الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: حكم سجود الشكر:
اتفق أهل العلم على أن سجود الشكر غير واجب (1)، ثم اختلفوا بعد ذلك في مشروعيته على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه سنة يستحب فعلها، وهذا قول جمهور أهل العلم (2)، وممن قال بذلك الإمام الشافعي (3) والإمام أحمد (4) وإسحاق والليث وداود وأبو ثور وابن المنذر (5) وأبو يوسف في رواية عنه، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهو المشهور من مذهب الحنفية (6) وقال به بعض المالكية (7)، وهو مذهب الشافعية (8) والحنابلة (9)، ونقل عن الإمام مالك أنه قال: لا بأس به.
وقد روي فعل هذا السجود عن كثير من السلف، فقد روي عن أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سجد لما جاءه خبر فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب.
(1) مجموع الفتاوى 21/ 293.
(2)
سنن الترمذي 4/ 141، شرح السنة 3/ 317.
(3)
الأم 1/ 134.
(4)
الإفصاح 1/ 146، الإنصاف 2/ 200، المبدع 2/ 33، 34.
(5)
الأوسط لوحة 280، المغني 2/ 371، المجموع 4/ 70.
(6)
رد المحتار 1/ 524، فتح القدير 1/ 523.
(7)
عارضة الأحوذي 7/ 73، التاج والأكليل 2/ 61.
(8)
المجموع 4/ 68.
(9)
الإنصاف 2/ 200.
وروي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سجد لما جاءه خبر بعض الفتوحات في عهده رضي الله عنه وروي أيضا أن كعب الأحبار قال لعمر رضي الله عنه: إنا لنجد: "ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء" فقال عمر: "إلا من حاسب نفسه " قال كعب: "إلا من حاسب نفسه ". فكبر عمر وخر ساجدا.
وسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين وجد ذا الثدية مع قتلى الخوارج بعد وقعة النهروان بينه وبينهم، لأنه عرف أنه على الحق،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الخوارج أنهم شر الناس، وأن سيماهم أن فيهم رجلا ليس له ذراع، وعلى رأس عضده مثل حلمة الثدي.
وثبت أن كعب بن مالك رضي الله عنه سجد لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه (1).
وروي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها سجدت لما وجدت شيئا فقدته كان أعطاها إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه البخاري (4418) ومسلم 17/ 87 - 98.
وروي أن الحسن البصري سجد لما بشر بموت الحجاج بن يوسف، وكان مختبئا خوفا منه (1)
(1) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (134) والخرائطي في فضيلة الشكر (66) وأبو نعيم في الحلية 2/ 159.
القول الثاني: أن سجود الشكر غير مشروع، بل هو مكروه لا يستحب فعله، روي هذا القول عن إبراهيم النخعي، ونقل عن الإمام أبي حنيفة (1) وعن الإمام مالك في الرواية المشهورة عنه (2)، وهو المشهور من مذهب المالكية (3)
(1) رد المحتار 2/ 524، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 21، 373، مراقي الفلاح مع حاشيته للطحاوي ص 323.
(2)
المدونة 1/ 104، البيان والتحصيل 1/ 392، وينظر المجموع 2/ 70، ورحمة الأمة ص 43.
(3)
مختصر خليل مع شرحه للخرشي 1/ 351.
القول الثالث: أن سجود الشكر محرم، لا يجوز فعله، وهذا قول لبعض المالكية (1).
واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى مخبرا عن داود عليه السلام: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} (2)، قالوا: في هذه الآية دلالة على أن السجود للشكر مفردا لا يجوز لأنه ذكر معه الركوع (3)، فدل على أن الجائز هو أن يأتي بركعتين شكرا، فأما سجدة مفردة فلا (4).
(1) التاج والإكليل 2/ 61، تفسير القرطبي 15/ 183.
(2)
سورة ص الآية 24
(3)
فعلى هذا يكون معنى الآية أن داود عليه السلام قام إلى الصلاة ثم ركع ثم خر من الركوع إلى السجود.
