الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منقطع على الصحيح، فإن ميمون بن أبي شَبِيب لم يدرك عائشة رضي الله عنها، ومما يؤيّد ذلك أن أصحاب كتب الرجال، مثل "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب"، وغيرها وضعوا رمزا لرجال مقدّمته غير رمز رجال "صحيحه"، فجعلوا رمز رجال "الصحيح"(م) ورمز رجال المقدّمة (مق)، فهذا يدلّ على أن الرجال الذين أخرج لهم في المقدّمة ليسوا كرجال "صحيحه"، فليتنبّه. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن أبي بكر بن النضر، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) برفع "هاشم" بدلًا من "أبو النضر"، قال (حَدَّثَنَا أبو عَقِيل) بفتح العين المهملة، وكسر القاف، يحيى بن المتوكّل، وقوله (صاحِبُ بُهَيَّةَ) -بضمّ الباء الموحدة، وفتح الهاء، وتشديد الياء، مُصغّرًا-: هي امرأة تروي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قيل: إنها سمّتها بُهَيّة. ذكره أبو عليّ الغسّانيّ في "تقييد المهمل"، وروى عن بُهيّة مولاها أبو عَقِيل المذكور، ولذلك عُرف بها، فقيل له: صاحب بُهيّة. (1).
وقال في "تهذيب التهذيب": بهيّة مولاة أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين في "الاستحاضة"، وعنها أبو عَقِيل يحيى بن المتوكّل. قال ابن عمّار: ليست بحجة. انتهى (2). وفي "التقريب": "بُهيّة" بالتصغير، مولاة عائشة، وعنها أبو عَقِيل، لا تُعرف، من "الثالثة". انتهى. وأخرج حديثها أبو داود في "سننه"، فقال:
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عقيل، عن بُهَيّة، قالت: سمعت امرأة تسأل عائشة، عن امرأة فسد حيضها، وأُهريقت دمًا، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آمرها، فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كلّ شهر، وحيضها مستقيم، فلتعتدّ بقدر ذلك من الأيام، ثم لتدع الصلاة فيهنّ، أو بقدرهنّ، ثم لتغتسل، تم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم لتصل (3).
(قَالَ) أبو عَقِيل (كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبي محمد المدني، روى عن أبيه، وعمه سالم، وروى عنه عمر، وعاصم ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وأبو عَقِيل، يحيى بن المتوكل. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال روى عن جده عبد الله، وروى عنه الزهري. وقال ابن سعد: أمه أم عبد الله بن عمر بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، تُوُفّي في خلافة مروان بن محمد، وكان قليل الحديث.
(1)"شرح مسلم" 1/ 91.
(2)
"تهذيب التهذيب" 4/ 666.
(3)
حديث ضعيف؛ لضعف أبي عقيل، وجهالة بُهَيّة.
وقال في "التقريب": ثقة (1)، من السادسة، مات في حدود الثلاثين. أي بعد المائة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والنسائي، وله عندهما حديث واحد برقم 3765 حديث:"لا يأكلنّ أحدكم بشماله، ولا يشربنّ بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها".
(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثَعْلَبة بن غَنْم بن مالك بن النجار، ويقال: يحيى بن سعيد بن قيس بن قَهْد، ولا يصح -قاله البخاري- الأنصاري النجاريّ، أبو سعيد المدني القاضي، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن أبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وغيرهم. وروى عنه الزهري، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، ومالك، وخلق كثير. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، حجةً، ثبتًا. وقال جرير بن عبد الحميد: لم أر أنبل منه. وقال حماد بن زيد: قدم أيوب من المدينة، فقال: ما تركت بها أحدا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال سعيد بن عبد الرَّحمن الْجُمَحِيّ: ما رأيت أقرب شبها بالزهري من يحيى بن سعيد، ولولاهما لذهب كثير من السنن. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير ابن الأشج، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يحيى بن سعيد يوازي الزهري. وقال الثوري: كان أجلّ عند أهل المدينة من الزهري. وقال الليث: لم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه. وقال أيضًا: كنت عند ربيعة، فجاء رجل فسأله، فقال له: هذا يحيى ابن سعيد دونك واسأله. وقال أيضًا عن عبيد الله بن عمر: كان يحيى بن سعيد، يحدثنا فَيَسُحُّ علينا مثل اللؤلؤ. وعَدّه الثوري في الحفاظ، وابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وابن المديني في أصحاب صحة الحديث وثقاته، ممن ليس في النفس من حديثهم شيء، وابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: حدثني وهيب، وكان من أبصر أصحابه في الحديث والرجال، أنه قَدِم المدينة، قال: فلم أر أحدًا إلا وأنت تَعْرِف وتُنكِر غير مالك، ويحيى بن سعيد. وقال حماد بن زيد: قيل لهشام بن عروة: سمعت أباك يقول كذا وكذا؟ فقال: لا ولكن حدثني العدل الرِّضَى الأمين، عَدْلُ نفسي عندي، يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن بشر الطالقاني عن أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، له
(1) ونقل الحافظ في "تهذيب التهذيب" عن ابن حزم أنه قال: متفق على سقوطه. انتهى. وقول ابن حزم هذا محلّ نظر، والغريب أن الحافظ لم يُعلّق عليه بشيء. والله تعالى أعلم.
