الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعنعِن -بالكسر- للمعنعَن عنه -بالفتح- وقد أمكن أن يتلاقيا، ويتشافها بالحديث، إلا أنا لا نعلم ذلك منهما يقينًا، أنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الحديث المعَنْعَن إلا إذا ثبت تلاقيهما، وتشافههما بالحديث، وكان ذلك الخبر موقوفًا إلى أن يتبيّن السماع، وكذا كلّ خبر جاء هذا المجيء. هذا خلاصة كلامه رحمه الله تعالى.
إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَزَعَمَ الْقَائِلُ) أي قال قولًا غير صواب؛ لأن أكثر استعمال "زعم" للباطل، فقد تقدّم عن الفيّوميّ، قال: قال الأزهريّ: أكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقيّ: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعمًا قال خبرًا، لا يُدرى أحقٌّ هو أو باطلٌ. انتهى. (الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ) بالجرّ عطفًا على "الحكاية"، ويحتمل النصب عطفًا على "الكلام" (عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ) أي فساد فكره. قال الفيّوميّ: الرَّوِيّة: الفكر، والتدبّر، وهي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز؛ تخفيفًا، وهي من رَوَّأْتُ في الأمر بالهمز: إذا نظرت فيه. انتهى (1).
(أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد؛ إذ المصدر المؤول مفعول "زعم"(كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ، فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ) أي روى فلان عن فلان، وهو المسمّى بالمعنعن، وقد تقدّم تعريفه أول الباب (وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا) الواو حالية: أي والحال أنه قد أحاط علمنا بأن كلّا من فلان وفلان (قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ) أي زمن واحد، قال المجد: العصر مُثلّثة، وبضمّتين: الدهر، جمعه: أعصارٌ، وعُصُورٌ، وأَعْصُرٌ، وعُصُرٌ. انتهى (2).
وإنما قيد بكونهما في عصر واحد؛ لأنهما لو كانا في عصرين لكان الحديث منقطعًا بلا خلاف. والله تعالى أعلم.
(وَجَائِزٌ) الواو حاليّة أيضًا: أي والحال أنه جائزٌ: أي ممكن (أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي) أي حمله، يقال: رويتُ الحديث، من باب رمى: إذا حملته، ونقلته، ويُعَدّى بالتضعيف، فيقال: رَوّيت زيدًا الحديثَ، ويُبنى للمفعول، فيقال: رُوِّينا الحديث. قاله الفيّوميّ (3). (عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَشَافَهَهُ بِهِ) أي خاطبه به (غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ) بالبناء للفاعل (لَهُ) أي للراوي (مِنْهُ) أي من المرويّ عنه (سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ) تقدم بيان ضبطها، وهي ظرف للزمان
(1)"المصباح المنير" 1/ 247.
(2)
"القاموس المحيط" ص 397.
(3)
"المصباح المنير" 1/ 246.
الماضي، والغالب اختصاصها بالنفي، نحو ما رأيته قط، وقد تأتي في الإثبات، كحديث البخاريّ في "الكسوف":"أطول صلاة صليتها قطّ"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا (أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ) الظاهر من تصرّف المصنّف رحمه الله تعالى أن "أو" بمعنى الواو؛ لأنه جعل محط قول المنتحل اشتراط السماعِ، كما سيأتي تحقيقه (أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ) أي بالعنعنة (حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ) يحتمل أن تكون "يكون" ناقصة، و"العلم" اسمها، وخبرها الظرف مقدّمًا، ويحتمل أن تكون تامّة، و"العلم" فاعلها.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "حتى يكون الخ" هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول الصحيحة المعتمدة "حتّى" بالتاء المثنّاة من فوقُ، ثم المثنّاة من تحتُ. ووقع في بعض النسخ:"حين" بالياء، ثم النون، وهو تصحيف. انتهى (1).
