَبَرُّ بِرًّا، وزان عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرٌّ بالفتح، وبارّ أيضًا: أي صادقٌ، أو تَقِيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار، وجمع الثاني: بررَة، مثلُ كافر وكَفَرَة. ويقال: أيضًا بَرِرْتُ والدي أَبَرُّه بِرّا وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتحرّيتُ محابّه، وتوقّيتُ مكارهه. أفاده الفيّوميّ (2).
وقوله: "إن من البرّ الخ" بدل من "الحديث". ويحتمل أن يكون مقولًا لقول مقدَّر من الحديث، تقديره: الحديث الذي جاء، مقولًا فيه:"إن من البرّ إلخ". (أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ) أي بعد صلاتك لنفسك (وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ، قَالَ) إبراهيم ابن عيسى (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك (يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم السائل (عَمَّنْ هَذَا؟ ) أي عن أي شخص رُوي هذا الحديث الذي تسأل عنه (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ) بن حَوشَب بن يزيد بن الحارث الشيبانيّ الْحَوْشَبيّ، أبي الصّلْت الواسطَيّ، ابن أخي العوّام بن حَوْشَب، نزل الكوفة، روى عن أبيه، وعمه، وشعيب بن زريق الطائي، وغيرهم. وروى عنه عبد الرَّحمن بن مهدي، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، وجماعة. قال ابن المبارك هنا، وابن عمار، والمدائني: ثقة. وقال أحمد، وأبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين مرّة: ثقة. وقال العجلي، وأبو زرعة مرّة: كوفي ثقة، نزل الرملة. وقال
(1)"الأنساب" 4/ 29.
(2)
"المصباح المنير" 1/ 43.
أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض رواياته ما يُنكر عليه، ولا أعرف للمتقدمين فيه كلاما، فأَذكرَه. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا أعلم بالسنة من حماد بن زيد، ولم أر أحدا أحسن وَصْفًا لها من شهاب بن خراش. وقال أبو زرعة: كان صاحب سنة. وقال هشام بن عمار: لقيته وأنا شابّ سنة (174)، وقال لي: إن لم تكن قدريا، ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما فِيّ من هذين شيء. وقال ابن حبان في "الضعفاء" يخطئ كثيرًا، حتى خرج عن الاحتجاج به. تفرّد به أبو داود، أخرج له حديثين فقط، وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. وفي "التقريب": صدوق يُخطىء، من السابعة.
[تنبيه]: ليس في الرواة من اسمه حِرَاش بالحاء المهملة إلا والد رِبعيّ بن حِرَاش، وحِراش بن مالك، ومن عداهما، فخراش بالخاء المعجمة، كوالد شهاب المذكور هنا، وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الأثر"، حيث قال:
حِرَاشٌ بنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ
…
رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ
(فَقَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) خبر لمحذوف: أي هو ثقة: يعني أن شهاب بن خراش ثقة (عَمَّنْ؟ ) أي عن أي شخص يرويه شهاب بن خراش؟ : ثقة، أم لا؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ) الأشجعي، وقيل: السُّلَمِيّ مولاهم الواسطي، رَوَى عن الحكم بن عتيبة، ومنصور، ومعاوية بن قرّة، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وشعبة، وإسماعيل بن زكريا، وعيسى بن يونس، وشهاب بن خراش، وغيرهم. قال ابن المبارك هنا: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق، ليس به بأس. وقال زهير بن حرب، ويعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، صدوق، مستقيم الحديث، لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الترمذي: ثقة، مقارب الحديث. وقال ابن خزيمة: في القلب منه. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود، وابن عمار: ثقة. وكذا قال ابن المديني. وقال عبدة بن سليمان: ثنا حجاج بن دينار، وكان ثبتًا. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال في "التقريب" لا بأس به، وله في ذكر في "مقدّمة مسلم"، من السابعة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن الأكثرين على توثيق حجاج بن دينار. والله تعالى أعلم.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه. وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) أي هو ثقة (عَمَّنْ؟ ) أي عمن رواه حجاج؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أي قال حجاج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـ "قال رسول الله" مقول لقال محذوفةً، كما قدّرته. (قَالَ: يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم ابن عيسى السائل (إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مَفَاوِزَ) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها الظرف قبله. وهو: جمع مفازة بفتح الميم فيهما، وهي الأرض الْقَفْرُ البعيدة عن العمارة، وعن الماء التي يُخاف الهلاك فيها. قيل: سُمّيت مفازةً للتفاؤل بسلامة سالكها، كما سَمُّوا اللَّدِيغ سَلِيمًا. وقيل: لأن من قطعها فاز، ونجا. وقيل: لأنها تُهلك صاحبها، يقال: فَوّز الرجل: إذا هلك. وجملة (تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ) في محلّ النصب صفة "مفاوز". و"الأعناق" -بفتح الهمزة-: جمع عُنُق -بضم النون- للإتباع في لغة الحجاز، وبسكونها في لغة تميم، وهو مذكّرٌ، ويؤنّث في لغة الحجاز، فيقال: هي الْعُنُق ومعناه: الرقَبَة.
