الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: غير ذلك، وكان موته بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بفلسطين. وذكر العسكري أنه عاش قريبا من مائة سنة. قال الحافظ: وهو بعيد من الصحة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم"(67) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "ابن العاص": أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح "العاصي" بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ (1).
وإلى القاعدة المذكورة أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا
…
لم يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي
…
نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. (ومنها). أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم مصريّ، ثم طائفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر":
وَالْبَحْر وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو
…
وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ
…
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ
ومنها: أنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله عنهما، أنه (قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ) الظاهر أن "أل" للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ويراد به البحر الأحمر؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق (شَياطِينَ) جمع شيطان، وتقدم أنه يطلق على كلّ عَاتٍ متمرِّد من الجنّ والإنس والدّوابّ، لكن المراد هنا من كان من الجنّ بدليل قوله:"أوثقها سليمان"؛ لأن الذي أوثقه سليمان عليه السلام هو الجنّ (مَسْجُونَةً) أي محبوسة في البحر
(1)"شرح مسلم" 1/ 78 - 79.
(أَوثَقَهَا) أي شَدَّها ورَبَطَها (سُلَيْمَانُ) بن داود عليه السلام، قال في "المفهم": هذا الحديث ونحوه لا يُتَوَصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع، والظاهر أن الصحابة إنما يستندون في هذا للنبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه يحتمل أن يُحدّث به عن بعض أهل الكتاب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن شرط كون الموقوف في حكم المرفوع أن لا يكون الصحابي الذي وُقِف عليه معروفًا بالرواية عن أهل الكتاب، وأما إذا كان معروف بذلك فليس لموقوفه حكم الرفع، وهنا كذلك، فإن عبد الله بن عمرو معروف بذلك، فلا يكون هذا الحديث في حكم المرفوع، فتنبه. والله تعالى أعلم.
(يُوشِكُ) أي يقرُب، وهو بضمّ الياء، وكسر الشين، ويُستعمل أيضًا ماضيًا، فيقال: أوشك كذا: أي قرُب، ولا يُقبل قول من أنكره من أهل اللغة، فقال: لم يُستعمل ماضيًا، فإن هذا نفيٌ يُعارضه إثبات غيره والسماع، وهما مقدّمان على نفيه. قاله النوويّ (1).
وقال في "القاموس": وَشُكَ الأمرُ، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوشّك -بالتشديد- وأوشك: أسرع السيرَ، كواشك، ويُوشك الأمرُ أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفتَح شينه، أو لُغَةٌ رديئة. انتهى.
وقال في "المفهم": "يوشك" بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها أوشك، ومعناه مقاربة وقوع الشيء، وإسراعه، والوَشَكُ بفتح الواو: السرعة، وأنكر الأصمعيّ الكسر فيها. وحكى الجوهريّ الضمّ فيها. وتُستعمل "يوشك" على وجهين: ناقصة تفتقر إلى اسم وخبر، وتامّة تستقلّ باسم واحد، فالناقصة يلزم خبرها "أن" غالبًا؛ لما فيها من تراخي الوقوع، وتكون بتأويل المصدر، كقولك: يوشك زيد أن يذهب: أي قارب زيد الذهاب، وربّما حُذفت "أن" تشبيهًا لها بـ "كاد"، كقول الشاعر:
يُوشِكَ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ
…
فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
والتامّة تكتفي باسم واحد، وهو "أن" مع الفعل بتأويل المصدر، بمعنى قرُب، كما في خبر عبد الله بن عمرو هذا. انتهى (2).
(أَنْ تَخْرُجَ) أي من محلّ سَجْنها من البحر (فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا) أي شيئًا تزعم أنه قرآن؛ لتَغُرّ به عوامّ الناس، وليس بقرآن. وقال في "المفهم": القرآن أصله الجمع، ومنه قول من مَدَحَ ناقته، فقال:
(1) شرح مسلم" 1/ 80.
(2)
"المفهم" 1/ 120.
..............
…
هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا (1)
وبه سُمّي كتاب الله قرآنًا؛ لِمَا جمع من المعاني الشريفة، ثم قد يقال: مصدرًا، بمعنى القراءة، كما قال الشاعر في عثمان:
......................
…
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا (2)
أي قراءة.
ومعنى هذا الحديث: الإخبار بأن الشياطين المسجونة ستخرج، فتُموّه على الجهلة بشيء، تقرؤه عليهم، وتلبّس به، حتّى يحسبوا أنه قرآن، كما فعله مسيلمة، أو تسرُدُ عليهم أحاديث تُسندها للنبيّ صلى الله عليه وسلم كاذبةً، وسُمّيت قرآنًا؛ لما جمعوا فيها من الباطل، وعلى هذا الوجه يُستفاد من الحديث التحذير من قبول حديث من لا يُعرَف. انتهى (3).
وقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد حفظ الله كتابه، وضمِن ذلك، فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقد ثبت القرآن، ووقع عليه الإجماع، فلا يُزاد فيه حرف، ولا يُنقص حرف، وقد رام الروافض، والملحدة ذلك، فما يمكن لهم، ولا يصحّ أن يَقبل مسلم من أحد قرآنًا يدّعيه مما ليس بين الدَّفّتين، فإن كان لهذا الخبر أصلٌ صحيح، فلعله يأتي بقرآن فلا يُقبل منه، كما لم يُقبل ما جاءت به القرامطة، ومسيلمة، وسَجَاحِ، وطليحة، وشبههم. أو يكون أراد بالقرآن ما يأتي به، ويجمعه من أشياء يذكرها، إذ أصل القرآن الجمع، سمّي بذلك لما يجمعه من القصص، والأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، وكلُّ شيء جمعته فقد قرأته. انتهى (4).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما قال القاضي: إن كان للخبر أصل صحيح؛ لاحتمال أن يكون هذا من الإسرائيليات؛ لأن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما معروف بالحكاية من كتب أهل الكتاب، فيُخشى أن يكون هذا منها. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: ذكر صاحب "فتح الملهم" حكاية، حاصلها: قد رأينا قبل عشرين سنة أن الشيطان تمثّل في صورة الدكتور منجانا الإنجليزيّ، فأخرج قرآنا من وراء البحار، وعرضه على الناس، مع ادّعائه أنه مصحف عتيق، مخالف لهذه المصاحف الموجودة
(1) هذا عجز بيت لعمرو بن كلثوم، وصدره:
ذِرَاعَي عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ.
(2)
هذا عجز بيت لحسّان، وصدره:
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عنوَان السُّجُودِ لَهُ.
(3)
"المفهم" 1/ 120 - 121.
(4)
"إكمال المعلم" 1/ 119 - 120.
بأيدي المسلمين شرقًا وغربًا في كثير من المواضع، وكان غرضه إثبات التحريف في القرآن، ولكن لم يرفعوا له رأسًا، فلم ينجح، بل خاب وخسر، وصار بعد أيام كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، فذهب الزبد جُفاءً، ومكث ما ينفع الناس في الأرض، ولله الحمد. انتهى (1). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:
19 -
(وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي، أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(محمد بن عبّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد.
رَوَى عن ابن عيينة، وحاتم بن إسماعيل، والدراوردي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وروى الباقون سوى أبي داود عنه بواسطة أحمد بن سعيد الدارمي، وسليمان بن توبة، وعثمان بن خُرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وروى عنه أيضا الذهلي، والصاغاني، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه حديث أهل الصدق، وأرجو أنه لا يكون به بأس، وقال مرة: يقع في قلبي أنه صدوق. وقال أبو زرعة عن ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن منده: يكنى أبا عبد الله. وقال صالح جَزَرَة: لا بأس به. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال البخاري وغيره: توفي آخر سنة أربع وثلاثين ومائتين.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِم، من العاشرة.
وله في "صحيح مسلم"(42) حديثًا.
2 -
(سعيد بن عمرو) بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ.
(1) راجع "فتح الملهم" 1/ 138.
رَوَى عن أبي زُبَيد عبثر بن القاسم، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وروى له النسائي بواسطة القاسم بن زكريا بن دينار، وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وقال: ثقة، وبقي بن مخلد، وغيرهم.
وقال مطين: مات في صفر سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقة، كتب عنه يحيى بن معين. وقال ابن سعد: هو ثقة صدوق مأمون. وقال ابن قانع: كوفي صالح.
وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم"(26) حديثًا.
3 -
(سفيان بن عيينة) الإمام المكيّ الحافظ الحجة، تقدّمت ترجمته (1).
4 -
(هشام بن حُجَير) -بمهملة، ثم جيم، مصغّرًا- المكيّ.
رَوَى عن طاوس، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، والحسن البصري، وروى عنه ابن جريج، ومحمد بن مسلم الطائفي، وشِبْل بن عباد المكي، وابن عيينة. قال الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك، قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فضعفه جِدّا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ثنا عنه ابن جريج، وخليق أن أدعه، قلت: أضرب على حديثه؟ قال: نعم. وقال الآجري عن أبي داود: ضُرِبَ الحدَّ بمكة، قلت: في ماذا؟ قال: فيما يُضرب فيه أهل مكة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الساجي: صدوق. وقال العقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجد عند غيره.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، له أوهامٌ، من السابعة.
أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" حديثان فقط:(2188) حديث معاوية: "أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم"، و (3124) حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة
…
".
5 -
(طاوس) بن كيسان المترجم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد قولُهُ: "قال سعيد: أخبرنا سفيان الخ" فإنه من تدقيقات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، واحتياطه، وورعه، حيث يراعي اختلاف شيوخه في صيغ
(1) تقدّمت عند ذكر المصنّف أئمة الجرح والتعديل الذين يقتدى بهم في هذا الفنّ.