الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:
بيّن رحِمَهُ الله تعالى أنه قد تكلّم بعض المعاصرين له ممن يدّعي علم الحديث، وليس هو من أهله في زعمه في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بكلام لا ينبغي أن يُذكَر، ويُشاع، بل الأليق به أن يُعرض عنه صفحًا؛ لأن الإعراض عن القول الباطل أليق بإماتته، وإسقاط ذكر قائله؛ لئلا يكون في إشاعته تنبيها للجهّال عليه، لكن لَمّا خشي من سوء عواقبه، حيث إن الجهال يكثر فيهم الاغترار بالأمور المحدثة، ويسرعون إلى اعتقاد أخطاء المخطئين، والأقوال الساقطة عند أهل العلم، رأى الكشف عن فساد قول هذا القائل، والردَّ على مقالته بقدر ما يليق بها من الردّ أنفع للناس، وأحسن عاقبةً. هذا حاصل كلامه رحِمَهُ الله تعالى.
[تنبيهات]:
(الأول): أنه لم يصرّح الإمام مسلم رحمه الله تعالى في محاورته بهذا الشخص الذي أراده، بل أبهمه، وقد اختلف الناس في تخمينه، فقيل: يعني البخاريّ، وممن قال بهذا الصنعانيّ، وبعض المتأخرين، وهذا يردّه ما سبق أن مسلمًا فرغ من كتابه قبل لقائه البخاريّ؛ لأنه فرغ منه سنة (250 هـ) وقد قال الحاكم أبو عبد الله: أول ما ورد البخاريّ نيسابور سنة تسع ومائتين، وكانت سنه حينئذ (15) سنة، ووردها في الأخيرة سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدّث على الدوام. انتهى.
ومن المعلوم أن مسلما إنما لازمه في وروده الأخير بعد أن أكمل تأليف كتابه، فتبيّن بهذا أنه ما قصد البخاريّ في هذه المهاجمة الشديدة.
وقيل: أراد به البخاريّ وشيخه ابن المدينيّ، وهو ظاهر كلام الذهبيّ، وصرّح به سبط بن العجميّ، وفيه ما سبق في القول الذي قبله.
وقيل: أراد به ابن المدينيّ فقط، وإليه مَيلُ ابن كثير، وأيّده البلقينيّ، وعبارة ابن كثير: قيل: إنه يريد البخاريّ، والظاهر أنه يريد علي بن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك في أصل صحّة الحديث، وأما البخاريّ فإنه لا يشترطه في أصل الصحّة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح" انتهى (1).
وقال البلقينيّ: قيل: يريد مسلم بذلك البخاريّ، إلا أن البخاريّ لا يشترط في أصل الصحّة، ولكن التزمه في "جامعه"، أو لعله يريد ابن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك
(1)"اختصار علوم الحديث" ص 56 بنسخة "الباعث الحثيث".
في أصل الصحّة. انتهى (1).
وهذا الرأي ردّه الحافظ ابن حجر، وهو الخبير بمنهج الإمام البخاريّ وشرطه في "الصحيح"، فقال: ادّعى بعضهم أن البخاريّ إنما التزم ذلك في "جامعه"، لا في أصل الصحّة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحّة عند البخاريّ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في "تاريخه" بمجرّد ذلك. انتهى (2).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله بعضهم: الظاهر أن مسلمًا لم يقصد إلا إحقاق ما هو حقّ عنده، وردّ ما بلغه من قول بعض العلماء الذين ليس لهم قدم راسخ في العلم، ولا إمامة في الحديث في نظره، ولا من الأئمة المعتبرين، وإلا لَمَا أقدم على مثل هذه الألفاظ القاسية، والعبارات النابية، ولا سيّما في مثل البخاريّ، وعليّ بن المدينيّ، وغيرهما من الفحول، والجهابذة، ومما يؤيّد هذا قوله:"قول مخترع، مستحدث غير مسبوق صاحبه".