وقوله: (بِأَنَّهُمَا) متعلّقٌ بـ "العلم": أي بأن المعنعن والمعنعن عنه (قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا) يحتمل أن تكون "من" بمعنى "في"، أو هي للبيان مقدّمة على قوله:(مَرَّةً فَصَاعِدًا) أي فما فوق ذلك. وقد جاء نظير هذا التركيب في الحديث الصحيح: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا": أي فما زاد عليها، كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا. قال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعدًا، حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعدٍ كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا، ولا يجوز أن تقول: وصاعدًا؛ لأنك لا تريد أن تُخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلًا، ثم قرّرت شيئًا بعد شيء لأثمان شتّى، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعنى، ولم يلزم الواو الشيئين (2) أن يكون أحدهما بعد الآخر، و"صاعدًا" بدل من زاد، ويزيد، و"ثُمّ" مثل الفاء لأن الفاء (3) أكثر في كلامهم. قال ابن جني: وصاعدًا حال مؤكّدة، ألا ترى أن تقديره. فزاد الثمن صاعدًا، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلا صاعدًا. ذكره محمد مرتضى في "شرح القاموس"(4).
(أَوْ) الحق أن "أو" هنا بمعنى الواو؛ لأن سياق المصنّف أن حواره مع من
(1)"شرح مسلم" 1/ 129 - 130.
(2)
هكذا النسخة: "ولم يلزم الواو الشيئين الخ" والظاهر أن الصواب -كما أشار إليه في الهامش-: "ولم يلزم الواو التي لأحد الشيئين".
(3)
هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب -كما أشار إليه في الهامش-:"إلا أن الفاء أكثر الخ".
(4)
"تاج العروس من جواهر القاموس" 2/ 398.
يشترط السماع، لا اللُّقيّ وحده (تَشَافَهَا) أي تخاطبا (بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا) وقوله: (وَتَلَاقِيهِمَا) عطف تفسير لما قبله (مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ) قد سبق قريبًا أن "يكن" يحتمل كونها ناقصة، وتامّة: أي إن لم يكن عند ذلك القائل علم ذلك، والإشارة إلى ما سبق من اجتماعهما، وتشافههما بالحديث الخ (وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ) أي الشيخ الذي روى عنه بالعنعنة (قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا) هذا صريح في كون هذا المنتحل يشترط السماع مع اللقاء، لا مجرّد اللقاء، كما ظنّه كثيرون، فتنبّه. وقوله:(لَمْ يَكُنْ) يحتمل أيضًا أن تكون ناقصة، واسمها "حجة" الآتي، وخبرها قوله:(فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ) ويحتمل أن تكون تامّة، بمعنى يحصُل، والجار والمجرور متعلّق بها، و"حجة" مرفوع على الفاعليّة. (عَمَّنْ رَوَى) بالبناء للفاعل، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "نقل" (عَنْهُ) متعلّق بـ "روى". وقوله:(ذَلِكَ) إشارة إلى الحديث الذي رواه بـ "عن": أي عن الشيخ الذي روى عنه ذلك الخبر الْمُعَنْعَن.
[تنبيه]: قوله: "عمن روى عنه ذلك" كذا هو معظم النسخ، وهو الصواب، ووقع في بعضها:"عمن روى عنه علم ذلك"، والظاهر أنه غلط، مفسد للمعنى، وقد تعب بعض من علّق على هذه المقدّمة (1) بتوجيه ذلك، وأطال في إعرابه، ولا أرى لذكره جدوى؛ لأنه مبنيّ على هذه النسخة، وفيها فساد المعنى، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَالْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، والكاف بمعنى "على": أي والحال أن الأمر على ما وصفناه سابقًا من كونهما في عصر واحد، مع إمكان اللقيّ، والسماع، ولكن لم يُعلم ذلك بالتحقيق (حُجَّةٌ) بالرفع اسم "يكن"، أو فاعلها، كما سبق آنفًا، وهو على حذف مضاف: أي ثبوت حجة. و"الْحُجّة" بالضمّ: البُرهان والدليل، والجمع حُجَجٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف (2)(وَكَانَ الْخَبَرُ) أي المنقول بالعنعنة الموصوفة بما ذكر (عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (مَوْقُوفًا) أي متوقَّفًا عن العمل به (حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ) أي على هذا القائل (سَمَاعُهُ) أي سماع المعنعِن -بالكسر- (مِنْهُ) أي من المعنعَن عنه -بالفتح- (لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ) فيه تصريح أن ذلك القائل يشترط السماع، لا اللقيّ فقط، كما أسلفناه قريبًا (قَلَّ) ذلك الحديث (أَوْ كَثُرَ) يعني أنه لا
(1) هو الشيخ أحمد رشيد الكنكوهي رحمه الله تعالى صاحب "الحل المفهم لصحيح مسلم"، راجعه ص 21 - 22.
(2)
راجع "المصباح المنير" 1/ 121. و"القاموس" ص 167.