(4)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- تفسير سورة ص- 15/ 183.
ويمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذه الآية بأن المراد بالركوع في هذه الآية السجود، لأنه قد يعبر عن السجود بالركوع، قال الشاعر:
فخر على وجهه راكعا
…
وتاب إلى الله من كل ذنب (1)
قال ابن العربي المالكي عند تفسيره لهذه الآية: " لا خلاف بين العلماء أن الركوع هاهنا السجود، لأنه أخوه، إذ كل ركوع سجود، وكل سجود ركوع، فإن السجود هو الميل، والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدل على الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئة، ثم جاء على تسمية أحدهما بالآخر، فسمي السجود ركوعا "(2).
ثم لو سلم أن ما فعله داود عليه الصلاة والسلام هو الصلاة، فليس في ذاك دلالة على المنع من سجود الشكر أو كراهته، إذ هو مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على تحريم ما عداه على الصحيح، وإنما يدل على الندب، وهذا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم، فغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من باب أولى، ثم لو سلم أن الفعل يدل على تحريم ما عداه، فإن هذا العمل من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه (3)، وقد ورد في شرعنا ما يخالفه (4)، فلا يكون حجة.
واستدل أصحاب القول الثاني، وهم القائلون بكراهية سجود الشكر بأدلة أهمها:
الدليل الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله
(1) المرجع السابق 15/ 182.
(2)
أحكام القرآن 4/ 1639، وينظر مجموع فتاوى ابن تيمية 23/ 145.
(3)
المستصفى 1/ 248 - 251، روضة الناظر ص 142 - 145.
(4)
سيأتي ذكر الأدلة على مشروعية سجود الشكر عند الكلام على أدلة القول الأول.
وجه الاستدلال بالحديث: أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد لتجدد نعمة المطر أولا، ولا لدفع نقمته آخرا (2)، فدل ذلك على أن السجود عند تجدد النعم أو اندفاع النقم غير مستحب، إذ لو كان مستحبا ما تركه صلى الله عليه وسلم (3).
وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بأن ترك السجود في بعض المواضع لا يدل على أن السجود للشكر غير مستحب، فإن المستحب يفعل تارة ويترك أخرى، وقد يترك صلى الله عليه وسلم فعل المستحب في بعض الأحيان بيانا لعدم وجوبه، ويمكن أن يجاب عن ذلك أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم ترك السجود حينئذ لأن فيه مشقة، لأنه كان على المنبر (4).
الدليل الثاني: قالوا: إن البشارات كانت تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده، ولم ينقل عن أحد منهم أنه سجد سجدة الشكر، ولو كانوا فعلوا ذلك لنقل إلينا نقلا متظاهرا، لحاجة العامة إلى جوازه، وكونه قربة، ولو كان مستحبا لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.
(1) صحيح البخاري الأحاديث (1013 - 1019)،: صحيح مسلم 5/ 191 - 195.
(2)
المجموع 4/ 70.
(3)
المغني 2/ 372.
(4)
المغني 2/ 372، المجموع 4/ 70.
ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن ما ذكروه من عدم النقل غير مسلم، فقد نقل فعل هذا السجود عن النبي صلى الله عليه وسلم (1)، وعن-جماعة من أصحابه (2) فثبت بذلك ظهوره واشتهاره، وبطل ما قالوه (3)، وكون بعض العلماء لم يطلع على ذلك لا يدل على عدم وروده، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكره لخلاف الإمامين أبي حنيفة ومالك قال:" وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه صلى الله عليه وسلم من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها من الغرائب "(4).
الدليل الثالث: استدل بعض المالكية لهذا القول بأن سجود الشكر لم يكن من عمل أهل المدينة، فدل ذلك على أنه غير مشروع.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بعدم التسليم بأنه ليس من عمل أهل المدينة، فقد ورد هذا السجود عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهم وهم من أكابر أهل المدينة رضي الله عنهم أجمعين، ثم لو سلم أنه لم يكن من عمل أهل المدينة فإن الصحيح أن عملهم ليس حجة، وإنما الحجة إجماع المسلمين (5).
الدليل الرابع: قال بعضهم: إن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود للشكر منسوخ (6).
ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل، وهو غير موجود، وأيضا فإن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد فعلوا هذا السجود
(1) وسيأتي ذكر ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك قريبا عند ذكر أدلة القول الأول.
(2)
سبق ذكر ما نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
(3)
المغني 2/ 372.
(4)
نيل الأوطار 3/ 129.
(5)
الأحكام لابن حزم 4/ 202، التمهيد لأبي الخطاب 3/ 273، المستصفى 1/ 187، فواتح الرحموت 2/ 232.
(6)
مراقي الفلاح (مطبوع مع حاشيته للطحطاوي ص 323).
في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام (1)، وهذا يدل على أن سجود الشكر غير منسوخ (2).
الدليل الخامس: أن الإنسان لا يخلو في جميع أحيانه من نعمة من نعم الله عليه، فلو كلف السجود لذلك للزمه الحرج والمشقة (3)، ولا معنى لتخصيص بعضها بالسجود (4).
ويمكن أن يجاب عن هذا الدليل بأن المشروع هو السجود عند النعم الحادثة التي يندر وقوعها، وليس عند النعم المستمرة، فالنعم المستمرة إنما يكون شكرها بأنواع الطاعات، ثم إن سجود الشكر سنة وليس بواجب، فليس في تركه في بعض الأحيان إثم أو حرج، واستدل أصحاب القول الأول بأدلة أهمها:
الدليل الأول: ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنهما في حديثه الطويل في قصة إسلام همدان، وفيه:«فكتب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان (5)»
(1) سبق تخريج هذه الآثار ص 2 - 4.
(2)
انظر 053 حاشية رد المحتار 1/ 524، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 323.
(3)
مراقي الفلاح مع حاشيته للطحطاوي ص 323، المجموع 4/ 70، فيض القدير 5/ 118.
(4)
إعلام الموقعين 2/ 410.
(5)
رواه البيهقي 2/ 369 من طريقين أحدهما صحيح عن أبي عبيدة بن أبي السفر قال سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء فذكره وإسناده حسن، أبو عبيدة بن أبي السفر صدوق يهم كما في التقريب 1/ 18، ومثله شيخه إبراهيم بن يوسف كما في التقريب 1/ 47، وأبو إسحاق قيل إنه اختلط بآخره، وأنكر ذلك الذهبي في الميزان 3/ 270، فقال:"شاخ ونسي ولم يختلط " وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما لجماعة من العلماء من روايتهم عن أبي إسحاق، ومنهم يوسف بن أبي إسحاق الراوي عنه هنا، انظر الكواكب النيرات ص 303، بل إن البخاري قد أخرج صدر هذا الحديث في صحيحه (4349) من طريق شريح بن مسلمة عن إبراهيم بن يوسف - كما في رواية البيهقي هنا- ولذلك فقد أخرج الإسماعيلي الحديث بتمامه في مستخرجه على صحيح البخاري بإسناد البيهقي كما في الفتح 8/ 66، وقال البيهقي بعد إخراجه لهذا الحديث:"أخرج البخاري صدر هذا الحديث. . . وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه ". وصحح إسناد هذا الحديث أيضا المنذري في مختصر السنن 4/ 86، وابن الهمام في فتح القدير 1/ 425، وابن القيم في زاد المعاد 1/ 360 وذكر إن إسناده على شرط البخاري.
الدليل الثاني: ما رواه أبو بكر رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شكرا لله (1)»
الدليل الثالث: ما رواه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لقيت جبريل عليه السلام، فبشرني، وقال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا (2)»
الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من أن كعب بن مالك رضي الله عنه سجد شكرا لما بشر بتوبة الله عليه سبق تخريجه. وهذا الأثر وإن كان موقوفا على
(1) رواه الإماء أحمد 5/ 45، وأبو داود (2774) والترمذي (1578) وابن ماجه (1394) وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ص 46، والخرائطي في فضيلة الشكر ص54، والحاكم 1/ 276، والدارقطني 1/ 148، 147، 410، والخطيب في تاريخ بغداد 2/ 124، و4/ 157، والبيهقي 2/ 369، وابن عدي 2/ 475، وابن المنذر في الأوسط لوحة 280 من طرق عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن أبي بكرة فذكره. وبكار مختلف في توثيقه، انظر تهذيب التهذيب 2/ 478، 479، وقال في التقريب "صدوق يهم " وأبوه "صدوق " كما في التقريب.
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (38) وعبد بن حميد في المنتخب (82)، والحاكم 1/ 550، والبيهقي 2/ 371، والمخلص كما في جلاء الأفهام ص 33 من طريق سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف فذكره. ورجاله ثقات، عدا عبد الواحد بن محمد فلم يوثقه سوى ابن حبان. ورواه الإمام أحمد (1664)، من طريق سليمان بن بلال به، دون ذكر عاصم بن عمر، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. ورواه أيضا، أحمد (1662)، والبيهقي في الموضع السابق من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف فذكره، ورجاله، ثقات، عدا أبي الحويرث، وهو صدوق سيئ الحفظ كما في التقريب، وصحح هذا الإسناد أيضا الشيخ أحمد شاكر. وقد حسن هذا الحديث الشيخ محمد ناصر الدين في الإرواء (474).
الصحابي فقد قال: إنه في حكم المرفوع، لأنه رضي الله عنه فعل هذه العبادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل عليه، ولم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على مشروعية سجود الشكر.
الدليل الخامس: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا (1)»
الدليل السادس: ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «خرج صلى الله عليه وسلم يتبرز، فاتبعته بإداوة من ماء، فوجدته ساجدا في شربة، فتنحيت عنه، فلما فرغ رفع رأسه، فقال: أحسنت يا عمر حين تنحيت عني،
(1) رواه النسائي في تفسيره 2/ 219، رقم (458)، وفي سننه الكبرى- كما في تحفة الأشراف 40/ 414، رقم (5506)، وفي المجتبي في كتاب الافتتاح باب سجود القرآن 2/ 159 عن إبراهيم بن الحسن المصيصي عن حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره. ورواته ثقات، إلا أن حجاج بن محمد اختلط بآخرين، وكان كما ذكر ابن سعد قدم بغداد من المصيصة لحاجة فتغير، ولم يزل بها حتى مات، فلعل إبراهيم بن الحسن المصيصي سمع منا بالمصيصة قبل اختلاطه، وقيل: إن ابن معين أمر أولاد حجاج أن لا يدخلوا عليه أحدا بعد اختلاطه، وقال بعض العلماء: إن أحاديث الناس عند صحاح إلا ما روى سنيد عنه، وقال الإمام الذهبي بعد ذكره اختلاط حجاج:"ما هو تغيرا يضر. . . وحديثه في دواوين الإسلام ولا أعلم شيئا أنكر عليه مع سعة علمه". انظر الطبقات الكبرى 7/ 333، وسير أعلام النبلاء 9/ 449، وتهذب التهذيب 1/ 205، 206، و 4/ 244. قال السيوطي في الدر المنثور 7/ 165:" أخرجه النسائي وابن مردويه بسند جيد " وجود إسناد هذه الرواية أيضا الشوكاني في فتح القدير 4/ 428، وقال شيخنا عبد العزيز بن باز من بعض دروسه:"هذا سند لا بأس به"، وقال الحافظ في الدراية 1/ 211:"رواته ثقات"، وقال ابن كثير في تفسيره:"رجال إسناده كلهم ثقات". ورواه محمد بن الحسن الشيباني كتاب الحجة باب سجود القرآن 1/ 109 ومن طريقه الدارقطني في سننه في سجود القرآن 1/ 407، والطبراني في الكبير 12/ 34، رقم (12386)، وفي الأوسط 2/ 11، رقم (1012) والخطيب في تاريخ بغداد 13/ 54 عن عمر بن ذربه كما في الرواية السابقة. ورجاله ثقات، عدا محمد بن الحسن ففي روايته ضعف انظر الميزان 3/ 153، ولسان الميزان 5/ 121. وقال أبو محمد الغساني في كتابه تخريج الأحاديث الضعاف وسنن الدارقطني ص 150 بعد ذكره لهذه الرواية:"محمد بن الحسن ليس بقوي". ورواه الدارقطني في الموضع السابق من طريق عبد الله بن بزيع عن عمر بن ذربه كما في الروايتين السابقتين. وعبد الله بن بزيع ضعيف جدا. انظر: الكامل 4/ 1566، ولسان الميزان 3/ 263 ورواه الشافعي في كتابه القديم كما في معرفة السنن للبيهقي 3/ 252 عن سفيان عن عمر بن ذر عن أبيه مرسلا ورواه الببهقي في سننه الكبرى 2/ 319، وفي معرفة السنن 3/ 252 عن طريق ابن المقرئ عن سفيان به كما في الرواية السابقة. ثم قال البيهقي في السنن:"هذا هو المحفوظ مرسلا، وقد روي من أوجه عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن حبير عن ابن عباس موصولا، وليس بقوي". ورواه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 338، رقم (5870) عن معمر عن عمر بن ذر به كما في الروايتين السابقتين.
إن جبرائيل أتاني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات (1)»
الدليل السابع: ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعا، قال:«مر رجل بجمجمة إنسان، فحدث نفسه، فخر ساجدا، فقيل له: ارفع رأسك فأنت أنت وأنا أنا (2)»
وهذه القصة قد تكون من شرع من قبلنا وقد قصها النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها، وقد ورد في شرعنا ما يوافقها، فتكون حجة على مشروعية سجود الشكر.
الدليل الثامن: ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر بحاجة فخر ساجدا (3)»
(1) رواه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص (24) من طريق سلمة بن وردان حدثني مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر فذكره، وسلمة بن وردان ضعيف كما في التقريب. ورواه الطبراني في الصغير (1016) وفي الأوسط، والضياء في المختارة كما في القول البديع ص 158، 159، من طريق الأسود بن يزيد عن عمر، وقال السخاوي:"قلت: إسناده جيد، بل صححه بعضهم".
(2)
رواه البزار كما في كشف الأستار (755) عن الوليد بن عمر بن سكين ثنا حبان بن هلال ثنا جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر فذكره، وإسناده حسن، رجاله ثقات عدا الوليد بن عمر، وهو صدوق كما في التقريب، وعدا جعفر بن سليمان- وهو الضبعي- فهو " صدوق، زاهد " كما في التقريب، وقال الهيثمي في المجمع 2/ 287:"رجاله ثقات". وقال البزار: " لم أحسب جعفر بن سليمان سمع ابن المنكدر ولا روى عنه إلا هذا على أنه روى عن من هو دونه في السن، مثل بشر بن المفضل وعبد الوارث". وقول البزار فيه نظر، فقد ذكر الإمام مسلم في مقدمة صحيحه أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا أن إمكان اللقاء كاف للاتصال، انظر صحيح مسلم مع شرحه للنووي 1/ 130، ولا شك في إمكان اللقاء بين هذين الراويين، وأيضا فقد ذكر المزي في تهذيب الكمال لوحة 196 ابن المنكدر في شيوخ جعفر بن سليمان، والله أعلم.
(3)
رواه ابن ماجه (1392) عن يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمر بر الوليد بن عبدة السهمي عن أنس بن مالك فذكره، وإسناده ضعيف، يحيى بن عثمان صدوق، لينه بعضهم؛ لكونه حدث من غير أصله، كما في التقريب، وابن لهيعة اختلط بعد احتراق كتبه، وقال في نيل الأوطار 3/ 128:"في سنده ضعف واضطراب".
الدليل التاسع: ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد سجود الشكر (1)»
الدليل العاشر: ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدا، فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا- فعل ذلك ثلاث مرات- ثم قال: "إني سألت ربي وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت لربي ساجدا شكرا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم قمت فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الأخير، فخررت ساجدا لربي عز وجل (2)»
الدليل الحادي عشر: ما رواه أبو موسى رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته سجد سجدة الشكر، وقال: سجدت شكرا (3)»
الدليل الثاني عشر: ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به رجل به زمانة فنزل وسجد، ومر به أبو بكر فنزل وسجد، ومر به عمر فنزل وسجد (4)» الدليل الثالث عشر: مما روي عن عرفجة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا به زمانة فسجد، وأن أبا بكر أتاه فتح فسجد، وأن عمر أتاه فتح فسجد (5)»
(1) رواه الإمام أحمد في المسند 5/ 393 من طريق ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني عن سعيد عن حذيفة فذكره مطولا، ورجاله ثقات، عدا ابن لهيعة، فهو صدوق، وقد اختلط بعد احتراق كتبه كما في التقريب.
(2)
رواه أبو داود (2775) والبيهقي 2/ 370 ص طريق يحيى بن الحسن بن عثمان عن الأشعث بن إسحاق بن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه فذكره، ويحيى بن الحسن وشيخه الأشعث لم يوثقهما سوى ابن حياد في كتاب الثقات 9/ 249، و6/ 62، 63. والحديث صححه ابن القيم في زاد المعاد 3/ 584، وحسن إسناده الشربيني في مغني المحتاج 1/ 218، وابن الهمام في فتح القدير 1/ 524.
(3)
قال الهيثمي 2/ 289: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه جماعة بن مصعب ضعفه يحيى بن معين والبخاري وجماعة، ووثقه علي بن يحيى، وذكره ابن حبان في الثقات".
(4)
سبق تخريجه.
(5)
سبق تخريجه.
الدليل الرابع عشر: أن سجود الشكر روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم (1)، ولم يثبت عن أحد ممن عاصرهم خلاف قولهم (2)، فهذا كالإجماع منهم على مشروعيته.
الدليل الخامس عشر: قياس سجود الشكر عند النعم المتجددة على السجود والصلاة عند الآيات المتجددة، فكما أنه يشرع السجود عند الآيات المتجددة، لقوله صلى الله عليه وسلم:«إذا رأيتم آية فاسجدوا (3)» ، وكما أنه تشرع الصلاة عند حدوث الآيات المخوفة كالكسوف والخسوف فكذلك يشرع السجود عند حدوث نعمة عظيمة، أو اندفاع نقمة عظيمة (4).
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو القول بمشروعية سجود الشكر، وذلك لقوة أدلته، فالأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما فيه ضعف يسير بحيث يتقوى بغيره، فبعض هذه الأحاديث يكفي لإثبات مشروعية سجود الشكر، فكيف بمجموعها، كيف وقد عضد هذه الأحاديث الآثار الواردة عن بعض الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، ولم يثبت عن أحد ممن عاصرهم رضي الله عنهم خلاف ذلك، وهذا كالإجماع منهم على مشروعيته، فضلا عن أن ذلك هو مقتضى النظر السليم والقياس الصحيح، وأيضا فإن الأدلة التي استدل بها القائلون بعدم مشروعية سجود الشكر كلها ضعيفة، وقد أجيب عنها كما سبق.
(1) وقد سبق ذكر من روى ذلك عنهم منهم.
(2)
المحلى 5/ 12، المسألة، (557).
(3)
روى أبو داود (1197)، والترمذي (3891)، والبغوي (1156) من طريقين أحدهما حسن عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قيل لابن عباس رضي الله عنهما بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فسجد، فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم آية فاسجدوا". فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: "حسن غريب "، والحكم بن أبان "صدوق عابد له أوهام"، كما في التقريب 1/ 190. فالحديث إسناده حسن إن شاء الله، وقد حسنه الشيخ محمد ناصر الدين في تعليقه على المشكاة 1/ 470، والشيخ شعيب الأرناؤوط تعليقه على شرح السنة 4/ 385.
(4)
تهذيب السنن 1/ 410، 411.