الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر [حوادث] سنة ثلث وتسعين وستمايه
النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع فقط. مبلغ الزياده خمسه عشر دراع (3) وخمسه اصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (5) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الاشرف سلطان الاسلام الى ان قتل فى هده السنه، فلا حول ولا قوه الا (6)[بالله العلى العظيم](7).
(302) ذكر استشهاد السلطان الملك الاشرف
كان توجه ركابه الشريف طالبا للصيد بناحيه الاسكندريه من قلعه الجبل المحروسه ثالث شهر المحرم من هده السنه، وصحبته ساير الامرا ومقدمين (10) الحلقه المنصوره، وخرج فى ركابه الصاحب بن (11) السلعوس.
وكان قبل دلك لما فرّغ الامير علم الدين الشجاعى الايوان الاشرفى وصوّر فيه جميع الامرا، كل امير ورنكه على راسه، وجلس السلطان به، وفتح الخزاين ونفق الاموال، واعطا (14) وانعم واسرف فى الجود، وهو من الفرح والسرور لا تسعه الوجود، وقلوب اكثر امرايه تتقطع من الحقود، والأمر بينهم على الفسالة معقود، ادهم ل {ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} (16)، وقد اضمروا بضمايرهم ما يفتت الكبود،
(3) دراع: ذراعا
(5)
ابى: أبو
(6 - 7) ما بين الحاصرتين مكتوب بالهامش
(10)
ومقدمين: ومقدّمى
(11)
بن: ابن
(14)
واعطا: وأعطى
(16)
القرآن 85:7.
ويشيب لهوله المولود، ومولانا السلطان لم يعلم انه بايديهم يكون شهيد (1)، {وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ (2_)} أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (2). وليكن لهم فى الدنيا خزى وفى الآخره عذاب اليم، فلا حول ولا قوه الا بالله العلى العظيم.
كان السلطان الشهيد قد اعتقل بعض الامرا، ثم افرج عنهم (4)، فبقى فى قلوبهم منه. وكان السلطان شديد الهيبه، عظيم السطوه، زايد النخوه، وكان قد مكن الوزير بن (6) السلعوس تمكينا عظيما. وحصل بينه وبين بيدرا تنافس على امور المملكه؛ وكان ادا اراد بيدرا امرا عطل عليه الوزير. وكان السلطان ادا غضب على امير احسن اليه بيدرا واستماله اليه حتى لف عليه جماعه كبيره من الجوانيه ومن البرانيه. وتفاقم الامر بين الوزير وبين بيدرا، وعاد كل منهم (9) يبلغه عن الاخر عده اقاويل رديه (10)، وكان السلطان يشد ازر الوزير وينصره بالدايم على النايب بيدرا حتى تزايد الشر بينهما.
وكان لما يريده الله تعالى (303) من نفاد قضايه وقدره، لما توجه السلطان ونزل الاهرام، حصل له غيظ من بيدرا، فضربه بالمقرعه على راسه بين الناس وشتمه ونهره، وقيل ان دلك لاجل الوزير. فكان هدا اكبر أسباب الفتنه للامر المقدّر. وتوجه السلطان بعد دلك فنزل الطرّانه. فلما كان ثانى عشر المحرم ركب السلطان بعد ما كان اعطا (16) ساير الامرا دستور ان كل منهم يتوجه حيث شاء.
قال الامير شهاب الدين بن الاشل امير شكار: كنت فى خدمه السلطان، انا والامير مبارز الدين سوار امير شكار، والسلطان راكب حجره شهبا، وقد شد
(1) شهيد: شهيدا
(2)
القرآن 85:8
(2_) إلا: فى الأصل «الى»
(4)
عنهم: فى الأصل «عنه»
(6)
بن: ابن
(9)
منهم: منهما
(10)
رديه: رديئة-- بالدايم: فى الأصل «بالدائم»
(16)
اعطا: أعطى--دستور: دستورا
فى وصطه (1) شمله بغير سيف ولا سلاح، وانّما السلاح مع انغاى-خانه الله-وفى يد السلطان زخمة طبل باز، لم نشعر الى (2) والغبره ثايره قاصده الى نحونا. وكان سبب مجيهم ان انغاى-قاتله الله-كان من المخامرين على السلطان، فسير فى تلك الساعه الى لاجين يقول:«متى لم تدركوه فى هده الساعه لا عدتم قدرتم عليه بعدها» .
حكى لى من اثق بقوله قال: كنا جلوس (5) ناكل الطعام عند بيدرا، فدخل عليه لاجين، وزحم حتى جلس حداه (6)، ومد يده لياكل. فسارّه فى ادنه كلمتين، ثم نهظ، ومسح يده فقال بيدرا:«بسم الله، يا امرا، لنا شغل» ، ونهظ (7) دخل خيمه صغيره خلفت (8) الجتر، ثم خرج وهو ملبس الزرد تحت قماشه، وركبوا من ساعتهم.
قال شهاب الدين بن الاشل: فلما راى السلطان الغبره أنكرها فقال لبعض المماليك: «سوق (10) اكشف» . فساق ولم يرجع، وكدا اخر، واخر، واخرهم كنت انا. فلما وصلت الى القوم مسكونى ولا علمت ما جرا (11) بعدى. قيل انهم لما وصلوا اليه اول من جسر عليه بيدرا، فضربه جرحه جرح يسير (12). ثم ان لاجين ضربه [ضربة]، فاتقاها (13) بيده (304) فقطعها بالزخمه التى كانت فى يده، وثنى عليه باخرى على كتفه نزلت الى صدره، فانجدل صريعا. ثم تخاطفته السيوف من بقيه الامرا الخاينين، قاتلهم الله.
وكان الامرا المخامرين (16) عليه عقدوا بينهم الأيمان: لاجين، قراسنقر، طرنطاى الساقى، انغاى السلحدار، اقسنقر الحسامى، أروس الجمدار، بهادر راس نوبه، اقوش الموصلى الحاجب، الطنبغا الجمدار، محمد خواجا، [واناق](17) مع عده اخر،
(1) وصطه: وسطه
(2)
الى: إلا--مجيهم: مجيئهم
(5)
جلوس: جلوسا
(6)
حداه: حذاءه--نهظ: نهض
(7)
ونهظ: ونهض
(8)
خلقت: كذا فى الأصل
(10)
سوق: سق
(11)
جرا: جرى
(12)
جرح يسير: جرحا يسيرا--أضيف ما بين الحاصرتين من ابن الفرات ج 8 ص 167
(13)
فالتقاها: فتلقاها، م ف
(16)
المخامرين: المخامرون
(17)
ما بين الحاصرتين مكتوب بالهامش.
نكروا انفسهم انهم لم يكونوا معهم لما فرط الامر. وكانوا جميعهم كلمتهم مجتمعه على بيدرا، فانه كان اوحى لهم ان السلطان يريد مسكهم باسكندريه.
فلما قضى الامر واستشهد السلطان-تغمده الله برحمته واسكنه اعلا (3) الدرجات فى جنته-تبرأ منهم ابليس اللعين وقال: {إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ} (4)، فتفرقت كلمتهم ولم يجتمع لهم راى. ثم انهم اختشوا غبّ ما وقعوا فيه، فملكوا من بينهم بيدرا على رغم من اكثرهم، ولقبوه الملك القاهر. قلت: لا، بل هو الملك العاهر لا القاهر. وركب فى دست المملكه، وصاح بين يديه الجاويش، وهو يوميد حسام الدين الشيرازى النقيب. ووقع النهب فى الدهليز، وعظم الصايح، وعاد الوقت كالقيامه ادا قامت. ونهبت العربان ما قدروا عليه بعد ما قتلوا وسفكوا وفعلوا كل قبيح. وعاد السلطان ملقى فى تلك الفلاة، لم يقم عنده بشر.
حكى سعد الدين كوجبا-وهو يوميد متولى الاعمال (11) البحيره-قال: رايت فى منامى قبل هده الواقعه بمده كأنى راكب فرسى والسلطان الملك الاشرف مطروح قتيلا (13) بين يدى. فو الله لقد كان الامر كدلك.
(305)
ولما وصل الخبر الى القاهره غلقت الابواب، ووقع النهب من الحرافيش والسواد، وغلقت الدكاكين باسرها، واحتمى كل انسان فى منزله. وشربت الناس الما المالح من آبار القاهره، وعدم الخبز وساير الماكول، وقاسا (16) الناس شده عظيمه.
فنعود بالله من شر مثلها.
واما الامير حسام الدين استادار، فانه لما بلغه دلك جمع العساكر والجنايب والعصايب ومماليك السلطان من الخاصكيه الدين لم يكن لهم هوى مع غير السلطان،
(3) اعلا: أعلى--الدرجات: فى الأصل «الدجات»
(4)
القرآن 59:16 - - فتفرقت: فى الأصل «فتفرقرت»
(11)
الاعمال: أعمال
(13)
قتيلا: قتيل
(16)
وقاسا: وقاسى
ومنهم الامير سيف الدين طغجى، والامير سيف الدين برلغى، والامير سيف الدين قطبيه، وسيف الدين قطقطيه، وبقيه المماليك السلطانيه. وركبوا شاكّين فى السلاح، طالبين القلعه المنصوره، وسار الحسام استادار مقدما على الجيش.