و"المطيّ" بالفتح: جمع مطيّة، ويُجمع أيضًا على مطايا، فَعيلة بمعنى مفعولة، سُمّي المركوب به؛ لأنه يُركب مَطَاه بالفتح وزان العَصَا: أي ظهره. قال في "القاموس": و"المطا": التمطّي، والظهر، جمعه أَمْطاء، و"المطيّة": الدابّة تَمْطُو في سيرها: أي تُسرع، جمعه مَطَايا، ومَطِيٌّ. انتهى. وقال في "المصباح":"الْمَطَا": وزانُ الْعَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّة، فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأنه يُركب مَطَاه، ذكرًا كان أو أنثى، ويُجمع على مَطِيّ، ومطايا. انتهى.
قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معنى هذه الحكاية: أنه لا يُقبل الحديث إلا بإسناد صحيح.
ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة، وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يُمكن أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم "اثنان: التابعي، والصحابي، فلهذا قال:"بينهما مفاوز": أي انقطاع كثير. انتهى (1).
(وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ) أي إن العلماء لا يختلفون في مشروعيّة التصدّق عن الأبوين؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك.
قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه، فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تَصِل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين
(1)"شرح مسلم" 1/ 89.
المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الحاوي" عن بعض أصحاب الكلام، من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأ بَيّنٌ، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه.
وأما الصلاة والصوم، فمذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، إلا إذا كان الصوم واجبا على الميت، فقضاه عنه وليه، أو من أذن له الولي، فإن فيه قولين للشافعيّ: أشهرهما عنه، أنه لا يصحّ، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح. قال، وأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعيّ، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت. وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت. وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات، من الصلاة، والصوم، والقراءة، وغير ذلك. وفى "صحيح البخاريّ" في "باب من مات وعليه نذر": أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة، أن تصلي عنها. وحكى صاحب "الحاوي" عن عطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت. وقال (1) الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون، من أصحابنا المتأخرين، في كتابه "الانتصار" إلى اختيار هذا. وقال الإمام أبو محمد البغويّ، من أصحابنا، في كتابه "التهذيب": لا يبعد أن يُطعَمَ عن كلّ صلاة مُدّ من طعام، وكل هذه المذاهب ضعيفة.
ودليلهم القياس على الدعاء، والصدقة، والحج، فإنها تصل بالإجماع. ودليل الشافعيّ وموافقيه قول الله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له". واختلف أصحاب الشافعيّ في ركعتي الطواف في حج الأجير، هل تقعان عن الأجير، أم عن المستأجر. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (2).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ، والصوم، والدعاء فالصواب أنه يصل إلى الميت؛ عملًا بالنصوص الكثيرة الواردة بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، فلا ينبغي قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن السلف، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فليُتنبّه.
(1) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب:"ومال" بالميم، فليُحرّر.
(2)
"شرح النوويّ" 1/ 89 - 90.
وقد طوّل البحث ابن القيّم، وطوّل نفسه في ذلك، ومال إلى ترجيح القول بوصول جميع أنواع القرب، وذكر أن مذهب أحمد، ومن وافقه أوسع المذاهب، يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب، بدنيّها وماليّها، والجامعُ للأمرين (1).
لكن الذي يظهر لي هو ما قدّمته. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
6 -
(بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايب رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الْأَخْبَارِ، وَمَا نُقِلَ عَن الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ):
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:
35 -
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: "دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(محمد) بن عبد الله بن قُهْزَاذ المذكور قريبًا.
2 -
(عليّ بن شَقِيق) هو: علي بن الحسن بن شقيق بن ديناربن مِشْعَب -نُسِب هنا لجدّه- العبدي مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي، قَدِمَ شقيق من البصرة إلى خراسان. رَوَى عن الحسين بن واقد، وخارجة بن مصعب، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى الباقون له بواسطة ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، ومحمد بن حاتم بن بزيع، وغيرهم. قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم تكلموا فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حِلّ، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالما بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع بالكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرّة. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حُريث: قلت له: هل سمعت "كتاب الصلاة" من أبي حمزة السُّكَّريّ؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نَهق حمار يومًا، فاشتبه علي حديث، فلا أدري أيّ حديث هو؟ فتركت الكتاب كله. وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك في كثير من رجاله، وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين. وكذا أرّخ
(1) راجع "جامع الفقه" جمع يسري السيد محمد 2/ 517 - 549.