وقال الشيخ محمد زكريا الكاندهلويّ مؤيّدًا أن مسلمًا سمع هذا القول ممن ليس بإمام في العلم، أو الحديث: ما نصّه: وهو الذين يليق بشأن المؤلّف -أي مسلم- فإنه بعيد منه أن يردّ على شيخه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاريّ على أبلغ وجه وآكده بحيث يجترأ على تجهيله، وإخراجه عن زمرة أهل العلم، فالقول بأنه أراد به الردّ على الإمام البخاريّ بخصوصه -كما اشتهر على الألسنة- فهذا إساءة الظنّ بالمصنّف كما لا يخفى. والله تعالى أعلم (3). وهو بحث نفيس جدّا.
والحاصل أن مسلمًا لم يُرد البخاري، ولا ابن المدينيّ، بل أراد من ليس له رسوخ في العلم، ولا له شأن في تحقيق علم الحديث. والله تعالى أعلم.
(الثاني): أنه على تقدير ما قيل: إن مسلمًا أراد بهذه المهاجمة الشديدة البخاريّ، أو ابن المدينيّ، أو كليهما معًا، فقد اعتذر عنه بعضهم، فقال صاحب "فتح الملهم": إن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن الواقع كذلك -تأخذه غيرة دينيّة، وحميّةٌ إسلاميّة، ينشأ عنها غضبٌ في الله تعالى على ذلك القائل، وإبغاضه لوجه الله تعالى، فيحمله ذلك على الوقيعة، وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقّه، ظنّا منه أنه بصنيعه هذا مناضلٌ عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة، ثم قال: ومثاله ما تكلّم به مسلم- رحِمَهُ الله تعالى -في حقّ البخاريّ-
(1)"محاسن الاصطلاح" ص 58.
(2)
"النكت على ابن الصلاح" 2/ 595.
(3)
"التعليق على الحلّ المفهم" ص 20.
رحِمَهُ الله تعالى- في بحث اشتراط اللقاء في "مقدّمة صحيحه" ظنّا منه أن الأصل الذي أصّله البخاريّ إن سُلّم صحّته (1) كان مستلزمًا لردّ ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتدّ نكيره على تلك المقالة وقائلها بأشنع ما يُمكن، ومع هذا فعامّة الشرّاح قد رجّحوا مذهب البخاريّ، وصوّبوه، ولم يلوموا مسلمًا في تشديده وتغليظه.
وهكذا ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من المشاجرات والفِتَن، بناء على التأويل والاجتهاد، فإن كلّ فريق ظنّ أن الواجب ما صار هو إليه، وأنه أوفق وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعنًا فيهم، وانظر قصّة موسى مع هارون عليهما الصلاة والسلام، وتأمّل فيها تجد فيها شفاءً لما يتخالج في الصدور من مشاجرات الصحابة، ومناقشات الأئمة الثقات. (2).
فرأى مسلم رحمه الله أن مذهب مخالفه يُلغي شطرًا كبيرًا من السنّة، ويُسقطه من الاحتجاج والعمل به، فكان هذا المذهب في نظره من باب التعنّت على السنّة، والإلغاء لها، فمن هنا اشتدّت غضبة مسلم، وقست لهجته، وتكرّر تهجينه، وتوبيخه، وتلوّن تقريعه وتجهيله؛ لأن هذا المذهب من منظوره حقّا خطير، ووقدة غضبةِ المحدّثين معروفة، وشدّتهم المنكرةُ في حَمْلتهم على مخالفهم مألوفة، ورحمة الله تعالى على مسلم ومخالفه، فكلّ منهما قصد الحِفاظَ على السنّة المطهّرة، فمسلم أراد الحفاظ عليها من أن يُعَطَّل شطرٌ كبيرٌ منها بالتشدّد في شروط قبولها، ومخالفه أراد الحفاظ عليها بأن لا يُحتجّ منها إلا بما ثبتَ بأحوط الطرق في ثبوتها. انتهى (3).
(الثالث): أنه مما ينبغي التنبّه له أنه اشتهر عند الكثيرين نسبة القول باشتراط اللقاء فقط إلى الإمام البخاريّ رحِمَهُ الله تعالى، وليس الأمر كذلك؛ إذ لم يوجد له نصّ بذلك، وإنما هذا الشرط مستفاد مما ذكره في كتبه، كـ"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الصغير"، و"الضعفاء الصغير"، و"جزء القراءة خلف الإمام"، و"جزء رفع اليدين"، و"خلق أفعال العباد"، وكلامه فيها صريحٌ في كونه يشترط السماع زيادةً على اللقيّ.
ولقد أجاد في سرد عبارت الإمام البخاريّ رحمه الله في الكتب المذكورة الأخ الفاضل خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه "موقف الإمامين"، وذكر من كلامه أكثر من مائة، ودونك بعض الأمثلة لذلك:
ذكر البخاريّ رحمه الله زيد بن أسلم فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر
(1) صحته مسلمة، لكن باشتراط السماع، لا مجرّد اللقاء، فتنبّه.
(2)
"فتح الملهم" 1/ 72.
(3)
منقول من كلام صاحب "التتمّة" على "موقظة" الذهبيّ رحمه الله ص 121 - 123 باختصار.
سماعًا (1). وقال في ترجمة سليمان بن بُريدة (2): ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه (3). وقال: إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل (4) أم لا؟ (5). وقال: لا أدري عبيد بن نَضْلَة (6) سمع من المغير بن شعبة أم لا؟ (7). وقال: عثمان بن عبد الله بن موهب (8) روى عن حمران بن أبان، ولم يذكر سماعًا (9). قال في عمرو البكالي (10): لا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود (11). وقال في محمد بن صفوان الجمحي (12) روى عن سعيد بن المسيب، ولم يذكر سماعًا، ولا أدري أسمع منه أم لا؟ . وقال في محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (13): لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ (14). وقال في محمد بن كعب القُرظيّ (15)، روى عن شبث بن ربعيّ: ولا نعلم لمحمد بن كعب سماعًا من شبث (16). وذكر محمد بن المنكدر (17) فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر سماعًا (18). وقال: ولم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل (19). وقال: لا يُعرف لأبي بردة (20) بن أبي موسى سماع واثلة بن الأسقع (21)(22). والله تعالى أعلم.
(الرابع): أن البحث عن ثبوت سماع المتعاصرين بعضهم من بعض ليس قاصرًا على البخاريّ فقط، بل هو مذهب المحقّقين من جمهور المحدثين:
فممن ثبت ذلك عنه شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطّان، وعليّ بن المدينيّ، والإمام الشافعيّ، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عليّ
(1)"التاريخ الكبير" 3/ 80.
(2)
لم يوصف بالتدليس.
(3)
المصدر السابق 4/ 4.
(4)
لم يوصف بالتدليس.
(5)
"تهذيب التهذيب" 4/ 174 - 175.
(6)
لم يوصف بالتدليس.
(7)
"العلل الكبير" للترمذي ص 587.
(8)
لم يوصف بالتدليس.
(9)
"التاريخ الكبير" 3/ 80.
(10)
لم يوصف بالتدليس.
(11)
المصدر السابق 2/ 200 و"التاريخ الصغير" 1/ 234.
(12)
لم يوصف بالتدليس.
(13)
لم يوصف بالتدليس.
(14)
"التاريخ الكبير" 1/ 139.
(15)
لم يوصف بالتدليس.
(16)
المصدر السابق 4/ 266.
(17)
لم يوصف بالتدليس.
(18)
المصدر السابق 3/ 80.
(19)
"التاريخ الكبير" 4/ 104 و"التاريخ الصغير" 2/ 40.
(20)
لم يوصف بالتدليس.
(21)
"العلل الكبير" للترمذيّ 2/ 964.
(22)
راجع ما كتبه الأخ الفاضل خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه "موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين" ص 159 - 265.