حكى لى والدى-رحمه الله-قال: كان السلطان قد انعم علىّ بتقدمة فى الحلقه، وزاد اقطاعى خمس مايه دينار، وكنت فى خدمته. فلما جرى الامر المقدر كنت فى جملة طلب السلطان مع الامير حسام الدين استادار، وكان بينى وبينه انسه. قال: فو الله انه لراكب فى الطلب، وهو لا تنشف له دمعه، واقام تلك الليله مع دلك اليوم لا يدوق طعاما. فلما كان ثانى يوم عند طلوع الشمس توافا (8) العسكران على الطرّانه. وكان الجيش الدى مع بيدرا أضعاف جيش السلطان، لكن كما قال الله عز وجل فى كتابه العزيز {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى} (10)، فكان منهم من هو معه، وهو عليه، وآخر مغصوب، وآخر مجمع. فلما تراا (11) الفريقان، اول من قفز من الامرا الدين كانوا مع بيدرا الامير بدر الدين بيسرى، فجا الى الامير حسام الدين فى طلب السلطان، ثم تبعه الامير زين الدين كتبغا. ولما وصل الى السناجق السلطانيه الاشرفيه، احطاطوا (14) به الامرا الخاصكيه، وارادوا قتله، وقالوا له:«انت كنت (306) سبب هده الفتنه، وانت احد الغرماء» . فنزل عن فرسه، وجلس على الارض، وحلف اربعين يمين (16)، من جملتها الطلاق الثلث من زوجته، انه لم يعلم شيا ممّا جرى:«وها انا بين ايديكم ومعكم، فمتى شهد علىّ طفل واحد اننى كنت حاضرهم او موافقهم فدمى لكم حلال، انا واولادى، وادبحوا حريمى واولادى قدامى، ثم ادبحونى» . وبكى بكا كثيرا، فرقوا عليه، واوقفه الحسام استادار الى جانبه.
(8) توافا: توافى
(10)
القرآن 59:14 - -شتى: فى الأصل «شتا»
(11)
تراا: تراءى
(14)
احطاطوا: احتاط
(16)
يمين: يمينا--الثلث: الثلاثة
وكان الامرا الدين تحت السناجق السلطانيه الاشرفيه: الامير حسام الدين استادار، وزين الدين كتبغا، وسيف الدين بكتمر السلحدار، وقتال السبع، وصاطلمش بن سلغيه، والردادى امير طبر، مع الامرا الخاصكيه المقدم دكره (3)، مع جماعه اخر فى تعدادهم طول. ثم التقوا (4) العسكران، فتشتت شمل جيش بيدرا. وقتل فى معمعه الحرب، وقتل معه جماعه، منهم شخص يسمى المسعودى، وايبك مملوك طقصوا (6). وكان بيدرا يثق بهما لشجاعتهما، فقتلا معه جميعا بعد ما ابدلوا المجهود ونصحوا فى القتال. وهرب لاجين فى طريق، وقرا سنقر فى اخرى، وكل احد من تلك (8) الامرا المخامرين اخد لوجهه. واجتمعت الناس تحت السناجق السلطانيه الاشرفيه، ثم رفع راس بيدرا على رمح عالى (9)، ودخلوا به القاهره مع المشاعليه ينادون عليه، ونصب بعد دلك على باب القلعه مده.
ولما وصلوا (11) الامرا الى القلعه المحروسه ارادوا الطلوع، فمنعهم علم الدين الشجاعى.
وجرى بينهم امور يطول شرحها. وقيل ان الشجاعى كان يتعلم (12) بالامر وهو من جمله المخامرين، وانه كان زوج ام بيدرا. ثم اتفق الحال ان يقيموا مولانا وسيدنا ومالك رقنا السلطان الاعظم الملك الناصر عز نصره، ويكون كتبغا نايبا، والشجاعى وزيرا، والحسام استادار اتابكا. وحلفوا على (307) دلك، واستقر الامر كدلك اربعين يوما. ثم ان الشجاعى حدتثه (16) نفسه الظالمه بان يكون صاحب الملك. فاستمال جماعه من الامرا البرجيه وأحسن إليهم وقال لهم:«انتم منى وانا منكم» ، فقالوا:
ثم اجمعوا (19) الامرا الكبار مع الامرا الخاصكيه ان يمسكوا الامرا المخامرين على السلطان الشهيد، وتقطع ايديهم، ويسمروا وايديهم معلقه فى حلوقهم. فمسكوا
(3) دكره: ذكرهم
(4)
التقوا: التقى
(6)
طقصوا: طقصو
(8)
تلك: هؤلاء
(9)
عالى: عال
(11)
وصلوا: وصل
(12)
يتعلم: يعلم
(16)
حدتثه: حدثته
(19)
اجمعوا: أجمع