الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأداء، فقد صرّح شيخه سعيد بن عمرو الأشعثيّ بالإخبار، وذكر شيخه باسمه، فقال:"أخبرنا سفيان"، فبيّن المصنّف ذلك؛ أداء للأمانة، وإن كان لا يختلف المعنى بذلك في الغالب، وهذا هو الذي حمل بعض العلماء على أن يُقَدِّموا مسلمًا على البخاريّ؛ حيث إنه أدقّ في الصناعة الحديثيّة، وإن كان البخاريّ أدقّ في مراعاة الأصحيّة، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" بقوله:
وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا
…
تَرْتِيبَهُ وصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا
والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان اليمانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي) العناية ممن بعد طاوس: أي يريد بقوله: "هذا" الإشارة إلى (بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ) بضمّ الموحّدة، وفتح المعجمة- ابن أبي الْحِمْيَري العدوي، ويقال: العامري أبو أيوب، رَوَى عن ربيعة الْجُرَشيّ، وشهد معه اليرموك، وشداد بن أوس، وأبي الدرداء، وأبي ذرّ، وأبي هريرة. ورَوَى عنه ابن بُرَيدة، وقتادة، وثابت البناني، وطلق بن حبيب، والعلاء بن زياد، وغيرهم. قال ابن المديني: معروف. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال عمرو ابن دينار: قال لي طاوس: اذهب بنا نجالس الناس، فجلسنا إلى رجل من أهل البصرة، يقال له: بُشَير بن كعب العدوي، فقال طاوس: رأيت هذا أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: كأني أسمع حديث أبي هريرة، وهو الذي أنكر عليه ابن عباس الإرسال، وقصته في "مقدمة صحيح مسلم". وهو الذي قال لعمران بن حصين لَمّا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث:"الحياء خير كله"، فقال بُشير بن كعب: إن في الحكمة مكتوبا منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه. أخرج ذلك البخاري ومسلم من حديث أبي السَّوّار عنهما، وأخرجه مسلم من حديث أبي قتادة الْعَدَويّ أيضا عنهما. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكر ابن حبان في "الثقات" أن بُشَير بن كعب الذي شهد اليرموك آخر غير صاحب الترجمة. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف ذكرٌ فقط.
(فَجَعَلَ) أي شرع، فـ "جعل" من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، واسمها ضمير بُشير، وخبرها قوله:(يُحَدِّثُهُ) ولا يقترن بـ "أَنْ"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
...........................
…
وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ
…
كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
والمعنى: أن بشير بن كعب شرعِ يُحدّث ابن عبّاس رضي الله عنهما (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا) بضم العين المهملة: أمر من عاد يعود، كقال يقول، يقال: عاد إلى كذا، وعاد له يعود عَوْدةً، وعَوْدًا: إذا صار إليه، وفي التنزيل:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} الآية [الأنعام: 28]. والمعنى: أَعِد الحديث الفلانيّ (فَعَادَ لَهُ) أي لذلك الحديث (ثُمَّ حَدَّثَهُ) أي حدّث بُشيرٌ بحديث آخر (فَقَالَ) ابن عباس (لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ) أي قال بُشير لابن عبّاس (مَا) نافية (أَدْرِي) أي لم أعرف سبب طلبك العود إلى الحديث (أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا) أي الذي أمره بالعودة إليه (أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِنَّا كنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن يكون بالبناء للمفعول. أي كان الناس يحدّثوننا، ونستمع منهم. وهذا هو الظاهر؛ لأن السياق يدلّ عليه، وكذا الأثران بعده ظاهران فيه. ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل: أي نحدّث الناس.
قال السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قوله: "نُحدّث" ضُبط في غالب النسخ بكسر الدال على بناء الفاعل، والوجه عندي أنه على بناء المفعول، وهو كناية عن الميل إلى سماع الحديث عن الناس، والأخذ عنهم، فإن كذب الناس يمنع الأخذ عنهم، لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون علّةً لتعليمهم عقلًا، وهو الموافق لسائر الروايات الآتية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما استوجهه السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قويّ، إلا أنه لا يبعد أن يكون بالبناء للفاعل أيضًا، ووجهه أن ظهور الكذب، وكثرة الأهواء يجعل المحدّث يمسك عن حديثه، إذا خاف أن يتّخذوا ذلك وسيلة إلى تقوية أهوائهم، أو خاف الزيادة والنقص بسبب عدم مبالاتهم بالكذب. والله تعالى أعلم.
ثم وجدتُّ القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى صحّح الوجه الأول، ونصّه: الصحيح في "نُحدَّث" بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة، مبنيّا للمفعول، ويؤيّده قوله في الرواية الأخرى:"كنّا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا". وكذلك وجدته مقيّدًا بخطّ من يُعتمد على علمه وتقييده، وقد وجدته في بعض النسح بكسر الدال، وفيه بُعد، ولعله لا يصحّ. انتهى (1).
(1)"المفهم" 1/ 125.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المدار على صحّة الرواية، فإن صحّت بالبناء للمفعول، فهي متعيّنة، وإلا فالكلام محتمل للبناء للفاعل أيضًا، وإن كان الوجه الأول أوضح. فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(إِذْ) ظرفيّة متعلّقة بـ "نحدّث"(لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول: أي وقت عدم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم. والمعنى على الأول: كان الناس يُحدّثوننا، ونستمع إلى حديثهم، ونأخذ به، في الوقت الذي لا يَكذب فيه أهله على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد أصحابه. وعلى الثاني: كنا نحدّت الناسَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي نثق بأهله أنهم لا يزيدون على ما حدّثناهم به، ولا ينقصون منه، وقد سبق آنفًا أن الأول هو الأظهر؛ لأنه الذي يدلّ عليه السياق، والأثران بعده، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف، من باب علم (النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا مثلٌ، وأصله في الإبل، ومعناه أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجترؤوا عليه، فتحدّثوا بالمرضيّ عنه الذي مثّله بالذلول من الإبل، وبالمنكر منه الممثّل بالصعب من الإبل. انتهى (1).
وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو مثالٌ حسنٌ، وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب الْعَسِرُ المرغوب عنه، والذَّلُول السَّهْلُ الطيّب المحبوب المرغوب فيه. فالمعنى: سلك الناس كلَّ مَسْلَك مما يُحمد ويُذمّ. انتهى (2). (تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ) أي تركنا استماع الحديث الذي يُنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبوله، أو تركنا التحديث للناس؛ لعدم ثقتنا بهم، وخوفنا منهم الزيادة والنقص.
وحاصل ما أشار إليه ابن عبّاس رضي الله عنهما في هذا الكلام أنه لَمّا فشا الكذب في الآونة الأخيرة، وكثُر عدم مبالات الناس به أراد أن يتحقّق ويتأكّد من صحّة حديثه، فأمره بإعادة بعض أحاديثه التي لم يستمع إليها حقّ استماع، حتى يوفّيها حقّها من القبول أو الردّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:
20 -
(وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظْ الْحدَيثَ، وَالحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث، فلا حاجة إلى إعادته. وبالله تعالى التوفيق.
(1)"المفهم" 1/ 124.
(2)
"شرح مسلم" 1/ 80.