فقه، وكان رجلا صالحًا، وكان قاضيا على الْحِيرَة، وثَمَّ لقيه يزيد بن هارون. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى. فالزهري في سعيد بن المسيب أحب إليك، أو قتادة؟ قال: كلاهما، قلت: فهما أحب إليك، أو يحيى بن سعيد؟ قال: كلّ ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أصحابنا يحكون عن مالك قال: ما خرج منا أحد إلى العراق إلا تغير، غير يحيى بن سعيد. قال ابن سعد وغير واحد: مات سنة ثلاث. وقال يزيد بن هارون، وعمرو بن علي: مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقيل: مات سنة ست وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم"(76) حديثًا.
(فَقَالَ يَحْيَى) بن سعيد (لِلْقَاسِمِ) بن عبيد الله (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ) كنية القاسم (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله (قَبِيحٌ) خبر مقدّم لقوله:"أن تُسال إلخ"(عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ) صفة "قبيح"، (أَنْ) بفتح الهمزة، مصدريّة (تُسْأَلَ) بالبناء للمفعول (عَنْ شَيءٍ، مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ) أي من أحكامه (فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ) أي من أمر الدين بمعنى أحكامه (عِلْمٌ) أي معرفة وجه الصواب (وَلَا فَرَجٌ) بفتحتين: أي تفريج لهمّ السائل بالجواب (أَوْ) للشكّ من الراوي (عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ) أي طريق خروج من مضيق حكم المسؤول عنه (فَقَالَ لَهُ) أي ليحيى بن سعيد (الْقَاسِمُ) ابن عبيد الله (وَعَمَّ ذَاكَ؟ ) أي عن أيّ شيء صدر استقباحك المذكور؟ فـ "عن" حرف جرّ، و"ما" استفهاميّة، حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في "الخلاصة":
و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ
…
أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وحاصل ما أشار إليه القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يقول ليحيى: إن عدم وجود الجواب عن المسألة لا يُستغرب عادةً، فإن قول العالم لما لا يعلمه: لا أدري زينٌ، لا شينٌ، فكيف تقول: إنه قبيح على مثلك الخ، وما وجه استقباحك؟ ، فأجابه يحيى رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله:"لأنك ابن إمامي هدى إلخ".
(قَالَ) يحيى (لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَي هُدًى) أي إنما قلت ما قلت؛ لأنك من بيت العلم، فمن كان مثلك لا بدّ أن يعتني بالعلم، حتى يتبحّر، فمن أتاه سائلًا وجد عنده جوابًا حافلًا. وقوله (ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) بالرفع بدلٌ مما قبله: أي لأنك حفيد أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، وذلك لما تقدّم من أن القاسم هذا: بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأمه هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، فأبو بكر رضي الله عنه جدّه الأعلى لأمه، وعمر رضي الله عنه-
جدّه الأعلى لأبيه. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو عَقِيل، صاحب بُهيّة (يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ) أي قاله له، وإنما عبّر بالمضارع؛ لحكاية الحال الماضية (أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ) أي من عدم وجود علم، ولا فرج، أو علم ولا مخرج (عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ) من باب ضرب، وفي لغة من باب تَعِبَ: أي فهم، وتدبّر عن الله تعالى وعيدَهُ لمن قال بغير علم، فقد توعّد الله تعالى له في كتابه، فقال عز وجل:{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117].
وقوله: (أَنْ أَقُولَ بغَيْرِ عِلْمٍ)"أن" مصدريّة، وهو في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، خبره قوله:"أقبح"، والَظرف متعلّق به. (أَوْ آخُذَ) أي العلم (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ) هذا محلّ الشاهد للباب من كلام القاسم، حيث إنه يرى أن لا يؤخذ عن غير ثقة، بل سوّى بينه وبين القول بلا علم.
وحاصل ما أجاب به القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن جوابه للمسائل التي يسأل عنها بلا علم، أو بما أخذه عن غير ثقة أشدّ قُبْحًا من قوله: لا أدري، مع كونه من بيت علم وفقه. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو عَقِيل (فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ) أي سكت يحيى بن سعيد عن مناقشة القاسم؛ لكونه حجّه، وغلبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
37 -
(وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي عَنْ أَبِي عَقِيلٍ، صَاحِبِ بُهَيّةَ، أَنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، سَأَلُوِهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يَكُون مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيِ الْهُدَى، يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ، تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالَا ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
1 -
(بِشْرُ -بكسر، فسكون- ابْنُ الْحَكَمِ -بفتحتين- الْعَبْدِيُّ) هو: بشر بن الحكم ابن حبيب بن مِهْران الْعَبْديّ، أبو عبد الرَّحمن النيسابوري الفقيه الزاهد، روى عن مالك، وابن عيينة، وشريك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي،